هم أطفال في عمر الورود، صفحات بيضاء تملؤها البراءة، يعيشون مع أمهاتهم النزيلات خلف قضبان السجن، حياة أخرى مختلفة عن حياة أقرانهم، رغم أنهم يشتركون في سمات الطفولة، حيث تلمح في ابتساماتهم البراءة، وفي تعاملاتهم البساطة، لا يحقدون ولا يحسدون، يعيشون يومهم بيومهم، ولا يجيدون التفكير ولا التخطيط لغدٍ، ولا يفكرون كيف سيكون مستقبلهم وماذا سيفعلون، إن أسأت إليهم ينسون، فبكلمة حب وحنان يستبدل المشهد فوراً.

هؤلاء هم أبناء النزيلات الذين يقبعون خلف القضبان دون إدراك ولا رغبة منهم، مع أمهاتهم ينتظرون أن يأذن الفرج بخروجهم بعد أن يقضوا فترات عقوبة متراوحة دون أي ذنب سوى أنهم أبناء لأمهات ارتكبن جرائم بحق أنفسهن، معظمها إقامة علاقات غير مشروعة، نتج عنها هؤلاء الأطفال من الحمل السفاح.

حضانة دار الأمان في المؤسسات العقابية والإصلاحية في الشارقة، استقبلت منذ مطلع العام الجاري 65 طفلاً لم يتبق منهم سوى 13 فقط، إذ أن أعداد الأطفال تتغير مرتين أو ثلاثاً في الأسبوع، نتيجة خروج البعض مع أمهاتهم سواء بالإفراج أو الإبعاد.

دعم نفسي

مريم إسماعيل مديرة حضانة دار الأمان في الشارقة، قالت إن فكرة إنشاء الحضانة انبثقت من رغبة الجهات المعنية في التخفيف من حدة وقسوة الحياة داخل سجن النساء، إذ تعمل هذه الدار على تحسين وضعية أبناء السجينات، وتقديم الدعم الصحي والنفسي والمعنوي والتنموي للأطفال، مع الحرص على تكوينهم بشكل سليم، يخدم أهداف المجتمع المستقبلية، حيث يحظى الأطفال في الدار بكل أنواع الرعاية.

وأشارت إلى أن أحد أهم أهداف الدار بقاء الطفل إلى جانب والدته، لتتمكن من تغذيته بالرضاعة الطبيعية، ولمنح الأم الفرصة للانخراط في البرامج الإصلاحية التي وضعتها المؤسسة العقابية، ما يمكّن السجينات من تقويم سلوكهن، فضلاً عن تقديم حزمة من الخدمات المعيشية والاجتماعية لهؤلاء الأطفال.

وأوضحت مديرة الدار، أن الحضانة تؤوي أبناء النزيلات حديثي الولادة إلى عمر عامين، وفوق ذلك يتم تحويلهم إلى دار الرعاية الاجتماعية في الشارقة، لافتة إلى أن الدار لا تجبر النزيلات على إلحاق أطفالهن بها، إذ يشترط موافقة الأم وتوقيعها إلى جانب توقيع المؤسسة على تسليم الطفل للدار، وعدا ذلك فإن الأم تتحمل مسؤولية ابنها داخل العنابر.

وبينت أن الدار لا تفرق بين أبناء النزيلات، رغم تصنيفهم إلى فئتين في الأوراق الرسمية فقط، هما B وC، حيث تشير الأولى إلى الأطفال مجهولي النسب لتسجل علامة x أمام خانتي الأب والجنسية، أما الفئة الثانية C فهم أطفال التصدع الأسري، وهم الأبناء الشرعيين لزوجين انفصلا ولا يوجد معيل لهم.

وأشارت إلى أن دور الدار يبدأ منذ أن يتم الإبلاغ عن ولادة النزيلة، وتبدأ رعاية الطفل بصورة مؤقتة إلى أن يحدث أحد الأمرين؛ إما أن تنتهي عقوبة الأم أو يتم إبعادها مادام الطفل لم يكمل العامين، وتوفر الدار كل احتياجات الطفل من ملبس ومأكل ومشرب في صورة إنسانية بالغة، تنم عن شيم أهل وقادة هذه الدولة، كما تحيط الصغار برعاية صحية بالغة بالتعاون مع مركز الأمومة والطفولة في الشارقة، لتقديم التطعيمات اللازمة، بالإضافة إلى وجود اتفاقية مع إدارة مستشفى القاسمي لتحويل الطفل إلى المستشفى لإجراء أي فحوصات طارئة، علاوة على طبيبة من دائرة الخدمات الاجتماعية تأتي أسبوعياً لفحص الأطفال.

وذكرت أن هناك تعاوناً بين الدار والعديد من الجهات التي تخدم الطفل وتقدم له البرامج التنموية اللازمة لفئته العمرية، مثل حضانة «بيج بن»، التي تقدم لأطفال الدار العديد من البرامج التي تهدف إلى دمجهم مع الآخرين، إلى جانب التعاون مع مركز «ميغا مول» لاصطحاب الأطفال في جولة في المركز الذي يوفر لهم الألعاب الإلكترونية ووجبات مجانية مرتين شهرياً.

10 أسرّة

تنقسم الدار إلى جناحين، يضم الواحد 10 أسرّة، وينظم لهؤلاء الأطفال العديد من البرامج التنموية مثل الحرص على ترديد الأذان والقرآن الكريم والأناشيد الدينية على مسامعهم باستمرار، إلى جانب تعليمهم بعض الحروف التي تتناسب مع أعمارهم ويستطيعون نطقها، بالإضافة إلى تنظيم العديد من الرحلات والجولات لهم إلى المتاحف والشواطئ والحدائق العامة واصطحابهم لزيارة زملائهم المرضى في المستشفيات.

وقالت مريم إسماعيل إنه يتم تقديم جولات فردية لكل طفل على حده مع إحدى المربيات البالغ عددهن 6 مربيات مؤهلات للتعامل مع الأطفال، وحاصلات على شهادات، كما تتوفر في الحضانة مستخدمتين للحفاظ على نظافتها، و4 ممرضات يداومن صباحاً ومساءً بالتناوب لتقديم الخدمات التمريضية للأطفال، وتقديم الرعاية الصحية لهم، ومرافقتهم إلى مركز الأمومة والطفولة لتلقي التطعيمات أو إلى المستشفى إن تطلب الأمر.

الجدير ذكره أن القيادة العامة لشرطة الشارقة تتولى حالياً إنشاء مبنى جديد لسجن النساء، مجاور للقديم يشتمل على غرف تسمح لكل نزيلة باستضافة طفلها في غرفة منفصلة، بما يحافظ على خصوصية وتنشئة الأطفال، ويحميهم من اكتساب أي سلوكيات غير مرغوبة، وحتى يتمتعوا بحنان الأم، بهدف تهيئتهم وإعدادهم مستقبلاً لاندماجهم في المجتمع بصورة سلسة، وتوفير الجو الأنسب لتنشئة صحية ونفسية سليمة، دون إخلال بأمن السجن وتنفيذ الأمهات لمدد المحكومية.

فكرة إنسانية

يحرص مشروع دار الأمان الإنساني، على تقديم عدد من البرامج في أبهى صورها الإنسانية، مع تأكيد إدخال الفرحة إلى قلوب السجينات وأطفالهن في مختلف المناسبات، لاسيما في الأعياد، وقد وفرت الدار جميع السبل أمام الأمهات حتى يعشن وأطفالهن فرحة كل مناسبة كما يجب، بالإضافة إلى تقديم مجموعة من البرامج الدينية والترفيهية والرياضية للأطفال، برامج في العناية الشخصية، إلى جانب البرامج الترفيهية والفنية مثل مسرح العرائس والرسم والتلوين.

200 نزيلة

توفر المؤسسة الإصلاحية والعقابية في الشارقة، طبيبة نساء متخصصة تتابع حالات النزيلات باستمرار، وتتولى تحويلهن إلى مستشفى السجن عندما يحين موعد الولادة، وتحرص على عدم ذكر محل الولادة «السجن» في شهادة الميلاد حتى لا يكون وصمة عار يحملها الطفل طوال حياته، وتؤثر على مستقبله، كما أن ابن الزنا لا ينسب للأب حتى لو اعترف بخطئه، لأن إمارة الشارقة تطبق الأحكام السعودية في الشريعة الإسلامية. وأوضحت المقدم سرور أن الشريحة الأكبر من النزيلات من شرق آسيا، والفئة الأكثر من خدم المنازل، أما نسبة العربيات فلا تتجاوز 2% من عددهن البالغ 200 نزيلة.

إفراج

عفو ومواقف إنسانية في مناسبات كثيرة

أوضحت المقدم منى سرور، مدير فرع سجن النساء في المؤسسة الإصلاحية والعقابية في الشارقة، أن وزارة الخارجية تحث المؤسسة دائماً على إدخال السعادة إلى البيوت، وإلى نفوس كل من غابت عنهم الفرحة، وتفريج الكرب عمن لديهن أزمات مالية ومعالجة ديونهن بغض النظر عن جنسياتهن، وقدمت الوزارة مبلغ 200 ألف درهم من أصل 600 ألف، لإتمام تسوية ديون على نزيلة من الجنسية الفلبينية، ومثل هذه المبادرات تشمل خصوصاً الأمهات والحوامل وكبار السن والمريضات من السجينات، وهناك عفو يطال 50 نزيلة سنوياً من أصل 200.

وفي هذا السياق يتم تشكيل لجنة للنظر في حالات النزيلات، وشمل العفو واحدة من الجنسية الأوروبية بعد قضائها 3 سنوات من أصل مدة حكمها البالغ 15 سنة، نظراً لكبر سنها، إذ تبلغ من العمر 60 عاماً، وقد تميزت بحسن السيرة والسلوك، كما كانت تتعاون مع إدارة السجن في تقديم دورات لغة إنجليزية للسجينات. وهناك العديد من المناسبات التي يصدر فيها العفو عن السجناء خلال العام، منها العيدان الأضحى والفطر، واليوم الوطني لدولة الإمارات وأسبوع النزيل الخليجي.

مواقف

صغار يعانون بجريرة أمهاتهم

في السجن قصص كثيرة واحدة منها تعود لأم من جنسية غير عربية، حكم عليها بالسجن بتهمة قتل زوجها بالتعاون مع شريك، وما أن ثبت الحكم، وحبست خلف قضبان السجن تنفيذاً لعقوبة عدم مراعاتها لسوية السلوك وصحيح الفعل وقوامة الخلق، حتى جاء أهل زوجها يطالبون بحفيدهم الذي كتبت له الأقدار المجيء إلى هذه الظلمة من الحياة، وحصلوا على حكم قضائي بحضانة الطفل نظراً لعدم أهلية والدته، وهي التي كانت معلقة حياتها بابنها ولا تتصور يوماً من دونه.

انتزعوا ابنهم من حضن أمه، رغم صرخاته التي مزقت قلب العاملين في الحضانة قبل قلبها، فهو لم يتجاوز من عمره عاماً ونصف، خرج من الدار مبلل الخدين وقطعاً لم تكن تلك دموع فرح، إنما احتجاجاً بريئاً على تغيير نظام حياته الذي اعتاد فيه رؤية والدته ثلاث مرات يومياً، ليغادر السجن الذي دخله مع أمه بلا رجعة.

لم تفكر الأم التي ما زالت تعيش منكسرة منذ ذلك الوقت خلف القضبان، ولم تنظر إلا إلى أسفل قدميها حين ارتكبت جريرتها، فهي لم تتبع سوى أهوائها، لتحمّل هذا الصغير عقاباً مستمراً من غير جرم له.

الخوف على الأطفال الذكور.. بداية الفكرة

في السابق كان أطفال النزيلات يقيمون مع أمهاتهن داخل عنابر السجن في ظروف استثنائية، طالما أنه لم يتوفر حاضن لهم من ذوي النزيلة، إلى أن تصل أعمارهم إلى سبع سنوات، وهو سن التعلم.

مديرة السجن

أمام هذا الواقع قالت المقدم منى سرور مدير فرع سجن النساء في المؤسسة الإصلاحية والعقابية بالشارقة: فوجئت بابن إحدى النزيلات ذات يوم أثناء تفقدي العنابر، يتحدث معي عن سلوكيات خاصة بالنساء يراها من بعض النزيلات، فتنبهت للخطر الذي يحدق بالصغار وخاصة الذكور، حين ينشأون بين السجينات، ما دفعني لتقديم دراسة متكاملة عام 2003، رفعتها إلى وزارة الداخلية توصي بضرورة إنشاء حضانة تسمى «دار الأمان»، تلحق بفرع سجن النساء، تحتضن أطفال النزيلات تجنباً لاختلاطهم بهن، مما قد يكسبهم سلوكيات غير محمودة، فضلاً عن إمكانية انتقال الأمراض المعدية إليهم.

تعاون مشترك

وأضافت: تم تنفيذ الفكرة عام 2008، كما تم تكريمي لاحقاً على هذا المقترح الإنساني، وافتتحت الحضانة بتعاون مشترك بين القيادة العامة لشرطة الشارقة، وجمعية الشارقة الخيرية، ودائرة الخدمات الاجتماعية، بعد أن توزعت الأدوار بين الجهات الثلاث، ويركز دور الشرطة على بلورة المشروع الناتج من حاجة ملحة لدى النزيلات، والبحث عن شركاء لتنفيذه وتشغيله، أما جمعية الشارقة الخيرية فتولت تمويل مشروع بناء مبنى حضانة «دار الأمان»، في حين تولت دائرة الخدمات الاجتماعية بالشارقة تشغيل وإدارة الدار.

مبادرات عديدة

وأشارت إلى أن المؤسسة تقدم للنزيلات العديد من المبادرات التي من شأنها رفع الروح المعنوية، حيث تحرص الإدارة على عقد مجموعة ملتقيات أسرية سنوياً للنزيلات دون حواجز تعيق تواصلهن مع ذويهن في جو عائلي دافئ ومليء بمشاعر اللقاء والحنين. وقالت منى سرور: تسعى الإدارة إلى تطبيق الخلوة الشرعية للسجينات قريباً، إذ انها قيد الدراسة حالياً، من حيث مكان وفترة وآلية التطبيق. كما تقدم للنزيلات مشروع استضافة أسرة نزيل من خارج الدولة على نفقتها.