لم يتركوا باباً إلا وطرقوه لتنفيذ خطط جهنمية لا تخطر على بال بشر، ينافسون المعاقين الذين امتحنهم الله في إعاقتهم، فمنهم من يتعاطى أدوية هلوسة ومنهم من يصاب برعاش حركي ينتهي كل هذا بعد العرض على اللجنة الطبية والحصول على بطاقة معاق، والسؤال ما الإعاقة في نظر اللجنة الطبية؟

وما إجراءات الحصول على البطاقة؟ نماذج كثيرة نعرضها لنعرف الطبع البشري أين يوصل صاحبه بعيدا عن ضمير رادع وانتهازاً لحق الغير استنادا في تبريراتهم إلى مبدأ «الضرورات تبيح المحظورات».

ويأتي ذلك في الوقت الذي يطالب به عدد من الشباب المواطنين ببطاقة معاق وفق تقارير طبية تثبت عجزهم طبيا، مقابل تعفف معاقين فعليين عن تقديم طلبات الحصول على هذه البطاقة، بسبب عدم حاجتهم المادية، وفق ما أكدته عدد من الموظفات المعنيات باستخراج هذه البطاقة بأحد مراكز وزارة الشؤون الاجتماعية بالمنطقة، فيومياً يتلقين مكالمات تتعلق بهذا الجانب، لدرجة أن بعض المتصلين تنتابه نوبات من الهستريا الحادة جراء رفض طلباتهم..

يبصر النور ويقود مركبته في الشارع، يتوقف فجأة في المواقف المخصصة للمعاقين، واضعاً بطاقة خاصة بالمعاقين على سيارته، في الوقت الذي مر أمامه شخص ليسأله عن سبب توقفه في هذه المواقف الخاصة، ليشهر بطاقة تثبت إعاقته البصرية.

حيث فقد بصره جزئياً جراء حادث مروري، ما أدى إلى استغراب الشخص الذي هو صديق سابق له، ليؤكد حقيقته جملة وتفصيلاً أنه من فئة «الأصحاء المعاقين».

قليلة جداً

وكانت وزارة الشؤون الاجتماعية قد كشفت في وقت سابق عن محاولة مواطنين، لديهم حالات مرضية بسيطة، الحصول على بطاقة المعاق، للاستفادة من المزايا التي تمنحها لحامليها، مستغلين تقارير لمستشفيات حكومية تفيد بنسب عجز بسيطة، لا يمكن تصنيف أصحابها بين فئات الإعاقة.

من جانبه، أفاد وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية المساعد لقطاع الرعاية الاجتماعية حسين الشيخ: بأن تسجيل أشخاص ضمن فئات الإعاقة ليس مسألة عشوائية أو يرجع لمزاج الوزارة، .

وإنما يتم إخضاع التقارير الطبية الخاصة لمعايير محددة تعتمدها وزارة الشؤون الاجتماعية في إجازة التقارير الطبية المقدمة من بعض الأشخاص، حيث يتم تشخيص هذه الحالات مرة أخرى من قبل اختصاصيين موجودين في مراكز الوزارة ومجهزين لفحصهم.

لافتا إلى أن محاولات الاستفادة من بطاقة المعاق من غير حق قليلة جدا، على اعتبار أن هذه الحالات لا تسعى إلى الحصول على بطاقة إثبات إعاقة كميزة وسمة، بل هدفهم الحصول على امتيازات المعاقين والحقوق والمكتسبات المادية والرعاية وغيرها.

وأوضح في سياق آخر، أنه في حال تم وأثبت ادعاء شخص بالإعاقة بشهادة مزورة في حينها تقع عليه العقوبة، وتتخذ حياله الإجراءات اللازمة وأيضا الجزاء المدني. مشيرا إلى أن عدد الحاصلين من المعاقين على بطاقة معاق 5224 شخصاً.

اضطرابات

وهذه أيضاً قصة شاب تقدم بطلب بطاقة معاق كونه يعاني اضطرابات حركية شديدة وفق تقرير طبي يؤكد عجزه جراء حادث مروري تعرض له مؤخراً، علماً بأنه لا يزال على رأس عمله الحكومي ولا يعاني أي مشكلات صحية، ما عدا حادثا مروريا تسبب له في عجز يعتبر وفق التقرير الطبي مؤقتاً .

وإن كان توجد نسبة تأثير إلا أنها لا تصل إلى مستوى الإعاقة الكاملة أو التي تتجاوز نسبة الخمسين في المئة، وهي النسبة التي تمكن صاحبها طبيا من التمتع براتبه كاملاً مع الاستثناءات الأخرى التي يحصل عليها من ادعاء الإعاقة.

لجان طبية

اختلقوا أمراضاً لأنفسهم وشكلت لهم على أثرها لجان طبية ضمنت لهم نتيجة عجزهم عن أداء عملهم مسبقا ليتمتعوا ببطاقة المعاق ومزاياه المالية.

وفي تحقيق الـ«البيان» التي تابعت الأمر لرصد أسباب ظهورهم، فضلاً عن سبل مواجهتهم، تبين وجود قصص لا تخلو من الغرابة منها شرب أدوية للهلوسة أثناء المرور على اللجنة الطبية، وأيضاً طالب يعتبر معاقاً ذهنياً رغم أنه يدرس في القطاع الحكومي وبكامل عافيته.

لذا تبقى شهادات العجز الطبية التي جعلت من صفة المعاق حلماً يراود عدداً من الأصحاء والذين يسعون بشتى السبل لإثباته وإطلاق العنان لـ«مسؤوليتهم» من خلال القيام بتمثيليات وتجاوزات في محاولة منهم لإقناع اللجنة الطبية بمرضهم، ما يتسبب في نهاية الأمر إلى زيادة الإنفاق على مصروفات الدعم الاجتماعي لوزارة الشؤون الاجتماعية.

إلى جانب استنزاف موارد الهيئة العامة للمعاشات والتأمينات الاجتماعية، لا سيما في ظل ادعاء البعض الإصابة بإعاقة للحصول على معاش دعم الإعاقة.

لا تهاون

ومن جانب آخر، أفاد العميد محمد أحمد بن غانم الكعبي القائد العام لشرطة الفجيرة: إن شرطة الفجيرة ممثلة بالإدارة العامة للمرور لن تتهاون أبدا في تطبيق القانون وتحرير المخالفات المرورية للمخالفين الذين يوقفون مركباتهم في المواقف المخصصة للمعاقين، مشيرا إلى أنه رغم كل الحملات التي تقيمها وزارة الداخلية والمخالفات المرورية التي يتم تحريرها تجد من يقف بهذه المواقف.

وقال بن غانم: «إننا نريد إيصال رسالة إنسانية واضحة للجمهور بأن ذوي الإعاقة بحاجة ماسة لأن تكون المواقف قريبة من الأماكن التي يريدونها وهو حق كفله لهم القانون. ونحن نسعى من خلال هذه الحملات التوعوية إلى نشر الرسالة الإنسانية، بالإضافة إلى التنبيه والتحذير.

فهدفنا هو ليس تحرير المخالفات للذين يتوقفون بالمواقف المخصصة للمعاقين، وإنما توعية المخالفين بأهمية هذا الموقف لذوي هذه الفئة الخاصة ومدى احتياجهم لها».

لافتاً إلى أنه في إطار ذلك، دشنت شرطة الفجيرة في مايو الماضي جهاز «مكاني» في مراحله الأولى الذي يقوم بضبط ومراقبة مواقف ذوي الاحتياجات الخاصة، وهو الأول من نوعه عربياً وإقليمياً منعاً لاستغلاله من قبل غير مستحقيه، حيث ضبط الجهاز 90 مخالفة في موقف واحد منذ منتصف مايو.

مؤكدا إلى أن هناك خطة تعاون مع القطاعات المعنية بحقوق المعاق لبحث سبل معالجة بعض تجاوزات أفراد المجتمع والمشتركة فيما بينهم.

جريمة لا تغتفر

واعتبرت المحامية موزة محمد مسعود: إدراج الأصحاء ضمن فئة المعاقين جريمة لا تغتفر، فهناك عدد من الملفات يعتبر محتواها بمثابة تهمة الاستيلاء على المال العام التي تعاقب بالغرامة أو السجن أو الجمع بينهما، فما بالك بادعاء الإعاقة، والحصول على امتيازات المعاقين دون وجه حق، والتي تعتبر قانونياً تحايلاً صريحاً واستهتاراً بالقوانين، وجرأة لا يمكن القبول بتفاقمها.

ودعت إلى حماية حقوق المعاق من المتلاعبين الذين يدعون الإعاقة وهم أصحاء، طمعاً في الحصول على امتيازات لا يستحقونها عبر تفعيل نصوص بعض مواد قانون حقوق ذوي الإعاقة في هذا الجانب، مع تطبيق أقصى العقوبات على منتهكي حقوق المعاقين متمثلين في مدعي الإعاقة أو إحالتهم إلى القضاء.

فرغم اهتمام العديد من الجهات بتخصيص مواقف أو خدمات خصوصاً لمراعاة ظروفهم، إلا أن هناك من يستحوذ عليها دون الوضع في الحسبان الهدف الذي أنشئت من أجله.

محاربة التجاوزات

في حين أبدى عدد من الناشطين في مجال حقوق الأشخاص المعاقين استياءهم من تعدي الأصحاء، مطالبين بضرورة التعاطي مع هذا الملف بكل جدية. كما انتقدوا التجاوزات الموجودة على أرض الواقع، لكنها غير موجودة في بعض مواد القانون، حيث إنها غير مطبقة بالصورة المطلوبة.

فهم يرون أن السبب الرئيسي في هذه المشكلة هي التقارير الطبية التي لا توضح نوع الإعاقة بغض النظر عن درجتها، سواء شديدة أو بسيطة أو متوسطة، ما يتطلب معالجة هذه المسألة فعلياً.

داعين إلى ضرورة تشديد العقوبة ضد كل من تسوّل له نفسه التعدي هذه الحقوق وعدم احترامها أو إحالتهم قصرا أو طوعا إلى القضاء.

ذوو المعاقين يطالبون بالوقوف في وجه من يختطفون حقوقهم

 

 

طالب ذوو المعاقين هيئة شؤونهم بأن تقف عند مسؤولياتها للدفاع عن القانون ومكتسبات المعاقين وتبعد مدعي الإعاقة ومن يسعون للانضمام لذوي الإعاقات وأن يطبق العقوبات عليه أو يتحملوا المسؤولية عن تقصيرهم. وشددوا على ضرورة تشديد العقوبات بحق المنتسبين الذين زوروا انتسابهم إلى ذوي الإعاقات، والذين يختطفون حقوقهم.

متمنين تغيير نظرة المجتمع نحو الشخص المعاق وعدم التكسب بقضاياهم واستغلال الامتيازات الممنوحة لهم، فضلاً عن احترام حقوق هذه الشريحة التي تعد جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الذي نعيشه. وهنا استطلاع آراء بعض المختصين في هذا الجانب، والذي جاء كالتالي:

ففي البداية، أوضحت مريم راشد أخصائية في الإعاقة العقلية: إلى وجود أصحاء يدعون الإعاقة ويطالبون لأن يكونوا معاقين، ففي مقابله هناك الكثير من الإجراءات التي تتخذها الشؤون الاجتماعية للكشف عن الحالات منها انتداب مختصين، ما يشكل ضغطاً على طاقم العمل بتلك المراكز.

مشيرة إلى أن منح بطاقة معاق لأصحاء يعيشون حياة طبيعية، وفي الوقت نفسه يحصلون على الامتيازات التي كفلها القانون للمعاقين، يتطلب الوقوف عند هذه المسألة طويلاً.

ولكن إذا ما نظرنا إلى من يسهل عملية الحصول على بطاقة إعاقة من مستشفيات ومراكز طبية، هو الأمر الأساسي الذي يتطلب معالجته فوراً ومحاسبة كل متسبب في هدر المال العام.

من جانبها، أضافت إيمان النقبي معلمة في التربية الخاصة: إذا حصل وجرى اختراق من قبل بعض الأشخاص ومنحوا شهادة إعاقة مكنتهم من الحصول على بعض الامتيازات التي تمنح للمعاق مثل التقاعد المبكر والعلاوات الوظيفية وغيرها.

فإن ذلك يعود إلى وجود تحايل من قبل الشخص نفسه الحاصل على التقرير، وهو ما يدخل في مصب الحيازة على أموال من غير وجه حق، فهذه الامتيازات تقدمها الدولة لفئة المعاقين التي توليهم اهتماماً خاصاً.

فهناك معاقون يخيل إلى الناظر أنهم أصحاء إلا أنه قد لا يسمع بشكل جيد أو لا يتحدث، ومع ذلك تراهم يزاولون عملهم على أكمل وجه. لذا لابد من تشكيل فرق عمل في فرز المعاقين عن المدعين لكي يحصل المعاق الحقيقي على حقوقه كاملة، ومحاسبة من يدعي الإعاقة.

بالإضافة إلى إعادة النظر في حالات الكشف الطبي وإخضاعهم مجددا للجان طبية تكون بمعرفتها أو تحت إشرافها، لتتأكد بأن الكثير من الحالات لا يستحق بطاقة المعاق الذي حصل عليها أما بالواسطة وإما بالرشوة.

جانب مظلم

وفي سياق متصل، بينت الأخصائية آمنة حميد: بأن ذوي الإعاقة الفعلية وهم ذوو الإعاقة الوراثية كالإعاقة الحركية والإعاقات الناتجة عن الحوادث والأمراض المختلفة، فقد أظلم جانب من جوانب حياتهم بسبب ذلك، ففرضت عليهم الحياة بعض القيود التي أجبرتهم على أن يلتزموا بها.

فخصصت لهم الدول مساحات بسيطة وخدمات مناسبة في المرافق الاجتماعية، وفي المراكز العلمية والتعليمية والصحية وغيرها، لتمنحهم فرصة أن يعيشوا الحياة كغيرهم من البشر، لكن على رغم تلك التي قد نعتبرها امتيازات لهم، فإن هناك وللأسف استخدامات سيئة لهذه المرافق من قبل «العاديون»، حتى أصبحت عبارة «أخذت موقفي، فلتأخذ إعاقتي» شعاراً يحمله ذوو هذه الفئة.

مرجعة السبب في رغبة التحويل من شخص سوي إلى معاق إلى ضمائر أفراد المجتمع وثقافاتهم، والمزايا التي حددها القانون لهذه الشريحة عبر البطاقة منها المزايا المالية. ودعت إلى ضرورة غرس الثقافة الاجتماعية في مجتمعنا حول إعطاء كل ذي حق حقه، من دون المساس بحقوق الآخرين وانتهاكها.