"جرافيك"

الإبداع أساس الحياة، والحاجة أم الاختراع، والموظف، أو المسؤول، ينبغي أن تتوافر فيه روح المبادرة وخيال الفنان وأداء المتقن، ويجب أن يكون مبتكراً في عمله ويعمل على تطويره، والحكومات الرائدة تلك التي تكافئ أولائك الرجال والنساء الذين يعملون بصدق وتفانٍ من أجل رفعة بلادهم وتسهيل الخدمات لمواطنيهم.

وفي دبي، أنشأ حاكمها، صاحب السمو محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، العديد من المبادرات التي تحفز الموظفين وتشحذ هممهم، وتدفعهم نحو المزيد من البذل والعطاء.

ومواطنو دبي أكثر من يقدّر تلك الهبات، ويصون حقوق وظيفته، وقد لمع نجم الكثيرين وهم ينالون الشهادات التقديرية والجوائز القيمة، ومن أولائك رئيس -وصاحب فكرة إنشاء- شعبة تسوية التركات بإدارة الأحوال الشخصية في محاكم دبي، عبدالرحيم أهلي، والحائز جائزة أفضل برنامج إبداعي في حكومة دبي لعام 2007م. «البيان» حلت ضيفاً على أهلي في مكتبه، وأخذت تستقصي منه إحصاءات شعبته والأعمال التي تنفذها، والمشكلات والعقبات التي تواجهها، وأغرب القصص التي مرت عليها.

وفي بداية حديثنا، سألته «البيان» عن أكثر القصص التي عالجتها شعبته إثارة، فقال:

من أكبر التسويات التي قامت بها الشعبة تركة ورثة صاحب شركة صرافة معروفة، تعدت قيمتها الخمسة مليارات درهم، وكانت تحدياً كبيراً لنا، نظراً إلى تشعب التركة وكثرة عدد الورثة، وقد قمنا بحل هذا الملف في وقت قياسي.

ويضيف أهلي أن هناك ملفات معقدة، فهناك على سبيل المثال تركة بدأت في المحاكم منذ عام 1982 بقيمة 700 مليون درهم، ونظراً إلى الخلافات الكبيرة بين أطراف الورثة، فإنها لم تحل حتى عام 2013، وكانت قيمة التركة وقتها ارتفعت أصولها لتصل إلى 2.5 مليار درهم، وأخيراً قمنا بتوزيعها برضا كل الأطراف، وعلى العكس هناك ملفات كثيرة قمنا بحلها خلال جلسة واحدة، وهناك آخرون نستمر معهم شهوراً وسنوات.

وعن أغرب الحالات التي قام بتسويتها، يجيب أهلي أن شخصاً جاء إليه، موضحاً أن شخصاً أعطاه مبلغاً من المال منذ فترة طويلة، وبلغ 300 ألف درهم، ثم توفي هذا الرجل، ولم يستطع أن يعرف من هم ورثته، إلى أن تمكنّا نحن في الشعبة من خلال علاقاتنا من أن نصل إلى هؤلاء الورثة، لنعطيهم المبلغ الذي كان قد زاد وأصبح 700 ألف درهم، وحالة مثل هذه تبين لنا صفات جميلة كالوفاء والأمانة التي تعطينا مثلاً وقدوة للتعامل بين الناس.

ملفات التسوية

وأكد أهلي أن شعبة تسوية التركات بإدارة الأحوال الشخصية بمحاكم دبي أصدرت إحصائية للربع الأول من العام الحالي، تتضمن أعداد الملفات التي وصلت إليها لكي تقوم بتسويتها، ووصل عدد الملفات إلى 63 ملفاً، اتفق على حل 59 منها، وأحيل إلى القضاة 4 ملفات بنسبة تسوية وصلت إلى 93%.

وعن سبب إنشاء الشعبة، يوضح عبد الرحيم أهلي أن الشعبة أنشئت بدافع حل نزاعات التركات التي كانت قد كثرت في الأعوام الأخيرة بشكل ملحوظ، وكان الحرص على عدم دخول أفراد الأسرة الواحدة في مشكلات كثيرة عند تقسيم التركات هو همنا الأكبر، إضافة إلى أن اللجوء إلى المحاكم والدخول في معارك قضائية دائماً ما يطول أمدها، مما يحول دون التواصل وتوطيد العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة،

كما أن حل القضايا داخل أروقة المحاكم يتبعه كثير من الالتزامات والأعباء، مثل كثرة عدد القضاة الذين ينظرون هذه القضايا، وإشغال قاعات المحاكم التي لا تستطيع استيعاب هذا الكم الهائل من القضايا، وغيرها من الأسباب التي كانت سبباً رئيساً في البحث عن حل.

فريق عمل

وأفاد أهلي أنهم في الشعبة يعملون كفريق عمل واحد من خلال 9 أفراد خبراء في تقسيم التركات وتتعدى خبراتهم الثلاثين عاماً، يتناوبون في ما بينهم على تسلُّم ملف كل تركة على حدة، ثم يقومون بدراسته دراسة دقيقة ووافية، توضح لهم طبيعة الورث، وما إذا كان بالإمكان تجميع كل الورثة في جلسات موحدة، أو الاجتماع بهم فرادى لكي يستطيعوا استيعاب طلبات المتنازعين، ومعرفة ما يفكرون فيه، ثم الوصول من خلال الشعبة إلى صيغة مشتركة، يجتمع عليها المتنازعون لكي يصلوا إلى حل مثالي.

ويشير إلى أن هذه الجلسات والاجتماعات معهم تأخذ طابعاً ودياً إلى أقصى درجة، وفي كثير من الأحيان يجتمعون خارج قاعات المحكمة في أماكن عامة مثل الفنادق، ما يكون له تأثير إيجابي في حل كثير من المنازعات بسرعة فائقة.

وأوضح أن عمل التسويات الودية أبرز دوراً إيجابياً للمحكمة، تمثل في كونها مؤسسة اجتماعية وتوعوية وإصلاحية، وعدم اقتصارها على كونها جهة قضائية فقط، وإبعاد المتنازعين عن اللجوء إلى التقاضي، إضافة إلى توفير الوقت والمال والجهد عليهم، بإبرام اتفاقيات قانونية قابلة للتنفيذ الفوري وعبر الصلح، ويتم ذلك عبر الاتصال المباشر بالمتخاصمين دون وساطة ممثليهم القانونيين، ضماناً لسرعة التسوية، وإصلاح الخلافات بين الورثة، لافتاً إلى أن هذه الخدمة تشمل جميع المقيمين بجميع فئاتهم وجنسياتهم.

إرضاء الأطراف

ويشير عبد الرحيم إلى أن معظم القضايا التي يبحثون في حلول لها، يرجع معظمها إلى اختلاف وجهات نظرهم ورؤيتهم لما سيحصلون عليه من التركة، ويضاف إلى ذلك التضليل الذي يقعون فيه من محاميهم، أو تشعب التركة وتعقيدها، بما يجعل من الصعب الوصول إلى حلول مرضية لكل الأطراف، فهناك تركات تحتوي على أموال، وأخرى عقارات، وثالثة على سفن ومراكب، وغيرها الكثير من الأشياء الذي يكون التفاهم بشأن الحصول عليها صعباً جداً، في ظل وجود أعداد كبيرة من الورثة.

ويوضح أن الشعبة في حال إذا ما توصلت إلى حلول مرضية للجميع، فإنهم يرفعون الملف الخاص بالورثة إلى قاضي الأحوال الشخصية المختص الذي ينظر في ما وصلنا إليه من حلول، وإذا اقتنع بالتسوية قانونياً ووجدها عادلة لجميع الأطراف وقد وافق الجميع عليها دون ضغط أو جور لطرف على الآخر يعتمدها القاضي، وفي حال لم تتم التسوية يتم توجيه الملف إلى مصلح آخر، ويحاول مرة أخرى جمع الأطراف والعمل على التسوية، وفي حال فشلت الجهود في حل النزاع ودياً نكتب ملخصاً بالملف، ويتم تحويله إلى قسم التركات لفتح دعوى قضائية.

أكبر القضايا

ويضيف عبد الرحيم أن من أكبر القضايا التي اشتغل عليها من حيث عدد الأطراف تركة تضم 29 وارثاً، تنوعوا بين زوجات وأبناء غير أشقاء وحالات وفاة لبعضهم، وكانت قيمة التركة بلغت المليار درهم والمئتي مليون، وتنوعت بين الأراضي والبنايات بمواقع مختلفة، فبعضها أراضٍ مميزة، والآخر أراضٍ أقل قيمة، فكانت الصعوبة في كيفية إقناع هذا العدد بقبول تنويع ورثهم بين أموال وأراضٍ وبنايات حتى يرضى كل الأطراف.

خارج الحدود

ويشير إلى أن هناك تركات تمتد حدودها إلى خارج الدولة، فهناك قضايا تركات تشعبت أصولها بين الإمارات والسعودية وعمان وبريطانيا، وفي هذه الحالة إذا ما نجحنا في حل هذه الملفات، نرسل توصيات وطلبات إلى الجهات المعنية في هذه البلدان، لكي يمكنوا الأشخاص المعنيين من تسلُّم ورثهم في تلك الدول، ومعظم هذه الحالات تمثلت في عقارات وأراضٍ هناك.

 

جوائز

قال عبدالرحيم أهلي إن شعبة تسوية التركات كانت قد حصلت على جائزة أفضل تجربة إدارية على مستوى المحاكم عام 2007، وحصل هو على جائزة الموظف المبدع، وأفضل برنامج حكومي في دبي، ويرى أنه هو وزملاءه ما كانوا ليصلوا إلى هذا المستوى إلا من خلال التشجيع الذي يلقونه من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، الذي يبعث فيهم دائماً بتوجيهاته وكلماته روح التحدي لتقديم الأفضل، من خلال الجوائز والمسابقات المحفزة لهم إلى الإبداع والابتكار، كما أن رؤساءه في محاكم دبي كان لهم أثر كبير في تشجيعه على تنفيذ أفكاره، ودعمهم المتواصل لكل ما فيه فائدة للمجتمع الإماراتي.