التفكير في قضية "إدمان المخدرات"، عبر إنجاز سلسلة من المعارف القانونية ضمن إصدارات التوعية المجتمعية التابعة للنيابة العامة في دبي، يحمِّل الإعلام الأمني والمجتمعي في الإمارات مجدداً، أهمية البحث في آلية استحداث الأشكال التوعوية للقضية، بأبعادها الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، كونها تمثل ضرراً مستمراً، يتوجب إقصاؤها من البيئات الحيوية.

وذلك ضمن منهجية تنموية لمفهوم الوعي المجتمعي، حيث تجسد الأخير في كتيب بعنوان "ريحانة الشيطان" وهو الإصدار الثاني، لمبادرة النيابة العامة في دبي، لنشر الثقافة القانونية والمجتمعية عن الجرائم ذات الخطورة الأمنية على الأفراد، مستهدفاً الكتيب بيان أثر تجارة المخدرات، بقيمة أرباح تصل إلى حوالي 400 مليار دولار سنوياً، ومتسببة بمقتل ما يقارب الـ200 ألف شخص في السنة الواحدة.

وقد حرص المستشارون حمد جمعة الخلافي، ويوسف سالم الحمادي، وإبراهيم محمد عبدالقادر، المعنيون بإنجاز المضمون العلمي للكتيب، بإضافة النظرة الدينية والتوجهات الإسلامية حول مسألة تجارة المخدرات وتعاطيها، إلى جانب الأطروحات القانونية ونصوصها العقابية.

غير متوقع

المفاجأة هي ردة الفعل الأولى لأهل المتعاطي، عند اكتشافهم لأمره، توكيد يوثقه كتيب "ريحانة الشيطان" المبني على العديد من الدراسات العلمية والبيانات الميدانية، من قبل الباحثين فيه، حيث قالوا حول ذلك: "الكثير لا يتوقع أن يسقط ولده أو أخوه أو أحد أقاربه في هاوية المخدرات، نتيجة للثقافة السائدة، والمواد التثقيفية الكثيرة التي تبثها وسائل الإعلام المختلفة والمتعلقة بمخاطر المخدرات"..

وهنا يعيد الكتيب إلى أذهان القارئ، أهمية النظر في العوامل المتسببة في إدمان المخدرات، التي تتفق المنظمات الدولية بأن أغلبها متشابه، وأن بعض الاختلافات قد تظهر اعتماداً على طبيعة مجتمع كل بلد.

والمتتبع للكتيب يلحظ البعد التوجيهي والمعرفي للمضمون، من خلال احتوائه على تعاريف تفصيلية لمفهوم الإدمان باعتباره حالة مرضية تصيب الإنسان من خلال تعوده على استعمال أو استخدام مواد معينة لا يشترط أن تكون مخدرة، وبين استخدام المؤثرات العقلية كدافع للتعاطي والإدمان، ما يؤدي إلى مشاكل صحية ونفسية واجتماعية.

بيئة الإدمان

الوقوف أمام المراحل الأربع التي يشرحها الكتاب، يمثل خلفية معرفية لفهم بيئة الإدمان، وطريقة موضوعية لكشف سبب تركز متوسط عمر المدمنين الخاضعين للعلاج بين أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات و"التجربة" هي حجر الأساس في مضاعفة الاستجابة الذهنية والجسدية من قبل الشخص المقبل على تعاطي المخدرات، يعبر من خلالها بحسب الباحثين إلى مرحلة قبول للتعاطي، مروراً بـ"التعاطي المنتظم"، وصولاً إلى الإدمان أو ما أسماه الباحثون في الكتيب بـ"الاعتماد".

"ما الجديد في هذه الأطروحة؟" سؤال قد يتجلى إلى مخيلة القارئ، حول معطيات فقرة "مراحل الإدمان"، إلا أن كتيب "ريحانة الشيطان"، حاول توضيح فكرة الإدمان المتعلقة بمعدل التعاطي بالدرجة الأولى، لافتاً أن التعاطي مرة واحدة لا يمثل إدماناً، إلى جانب أهمية الوعي بدوافع ومحفزات التعاطي والإدمان، والذي أكد الباحثون أنها قائمة على عدة عناصر منها: توفر المادة المستعملة.

ومدى اضطراب شخصية الفرد وطبيعة نشأته، إلى جانب عنصر الصحبة والأصدقاء، الذي يعتبر المتسبب الأبرز في الخليج والبلدان العربية لإدمان المخدرات، وأخيراً عنصر الظروف الأمنية والاقتصادية المضطربة، وأشار الباحثون أن تفاعل العناصر جميعها شرط أساسي لتحقق الإدمان.

الأثر الاقتصادي

ويوضح الباحثون في كتيب "ريحانة الشيطان"، أن تجارة المخدرات تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الكثير من المنظمات الإجرامية أو الإرهابية، وبحسب التقارير فإن سوق التجزئة الإجمالي لمخدر الكوكايين، وهو الأكثر رواجاً في أمريكا الشمالية والجنوبية يصل إلى 85 مليار دولار تقريباً، موضحاً الكتاب أشكال علاقة الإرهاب بالمخدرات ومنها التبادل التجاري بين المخدرات والأسلحة العسكرية.

وأوضح الكتيب الوضع القانوني في دولة الإمارات، من خلال ملحق اختص ببيان شأن جرائم المخدرات، ضمن القانون الاتحادي رقم 14 لسنة 1995.

 

أولياء الأمور

 

القيمة المعرفية في كتيب "ريحانة الشيطان" الصادر من النيابة العامة في دبي، ضمن سلسلة الإصدارات المعرفية القانونية، إنما يمثل جزءا حيويا، للتواصل القائم على الموضوعية في التباحث بين المؤسسات القانونية والعقابية والمجتمع، وتحديداً الأسر المتمثلة بأولياء الأمور.

لأنهم يمثلون الشريك الأبرز في تحقيق الأمن المجتمعي والإنساني، حيث إن الاطلاع على محاور التعرف على المدمن، وأنواع المخدرات والمؤثرات العقلية، وغيرها من الأشكال والوضعيات للمدمنين سيساهم في جعل الوالدين على دراية تامة من جهة، ويسهل عملية التبليغ الرسمي، وبالتالي الانتقال إلى مراحل العلاج الطوعية.