انفصال بلا شهود

الطلاق العاطفي موت غير معلن للزواج

الطلاق العاطفي يبدأ بعدم التفاهم

شرع الله الزواج كوسيلة سليمة لبقاء البشر، وديمومة الحياة، وكمعين لاتباع الإنسان لأوامر دينه ونواهيه، وصيانة عواطفه وشهواته من الزلل والانحراف، فكانت له أحكام وآداب، وله تبعات وتكاليف ومسؤوليات، يفترض من الزوجين الالتزام بها، حتى تستمر عربة السعادة في المسير على سكتها الصحيحة، وحتى تستقيم الحياة الزوجية وتتحقق الأهداف سالفة الذكر.

لكن هذا الميثاق الغليظ الذي يربط الزوجين، قد يتعرض لتهتكات، وارتخاءات، وصدأ في حلقات الربط التي تضمن تماسك الأسرة، ومقاومتها لكل عوامل الشد والجذب الداخلية والخارجية، عندئذ تبدأ الكثير من "الأمراض" بالتفشي في جسد العلاقة الزوجية، واتلاف انسجة المشاعر والأحاسيس بين الشريكين..

وتمزق لغة التواصل والحوار بينهما، حتى يصبح كل منهما امام خيارين، احلاهما مر، فإما الطلاق الشرعي الى غير رجعة، أو ما يسمى "الطلاق العاطفي"، الذي يعد أكثر أنواع الطلاق خطورة، وأشدها ألماً، كون الشريكين يعيشان تحت سقف واحد، لكنهما "مطلقان" من دون شهود.

فالطلاق العاطفي، يظهر بين الزوجين، عندما يغيب الحب، والتفاهم، والانسجام، والاهتمام المتبادل، والثقة، والرغبة الحقيقية في البقاء معاً، فتدخل الحياة الزوجية في حالة موت سريري، يختفي فيها الشعور بالأمان الذي يمثل الركيزة الأساسية لنجاحها واستمرارها، ويسكن الصمت في كل زوايا الحديث الذي كان عامراً ذات يوم بينهما.

وفي هذه المرحلة من الموت غير المعلن للحياة بينهما، تطول فترات الشوق، ويقل التعبير عن الحب بين الطرفين، بل ينحسر تماماً، وتنعدم الرغبة في المعاشرة الزوجية...

فتنشأ الرغبة في البحث عن وسائط أخرى للتواصل مع الجنس الآخر، سواء كانت حلالاً أو حراماً، ثم تتسع الفجوة بانقسام فراش النوم، والاجتماع على الطعام فقط، وكثرة الاختلاف في الآراء، فلا يكاد يهمس الزوج او الزوجة بشيء إلا في أطر وقوالب رسمية باردة وجافة، الى ان يثور البركان الذي ينتظر اللحظة التي ينفجر ليدمر الأخضر واليابس.

تشخيص للواقع

بالحديث عن أسباب هذا "التصحر" في العلاقة الزوجية من الناحية العملية، يقول الدكتور عبد العزيز الحمادي رئيس قسم الإصلاح الأسري في محاكم دبي، إن ثمة تصاعداً "مخيفاً" في عدد حالات الطلاق الناجمة عن ضعف الانسجام بين الزوجين، والجفاف العاطفي، والهجر غير المبرر، والصمت "المزعج"، وتقاعس الشريكين عن تأدية الحقوق الزوجية.

وحذّر الدكتور الحمادي من خطورة هذه المشكلات التي تدفع بالزوجين، أو بأحدهما، للانجرار نحو الخيانة الزوجية، والبحث عن "الحلقة المفقودة" لاشباع الرغبات العاطفية والجنسية والمادية، في وقت لفت فيه الى ان ابرز مذكيات نار الطلاق العاطفي هي ضغوطات الحياة الحديثة التي أخذت تتشكل ضمن قالب مادي بحت، بعيداً عن المشاعر والأحاسيس والعاطفة، ثم عمل المرأة والرجل..

ولامبالاة كل واحد منهما تجاه ديمومة الحياة الزوجية، والثورة التكنولوجية، والاختلاط المبالغ فيه، وعدم اهتمام الرجل برجولته، والأنثى بأنوثتها، وظهور قنوات اخرى للتواصل الاجتماعي سرقت الحياة من دفء وحميمية الشريكين.

وطالب الجهات المختصة بتعليق الجرس، والتحرك العاجل لإجراء دراسات وبحوث على نتائج احصاءات الطلاقين الشرعي والعاطفي، والاهتمام بتوعية جيل الشباب ازاء قدسية الزواج، وعواقب الإهمال، والنظر اليه على انه احتياجات مادية فقط، من مأكل وملبس ومسكن.

أسباب نفسية

علم النفس له كلمة في هذا المرض، وتشخيصه من الناحية النفسية والسيكولوجية، تلخصها الدكتورة أمل بالهول الاختصاصية النفسية، بافتقاد أحد الطرفين لفن التعامل مع الآخر، خصوصاً اذا كان من الشخصيات العدوانية التي تفرض حالة من الخوف من المصارحة، وكذا الشكاكة، والمتذمرة والساخرة..

اضافة الى ان هذا "الجفاف" له علاقة باختلاف بيئة الزوجين، وسنهما، وخبراتهما، وعواطفهما، ومشاعرهما، ومدى تفضيلهما العزلة والانطوائية، وغياب الزوج كثيراً عن البيت، واهمال الزوجة بنفسها وانوثتها، "ناهيك عن الرجال يختلفون في استقبال المعلومات وفي ارسال المشاعر مقارنة بالنساء".

رأي الشرع

يؤكد الدكتور أحمد الحداد كبير المفتين مدير إدارة الإفتاء في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي، أن مصطلح الطلاق العاطفي، هو رديف كلمة "الهجر"، التي هي في الحقيقة وسيلة للإصلاح لا لتعذيب النفس، "فإن كان وسيلة للإصلاح فهو مشروع، وهو وسيلة ثانية بعد الوعظ، وشامل للهجر في الفراش وفي الكلام، بشرط أن لا يزيد على ثلاثة أيام إن كانا في بيت واحد".

ويرى انه ينبغي تجنب استخدام مصطلح "الطلاق العاطفي" لأن لفظ الطلاق لا هزل فيه، فإذا قال الرجل لزوجته أنا طلقتك عاطفياً، أو أنت مطلقة عاطفياً، أو أقر للآخرين أنه طلق امرأته عاطفياً، فإن ذلك يكون طلاقاً حقيقياً؛ لأن "الطلاق جده جد وهزله جد" وإذا أراد الرجل الانفصال عن زوجته فيجب ان يكون ذلك وفق المفهوم الحقيقي للتفرقة.

ويضيف الدكتور أحمد الحداد:" يمكن أن يدوم الهجر في الفراش لعدم الرغبة من أحدهما، إذا رضي الآخر، لأن هذا غير مقدور عليه إلا بعاطفة جياشة، وطاقة جسدية، ويمكن أن يتعايشا كثيراً مع وئام وكلام مع عفو أحدهما عن الآخر في ذلك، فإن لم يعف أحدهما كان عليه أن يبذل ما استطاع بقدر طاقته، ثم بعدئذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ذلك لأن البيوت تبنى على بذل الحقوق لا على المحبة.

اهتمام الزوجات المبالغ به يدفع الرجال إلى الملل

ليس وحده إهمال الرجل للمرأة أو العكس، هو الذي يصيب جسد العلاقة الزوجية بعدوى الطلاق العاطفي، إذ إن الاهتمام الزائد لكل منهما بالآخر، يمكن أن يحقق نفس النتيجة، ويجلب "الويلات" ذاتها، ويسبب اهتراء في الحبل الذي يربط الحب والاحترام والتقدير بين الزوجين، وفق ما يؤكده خليفة المحرزي الخبير في شؤون الأسرة والعلاقات الزوجية، رئيس المجلس الاستشاري الأسري.

ويقول المحرزي ان اهتمام الزوجة بشريكها بشكل مبالغ فيه، وفائض عن الحاجة، يجر نتيجة عكسية، يشعر فيها الزوج بأنه مقيد الحرية.....

ومطالب برد القدر المماثل من الاهتمام، بالتوازي مع ان اغراق المرأة لزوجها بالاهتمام، يجعلها تنسى نفسها وانوثتها وتطوير ذاتها ومهاراتها، ما يتسبب في تعجيل ما يسمى الطلاق العاطفي، الذي يُحدث نوعاً من الفتور والاهتراء في العلاقة بين الطرفين، اللذين يصبح كل واحد منهما مستقلاً في تفكيره واهتماماته وعواطفه مع مرور الوقت.

دراسة

ويضيف المحرزي:" ان القواعد الثابتة التي يجبر عليها الزوج ليست محببة، لأنها تلغي فيه مفهوم القرار الذاتي، بحسب دراسة اجراها المجلس الاستشاري الأسري، جاء فيها ان ما يقرب من 43% من الأزواج يرون ان الاهتمام المبالغ به من قبل زوجاتهم يدفعهم الى الملل، ويجعل العلاقة العاطفية فاترة هشًة، سريعة التحول الى روتين مَرَضي لا يدوم طويلًا، زيادة على أن الاهتمام غير المؤثر يحرض على حلول الخيانة الزوجية.

ويشير المحرزي إلى أن الدراسة نفسها بينت أن الاهتمام الزائد بالزوج يقتل عطاءه العاطفي، مقابل زيادة نسبة الإحباط النفسي للزوجة التي لا تجد الاستجابة الفعالة على كل ما تقوم به من اجل نيل رضا شريكها عنها، "فتشعر بالضيق والتبرم والانزعاج"، لافتاً الى وجود خيط رفيع بين الرعاية "المحببة" والاهتمام "المرضي".

ويرى الخبير نفسه، أن العلاقة الزوجية تحتاج من وقت لآخر إلى صيانة، واعادة تقييم، من خلال تطوير كل شريك لمشاعره وهواياته ورغباته بعيداً عن الآخر، وزيادة جرعة الاهتمام الفكري والجسدي والسلوكي والمعرفي بما يخلق للحياة نكهة وشكلاً جديدين.

حالة ناجحة

ويستحضر خبير العلاقات الزوجية والأسرية، حالة انزلقت الى حفرة هذا المرض الخطير، بعد ان فشلت في الموازنة بين كفتي الاهتمام بزوجها وبنفسها، لكنها "نجحت" في الخروج منها، وتمكنت من استعادة عافيتها، واعادة وضع عربة العلاقة الزوجية على السكة الصحيحة الآمنة.

وبالاقتراب الى مشكلة تلك الزوجة، نقف عند ما روت في تلخيص مشكلتها للمحرزي، حول شبح الطلاق العاطفي الذي بات يهدد مستقبل حياتها الزوجية، حيث قالت:" منحت زوجي اهتماماً كثيراً، حتى نسيت نفسي، واهملت الاهتمام بأنوثتي ورشاقتي، ولم أعد اتفاعل مع حديثه واهتماماته، فصار يتعمد الابتعاد عني...

ويفضل البقاء مع أصدقائه، أو أمام التلفاز، وفي صالة الألعاب الرياضية، بينما صرت انا منطوية على نفسي، بدون لذة أو استمتاع في الحياة الزوجية، الى ان قررت عدم الاستسلام، ومواجهة المشكلة بالعلاج، فانتسبت لأحد مراكز اللياقة البدنية، وصرت أحرص على حضور بعض الندوات والدورات التدريبية لتطوير الذات، وتحسين العلاقة مع الزوج".

تضيف "المتحدثة" نفسها:" بعد هذه الجولة من إعادة التقييم والترميم، تفاجأ زوجي بما تعلمته، وبمستوى الاهتمام غير المسبوق بذاتي، وبعواطفي، ورشاقتي، بعد تخفيض وزني، وتغيير بعض السلوكيات الغذائية، فاصبح يحبني أكثر، ويهتم بي طواعية، وهكذا قهرت الملل وشبح الطلاق بذكائي".

 إحصاءات

 نظر قسم الإصلاح الأسري في محاكم دبي، العام الماضي، نحو 4167 مشكلة زوجية، ترتب عليها طلب طلاق من قبل الطرف المتضرر، مقابل 3989 في 2012، و3343 في 2011. ورصد القسم في 2011 نحو 973 مشكلة عاطفية بين الشريكين، ارتفعت في 2012 الى 1145، ثم الى 1213 العام الماضي، إضافة إلى تسجيل 441 حالة متعلقة بسوء العشرة الزوجية، ارتفعت بمعدل حالتين في 2012، ثم قفزت الى 585 العام الماضي.

وسجل القسم كذلك 227 حالة تقاعس الزوج عن تأدية حقوق الزوجة والأولاد في 2011، ثم 220 في 2012، ارتفعت الى نحو 400 العام الماضي، بجانب التعامل مع 447 حالة ضعف انسجام بين الزوجين في 2011، صعدت إلى 546 في 2012، ثم سجلت قفزة كبيرة إلى 1012 حالة في 2013. أما حالات الهجر بين الأزواج فكانت في 2011 نحو 172 حالة، زادت إلى 199 حالة في 2012، ثم 208 في 2013.

موقف قانون الأحوال الشخصية

الدكتور أشرف أمين، محكم قانوني في محاكم دبي، يؤكد أن الطلاق العاطفي يندرج تحت أقسام الضرر الذي يلحق بأحد الزوجين، ويتمثل بهجره والإعراض عن الكلام معه، كما أن الزوج والزوجة لهما حق طلب التطليق من الآخر، إذا وقع الضرر، كالتعدي بالقول أو الفعل، أو حتى الهجر، لا سيما في فراش الزوجية.

وأضاف أن الطلاق العاطفي هجر بلا مسوغ شرعي، ويحق للقاضي الحكم بالتطليق للمتضرر، وفق المادة (117) من قانون الأحوال الشخصية. كما يجوز لطالب التطليق إثبات حصول الضرر سواء بالإقرار أو شهادة عدلين أو قرائن الأحوال، ويصار إلى لجنة التوجيه الأسرى قبل رفع الدعوى..

فإن تعذر عليها الإصلاح، أقيمت الدعوى. يحيى المعمري، محكم شرعي في محاكم دبي، أكد أن الطلاق العاطفي، ظاهرة دخيلة على المجتمع الإماراتي، وخصوصاً في العقد الأخير من الزمن، ويرى أن تهيج هذا المرض الذي بدأ يغز أنيابه في أجساد الأُسَر، لا يظهر فجأة..

ولكنه ينمو في البيئة المناسبة، ويورث من الأمراض النفسية والجسدية أو العلاقات المحرمة، أو السقوط في الإدمان والخمور والمخدرات، أو مشاهدة الأفلام الإباحية المدمرة، أو حتى العادة السرية، بغية التعويض البغيض، والتحقيق للذات ما تم فقدانه خلال العلاقة الزوجية السوية.

ولفت المعمري إلى الواقع الذي تعاني منه الأسرة العربية عموماً، والمتمثل بالهموم المكبوتة لدى الزوجين، والتي تختفي معها لغة المصارحة والحوار، فتنشأ قناعة داخلية لاحقاً، بأنه لا فائدة من الاستمرار في العيش معاً، مقابل خوف كل طرف من تبعات الطلاق الشرعي، ونقد المجتمع.

ويستذكر المعمري قصة أحد الأزواج، حيث قال: «كان لي حديث مطول مع أحد الأزواج من خلال عملي، تتلخص مشكلته بأنه، ومنذ اليوم الأول لزواجه، كان يعاني من عدم تقبل الزوجة للمعاشرة الزوجية إلا في وقت معين، والتهرب الدائم منه، ما أدى مع الوقت إلى الجفاف في العلاقة، وصبر على ذلك سنين..

وكان يلمِّح تارة، وتارة يصرح برغبته في الزواج إن بقي الأمر على ما هو عليه، ولكن الزوجة كانت تتكئ على حبه لها من دون السعي للإصلاح، وانشغالها بالدراسة والأولاد، ما أدى في النهاية لتصحر في العلاقة، لدرجة أنه لم يكن مع الوقت التواصل إلا لأمر يتعلق بالبيت أو الأولاد».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات