يكتسب قسم الترجمة في المحاكم، أهمية بالغة في العمل القضائي، وكفاءة العاملين، فهو همزة الوصل والوسيط "الوحيد" بين أطراف الدعاوى "غير الناطقين بالعربية" والقضاة، وقد أولت محاكم دبي قسم الترجمة اهتماما كبيرا، وتحرص على اختيار وتوظيف مترجمين قانونيين، ذوي خبرة عالية في هذا المجال، وتتابع تدريبهم، وتأهيلهم، بما يلبي طموحاتها، ومتطلبات العمل، إلا أن عبد الله محمد العوضي رئيس شعبة شؤون المترجمين هناك، أشار إلى أن ثمة تحديات وعقبات أمام عمل المترجمين، خصوصا في ظل مزيج الثقافات والجنسيات غير المتجانس في الدولة.

وكشف رئيس شعبة شؤون المترجمين للبيان، عن وجود دراسة جاهزة، لتقديم خدمات الترجمة في قاعات المحاكم عن بعد، من خلال نظام الدوائر التلفزيونية المغلقة، من دون الحاجة لذهاب المترجم إلى القاعة. وقال عبد الله العوضي إن البنية التحتية للمشروع جاهزة، وكذا الكوادر الفنية، وإن الدراسة الشمولية للمشروع بانتظار الموافقة على الميزانية التي يحتاجها التنفيذ، من إدارة المحكمة.

ولفت إلى أن المقترح يسهم في حل كثير من التحديات التي تواجه قطاع الترجمة، منها توفير الجهد والوقت المهدر أثناء تنقل المترجمين بين قاعات المحاكم، وضبط برنامج توزيعهم حسب الحاجة، وكذا توفير الخدمة "بكبسة زر" في الوقت الذي يحتاجه القاضي من دون انتظار وصول المترجم أو انتهاء مهمته في قاعة أخرى.

وأشار إلى أن هذه الطريقة، تعزز جانب الدقة لدى المترجمين، وتجعلهم أكثر حرصا على التركيز والتجاوب مع الهيئة القضائية، وتجعلهم يشعرون بأنهم مراقبون، ومحاسبون، لا سيما وأن جميع مداولات الجلسة بما في ذلك الترجمة ستكون مسجلة تلفزيونيا، وقابلة للمراجعة، عند الحاجة إليها.

تحديات القسم

وقال العوضي إن من أبرز التحديات في القسم، نقص عدد المترجمين، وتزامن استدعائهم إلى قاعات المحاكم في وقت واحد، وهو وقت الذروة الذي يتركز في الساعة الثامنة والنصف صباحا، وحتى الحادية عشرة ظهرا، لاسيما وأن مترجمي القسم البالغ عددهم 17 مترجما يوفرون الترجمة للمحاكم المدنية والجزائية والشرعية، والمرور، مع محكمة المرقبات.

حلول مؤقتة

وتلبية للطلب المتزايد على المترجمين، في ظل الامكانات المتاحة، و"العدد غير الكافي " للمترجمين، فقد أوجد القسم حلاً "مؤقتاً" يقضي بترتيب القضايا المدرجة في القائمة المرسلة من النيابة العامة بالتعاون مع أمناء السر، بحيث يتم النظر أولاً في القضايا التي لاتحتاج إلى الترجمة، ثم القضايا الاخرى لغير المتحدثين بالعربية في الوقت المتبقي من الجلسة، بحيث يتم تجنب تعذر وجود المترجمين في أي من القضايا لانشغالهم في ترجمة قضايا أخرى.

تحديات أخرى

وبالابتعاد قليلاً عن التحديات "الادارية"، ثمت أخرى استعرضتها البيان مع المترجمين أنفسهم، عبد القادر جيلاني مترجم عربي/انجليزي/اوردو، يواجه إشكالية متكررة في قاعات المحاكم، لان المدعين أو المدعى عليهم "يدعون" أنهم يجيدون التحدث باللغة الانجليزية، فيبدأ هو باستجوابهم باللغة الانجليزية بناء على الاسئلة الموجهة إليه من الهيئة القضائية، ليكتشف سريعا أن قدرة بعضهم على فهم المصطلحات الانجليزية القانونية ضعيفة جدا، الامر الذي يستدعي طلب مترجم آخر يجيد لغتهم الاصلية.

الاشكالية الثانية كما يراها جيلاني هي اختلاف اللهجات والثقافات لدى المتقاضين، وطريقة نطقهم حروف اللغة التي يتحدثون بها. ويستذكر مثالاً على ذلك أنه وأثناء ما كان يترجم لإحدى المدعيات البنغاليات باللغة الانجليزية، وإذا بها تشتكي إلى القاضي بأن زوجها يرفض إعطاءها(fastfood- أي الطعام الجاهز)، حتى استغربت الهيئة القضائية والمترجم من هذه الشكوى، ليكتشفوا بعد الاستفسار منها مرة ومرتين، أنها تقصد الـ (passport- أي جواز السفر).

الهروب من" نعم أو لا"

محمد معوض مترجم روسي عربي، يواجه مشكلة أخرى توقعه في الحرج مع الهيئة القضائية، حتى يظهر بمظهر وكأنه "يحقق" مع المتهم، ذلك لأن المتهمين يتعمدون عدم الإجابة بنعم أو لا، حينما يطلب منهم القاضي الإجابة على أسئلته، ويحاولون الدخول في تبريرات مطولة.

يقول معوض:" هذا الاسلوب من بعض المتهمين يوقعني في حرج مع الهيئات القضائية التي قد يعتقد بعضها أنني لست متمكنا من فهم المتهم، أو أنني أقوم بدور المحقق لسماع أقواله من جديد، إلى أن صرت اتخذ موقفا من هؤلاء المتهمين، وأتعمد مقاطعتهم لاحصل على الإجابة بنعم أو لا، وصارت الهيئات القضائية تعرف هذا الاسلوب، وتتيقن أن المشكلة ليست في المترجم".

ويسوق المترجم مثالاً على ذلك، مفاده أنه عندما سأل أحد المتهمين الروس فيما إذا سرق ساعة فاخرة بقيمة 30 ألف درهم أم لا، فأجابه "الثاني":"هل يعقل أن أسرق ساعة وأنا أعيش في فرنسا منذ 15 عاما؟".

فضل شامي مترجم اوردو وإنجليزي، يستذكر طرفة حصلت معه أثناء الترجمة، تؤكد على ضرورة أن يكون المترجم على دراية باللهجات بما فيها اللهجات التي تتحدث بها الهيئة القضائية، حيث لم يكن يعرف وقت ذاك أن "العربية" تعني سيارة، ووقع في ربكة عندما قال له القاضي:" اسأل المتهم لماذا استأجر العربية ورفض دفع المبالغ المستحقة عليها؟"، وفسر العربية على أنها امرأه، وترجمها للمتهم على أنها ذلك، فما كان من الأخير إلا إنكار التهمة، وصابته الدهشة عندما سمع ذلك، إلى أن تم تدارك الموقف بعدما فهم المترجم المعنى الحقيقي للعربية واستأنف سؤاله من جديد".

قصة أخرى تدلل على ضرورة فهم كيفية لفظ الحروف ومعانيها، تتلخص أن البنغاليين لا يلفظون بعض الحرفوف بصورة صحيحة، وعندما سأله المترجم شامي من أين جلبت المشروبات الكحولية قال له " من السماء"، وهو يقصد من عجمان، لكن المترجم فهمها أن المتهم جلبها من السماء وأنه يتهكم أو "يكفر" الامر الذي أثار سخط "الاول الذي أعاد طرح السؤال أكثر من مرة إلى أن فهم المعنى الحقيقي.

ترجمة حرفية

سامي غنيم مترجم إنجليزي، يرى أن التحدي الاكبر أمام المترجمين هو كيفية ترجمة الأقوال إلى مصطلحات قانونية، وبالعكس، خصوصا في ظل التعامل مع أطراف ليس لديها خبرة في هذا المجال وتتحدث بكلام ولهجات محلية قد يصعب ترجمتها حرفيا. ويستذكر غنيم قصة حصلت معه في إحدى القاعات، حيث تفاجأ بعد استدعائه إليها أن المتهم أبكم، ويحتاج إلى خبير في لغة الإشارة.

من جانبه أكد المترجم محمد أسلم على أهمية اطلاع المترجمين على أمر الإحالة قبل الترجمة الفورية في الجلسة، من أجل تجويد الترجمة، ومنحها جانبا أكبر من الحرية، والبحث عن المرادفات المناسبة.

ولفت إلى تحد آخر أمام المترجمين هو ترجمة المصطلحات التي يتحدث بها بعض الشهود المختصين في الجوانب الاقتصادية أو التجارية أو الطبية أو غيرها، لجهة أنهم يتحدثون بلغة ومفردات صعبة ومتخصصة جدا، مقابل شريحة أخرى من المتهمين والشهود غير المتعلمين، الذين لا يجيدون فهم المصطلحات القانونية، ولا الحديث بها، في ظل عدم صبر القضاة على السماع كثيرا لهم بانتظار ترجمة ما يقولون إلى العربية.

 

حاجة ماسة

أوضح عبدالله العوضي أن قسم الترجمة يحتاج إلى 5 مترجمين، ضليعين في ترجمة الانجليزية والاوردو، إلى العربية، مشيرا إلى أن ثمة اتفاقية بين المحاكم والنيابة العامة، بشأن تبادل خدمات الترجمة والمترجمين، حال احتياج أي طرف لهم، وأن هذه الاتفاقية وفرت حلولاً سريعة للطرفين.