«لم يعتقد رب الأسرة أحمد أن خوفه المفرط على ابنه سيكلفه ثمناً باهظاً، فعندما علم بتعاطي ابنه المواد المخدرة، نصحه بتركها والابتعاد عن تناول الممنوعات، ورفض الاستغاثة بالجهات المختصة خوفاً من الفضيحة والعقوبة، لكن يبدو أن القرار كان في غير محله، فسرعان ما تفاقمت المشكلة وتدهور مستقبل الابن لينذر بسواد أعظم، فحياة ابنه انتهت سريعاً جراء تناول جرعة زائدة حرمته من الزواج والأبناء، حينها لم ينفع الندم بعد فوات الأوان».

هذا السيناريو مقتبس من واقع حقيقي، يتكرر عند بعض الأهالي والأسر التي تخشى على أبنائها من إبلاغ السلطات بمشكلة تعاطي الابن للمخدرات والأقراص الممنوعة، وتظل صامتة على المشهد المخيف لأبنائها رغم توفر المراكز العلاجية وتخفيف العقاب على «المجرمين في حق أنفسهم»، لكن رغم ذلك لا يزال الخوف والقلق يقبعان داخل الأسرة، مغلقين طريق النجاة أمام المدمنين، وليتحول صمت الأسرة إلى إدمان أخطر من حالة المتعاطي نفسه، لأن الصمت ربما يفتح الباب لجرائم أبشع وأكبرتزج به بين قضبان السجون.

فتح الأبواب

لعل ما أكد عليه الدكتور مهند عبدالواحد اختصاصي الأمراض النفسية، يثبت أن القضية تحتاج إلى تظافر جهود المؤسسات والمجتمع لمعالجة المشكلة، لأن طرفاً واحداً لا يمكنه معالجة القضية، إذ يحتاج المريض أو المدمن إلى فتح الأبواب أمامه من جديد في سوق العمل، وكثيراً ما يراود المدمن الخوف والقلق من عدم توفر الوظيفة أو فقدان الوظيفية الحالية عند إعلان التوبة بالاتجاه إلى مراكز العلاج، فضلاً عن الشك الذي يساوره إزاء تفشي خبر إدمانه في الوسط الاجتماعي رغم أن الجهات المعنية تحرص على السرية والكتمان من انتقال الخبر وانتشاره.

وشدد اختصاصي الأمراض النفسية على خطورة ارتكاب الأهالي خطأ فادحاً بعدم الإفصاح عن أبنائهم المدمنين، لأنهم غير مدركين بالكوارث الناجمة عن ذلك مثل وقوع مشاكل أخلاقية وأسرية، فضلاً عن توفر فرص انتقال عدوى الإدمان إلى بقية الأفراد في العائلة، إذ يستدرج بعض الأزواج زوجاتهم في هذا المنحدر الضيق، ويتركون أطفالهم دون اهتمام ورعاية، وثمة الكثير من القضايا المتعلقة بآثار تناول هذه الآفات وقع ضحيتها جميع أفراد العائلة، مؤكداً أن التخلي عن الزوج أو الابن المدمن لا يعد حلاً للمشكلة، وإنما يزيدها سوءاً، إذ يحتاج المريض إلى تواجد أفراد العائلة من حوله واهتمامهم باعتباره الدواء الأكثر فاعلية لعلاج الإدمان.

أقراص «الترامادول»

ذكر خالد النقبي موظف، قصة طالب في المرحلة الثانوية وقع ضحية الإدمان على أقراص «الترامادول»، ورفض ذووه الاستعانة بالجهات المعنية وطلب المساعدة منها، وقال إن الشاب كان مستواه الدراسي جيداً، لكن بعد ذلك هبط مستواه العلمي تدريجياً إلى مرحلة الخطر، لاسيما بعد خروجه المستمر بصحبة أصدقائه إلى المقاهي ومحلات ألعاب الكمبيوتر والبليارد والسهر ليلاً حتى ساعات متأخرة، موضحاً أن ارتياد الأماكن المشبوهة والتدخين خطوة مبكرة نحو المخدرات وخلافها من الممنوعات.

وأضاف النقبي أن تصرفات الشاب دعت الشكوك تحوم حوله من قبل عائلته، إلى أن جاء موعد قطع الشك باليقين عند رؤيته ممدداً على الأرض دون حراك، ليتضح بعد الكشف والمعاينة أنه مدمن على تناول أقراص الترامادول، لكن والده خشى من الفضيحة وحرص على التكتم على الموضوع وعدم اللجوء إلى الجهات المعنية لطلب العلاج، ما دعاه إلى معالجة ابنه في عيادة خاصة تقع في إمارة أخرى، مشيراً إلى أن المدارس مطالبة بتكثيف التوعية في هذا الجانب، خاصة وأن الجيل الجديد يتصف بالانفتاح على العالم، ويحب تجربة كل ما هو جديد. ابن الحي

 

استهجن عباس فرض الله موظف، ردود بعض أولياء الأمور السلبية إزاء إدمان الأبناء، وتسترهم المحفوف بالكثير من المخاطر، لاسيما وأن المخدرات وما ينضوي تحتها من أشياء ممنوعة أزهقت أرواح أفراد في أوج شبابهم، مسترسلاً قصة أحد أبناء الحي الذي كان يسكن فيه يبلغ من العمر 18 عاماً وقع في براثن «الممنوعات»، وبدا واضحاً على ملامح حياته التغير المفاجئ، بعد ذلك سعى جميع الأصدقاء لردعه عن تناول الأقراص الممنوعة، لكن المحاولات لم تفلح وظل مصراً على ما يفعل.

وأضاف فرض الله أن الشاب كان اجتماعياً يندمج مع الآخرين سريعاً، لكن تلقائيته بالتعامل جعلته لا يُفرّق بين الأشخاص السيئين والأسوياء، إذ لاحظ جميع أبناء الحي تسلل بعض السيارات الرياضية الغريبة لاصطحاب ذلك الشخص، ولم يدم ذلك طويلاً حتى تلقى الجميع خبر وفاة الشاب، مؤكداً أن عدم تقيد الشاب بعمل أو نشاط محدد دفعه إلى الاتجاه نحو هذا الطريق.

 

غياب وعي الأسر بأهمية إدخال المدمن إلى المصحة العلاجية

أوضحت مريم سالم السلمان مديرة دار التربية الاجتماعية للفتيات بالشارقة أن سبب خوف الأهالي من تسليم أبنائهم المتعاطين لمراكز إعادة تأهيل المدمنين هو نتيجة عدم امتلاك ولي الأمر الوعي الكافي بمدى أهمية وجدوى إدخاله للمصحات العلاجية للتخلص من الإدمان والعودة للمجتمع بصورة سليمة تساعده على التأقلم في المجتمع بشكل طبيعي، فضلاً عن عدم اطلاع ولي الأمر على البرامج العلاجية التي تقدم للأبناء في مثل هذه المصحات ومراكز التأهيل سواء عن طريق وسائل الإعلام المسموعة أو المرئية بالنشرات التعريفية، وتخوف أولياء الأمور من نوعية العلاج وخاصة التي تعتمد على العقاقير الطبية إذ تصنع منه مدمناً من نوع آخر.

وضمت السلمان صوتها إلى أصوات الكثير من الآراء، مؤكدة أن الخوف من الفضيحة أدى إلى تستر الكثير من الأهالي على الابن المتعاطي، لاسيما وأننا نعيش في مجتمع متعارف متقارب، مشيرة إلى أن الآثار الناجمة عن عدم إدخال المريض لمراكز إعادة تأهيل المدمنين، قد تكون سبباً لاستدراج آخرين من أفراد الأسرة إلى الدوامة المظلمة خاصة إذا كان المتعاطي هو رب الأسرة ويمثل القدوة لأبنائه أو أشقائه إن كان هو الأكبر سناً، إلى جانب احتمال فرصة وقوعه في شرك المروجين الذين يرعونه ويمدونه بالمال مقابل الترويج لهم ويحولونه إلى عضو نشط ضد المجتمع فيفقد بذلك حريته الشخصية ويصبح اسير رغباتهم.

علاوة على ذلك، قالت السلمان إن التأخير في العلاج، يفقد المريض علاقاته الاجتماعية السوية، ويصبح في دائرة مجتمع المدمنين المغلقة، ويتأثر بسلوكياتهم الخطرة من خلال ضربهم بالقوانين عرض الحائط، وانتهاك المحرمات وتحدي السلطات، ويبدو أن صمت أولياء الأمور عن تعاطي أبنائهم في المراحل الأولى تجعل أمر العلاج أكثر تعقيداً، إذ يفقد الابن السيطرة على إرادته وقدرته على فك أسره من الإدمان، مؤكدة أن المدمن يصاب بالخمول والكسل وكراهية العمل فيفقد وظيفته أو دراسته، وتتراكم عليه الضغوطات الاجتماعية والنفسية والصحية والاقتصادية ويفقد الكثير من العلاقات الأسرية الحميمة كالزوجة والأبناء.

واستطردت: كثيرة هي القصص التي طالعتنا بها الصحف أو حصلت لأشخاص من هذا المجتمع فقدوا فيها حياتهم ثمناً لهذه الآفة، ففي إحدى المرات أقيم عزاء لابن الأسرة المتعاطي والذي وجدوه اهله ملقى أمام باب منزله بعد تناوله كميات كبيرة من المخدر فرفض الأب استقبال المعزين بابنه وقال «اراحني الله من شره فقد عجزت عن القدرة في منعه من التعاطي»، كما أخبرتني صديقتي عن متعاط ٍومروج للمخدرات، تستروا عليه أهله لمدة حتى فوجئوا ذات ليلة باقتحام رجال الأمن للمنزل، واخذه من أمام ابنه وزوجته المذهولين.