وقفت النيابة أمام محكمة جنح أبوظبي تطلب الرأفة بالمتهم، كانت تطالب المحكمة أن تنظر إليه بعين الرحمة، وذلك رغم يقينها بأنه مدان بتهمة الإهمال التي أدت إلى دمار حياة ومستقبل ولديه، ولكنها قالت إنه المتضرر الأكبر من نتائج خطئه، فالضحية هما ولداه، وهو ليس بالأب القاسي الذي يمكن أن يسمح لأي سوء بالاقتراب من ولديه، فكيف يمكن تخيل أن يكون هو المتسبب به. لم يكن هذا الطلب من النيابة خروجاً عن دورها، بل هو في عمق أدائها لواجبها كخصم شريف، وكجهة قانونية تدافع عن المجتمع وتقوم على حماية أمنه واستقراره.

قالت النيابة ما نتج عن الحادث من احتراق معظم أجزاء جسدي ولدي المتهم، هو أكبر عقوبة يمكن أن تصيبه، ولذلك لا داعي لأن يصدر ضده أي حكم قضائي، ولنتركه يداوي جروح ابنيه ويقوم على علاجهما، وطلبت له وقف تنفيذ العقوبة، وهو ما أقرت به المحكمة، إضافة إلى الحكم بإلزام شركة التأمين بدفع التعويضات اللازمة للطفلين.

في يوم الحادث اصطحب الأب طفليه إلى أحد المراكز التجارية في أبوظبي، ولأنه كان يريد أن يشتري شيئاً محدداً وبسرعة، فقد تركهما في السيارة وحدهما ونزل لشراء ما يحتاج بسرعة، وكان أن ترك السيارة في وضع التشغيل لكي يستطيع ابناه الاستفادة من المكيف. ولكن ما حدث أن ماساً كهربائياً أصاب السيارة فاشتعلت، وكانت النار تسير فيها بسرعة كبيرة بحيث لم يتمكن أي من القريبين منها الوصول إلى الطفلين وإخراجهما قبل أن تصل إليهما النار في المقعد الخلفي، خاصة وأن الأبواب كانت مغلقة.

وعندما وصل الأب إلى سيارته كانت قد اشتعلت بشكل شبه كامل وكان الناس يحاولون الوصول إلى الطفلين لإنقاذهما. وهو الذي تحقق لكن بسرعة أقل بكثير من سرعة النيران التي كانت قد قضت على 80 بالمئة من جسد أحدهما، و60 بالمئة من جسد الثاني، وتركتهما شبه أحياء.

أغلق السيارة ولكن..

وتعتبر ظاهرة ترك الأبناء في السيارة لشراء أو إحضار شيء من السلوكيات المنتشرة، ولم يكن خطأ هذا الأب أنه ترك السيارة ومحركها يعمل، فهو ربما أراد بذلك أن يحمي أطفاله من الاختناق إن أطفأ المكيف، وهو ما لم يفكر به والدا ثلاثة أطفال لا يزيد عمر أكبرهم على الخامسة، عندما حضرا لاستخراج مستند قانوني من المبنى الرئيسي لدائرة القضاء في أبوظبي، وتركا السيارة مطفأة وبداخلها أطفالهم الثلاثة، وأثناء مرور أحد رجال الشرطة المسؤولين عن أمن المحكمة، شاهدا الأطفال وهم في حالة انهاك شديدة من الحرارة المرتفعة ويكادوا يختنقون، وكانوا يحاولون الصراخ وضرب زجاج السيارة بأيديهم الصغيرة.

ولأن السيارة كانت تحمل لوحة تعود لإحدى الدول المجاورة، لم تستطع الشرطة الوصول بسرعة إلى مالكها والتواصل معه، ولم يكن أمام رجال الشرطة سوى محاولة فتح السيارة بالقوة وإنقاذ الأطفال الذين بداخلها.

وعند وصول أبوي الأطفال كانت الشرطة قد استطاعت كسر أحد أبواب السيارة وإخراج الأطفال وإسعافهم، وبمجرد التأكد من أن والد الأطفال هو صاحب السيارة وهو من تركهم، قامت الشرطة بالقبض عليه وإحالته إلى النيابة بتهمة الإهمال الذي أدى إلى ضرر. ثم أرسلت الأم إلى حيث أولادها في المستشفى لكي تطمئن عليهم وتطمئنهم بوجودها معهم، لأنهم لم يكونوا قد كفوا عن البكاء.

لم تكن هذه هي الحالة الوحيدة التي تم فيها ضبط حالات لترك الأطفال في السيارة والتسبب بأذى لهم أمام مبنى المحكمة في أبوظبي، رغم أن دائرة القضاء وفرت غرفة خاصة للأطفال مجهزة بالألعاب، كي تستطيع العائلات وضع أطفالهم فيها تحت رعاية مشرفات متخصصات، إلى حين الانتهاء من تعاملاتهم. وآخر هذه الحالات والتي لم تتم إحالتها إلى الشرطة رحمة بالأم والطفل، كانت عندما تركت إحدى المراجعات طفلها الصغير نائماً بالسيارة ودخلت إلى مبنى المحكمة لأخذ استشارة قانونية، وبعد أن أنهت معاملتها بدقائق فوجئ الموظف المختص بها تعود وهي تحمل طفلها الذي كان بحالة إغماء، وتكاد هي من شدة الرعب الذي أصابها أن تفقد الوعي أيضاً، ثم تبين أنها كانت قد تركته في السيارة نائماً، وعندما عادت إليه كان في حالة اختناق بسبب الحرارة وقلة الهواء.

 

تنشر الصحيفة

بالتعاون مع دائرة القضاء في أبوظبي

قصصاً من أروقة القضاء

بهدف نشر التوعية