لم تكن مصادفة أن تُصدر محكمة جنايات أبوظبي الحكم في قضيتين معاً في الجلسة نفسها، هذا ما أكده القاضي عند نطقه بالحكم في قضيتي خطف متشابهتين في الدوافع والأسباب وصفة كل من المتهمين والمجني عليهما، ومع هذا جاءت الأحكام متباينة بشكل كبير، فبينما حصل المتهم في إحدى القضيتين على حكم بالسجن عشر سنوات، حُكم على المتهمين في القضية الثانية بالسجن ثلاث سنوات فقط، مع إبعاد المتهمين بعد تنفيذ العقوبة. وما إن نطق القاضي بالحكم حتى تعالى صوت والد المتهم الثاني متهماً المحكمة بالمحاباة، وبأنها ظلمت ابنه بأن لم تعطه الحكم نفسه الذي حصل عليه المتهمان الآخران، فأجابه القاضي بأنه كان متأكداً من ردة الفعل هذه، ولذلك أصر على أن ينطق بالحكم في القضيتين معاً، لتكون فرصة للمحكمة أن توضح للعامة كيف تنظر المحاكم إلى القضايا، وكيف أن كل جريمة هي حالة متفردة، ولا يوجد على وجه الإطلاق جريمة تشبه الأخرى، ولذلك وضع المشرّع لكل جريمة عقوبة بحد أقصى وأدنى، وأعطى الصلاحية للقضاة، لكي يقدّروا لكل جريمة عقوبتها حسب دوافعها وشخوصها وتفاصيلها ومدى جسامتها وتأثيرها على المجني عليهم والمجتمع ككل، ووفق أيضاً ما تنمّ عنه من شخصية المتهم، ومدى تفشي الجريمة في روحه.
إهانة وتحقير وإيذاء
وبشرحه لتفاصيل القضيتين وحيثيات الحكم في كل منهما، قال القاضي إن كلتيهما تضمنت قيام موظفين بخطف ابنة رب العمل، لكي يحصل الموظف على حقه من أجر، تعنت رب العمل في إعطائه إياه، ورغم هذا التشابه، فقد كان هناك تفاصيل، رغم أنها لا تصب في أصل الجريمة، ولكنها كانت مهمة جداً من وجهة نظر المحكمة، ففي القضية الأولى كان المتهم فيها من إحدى الجنسيات الآسيوية، وقد حُكم عليه بالسجن عشر سنوات، لإدانته بخطف ابنة رب عمله الذي ينتمي إلى جنسية المتهم، ثم اصطحبها إلى مكان سكنه، وهناك كان أول ما قام به أن إنهال عليها ضرباً بكلتا يديه وقدميه حتى أدماها، وكأنه يفرغ حقده على والدها بضربه إياها، وعلى مدى الأيام التي قضتها الفتاة لديه، لم يترك وسيلة لإهانتها وإيلامها إلا واستخدمها، ولم يوفر حتى الشتائم المحقرة لها ولوالدها، وحتى الطعام كان لا يقدم لها منه إلا اليسير، وبما يحفظ حياتها دون أن يُشبعها، إذ تحدثت الفتاة أمام المحكمة بحرقة عن تلك الأيام القاسية، وكيف كان المتهم يقدم لها أسوأ أنواع الطعام الذي كانت تعافه نفسها، ويجبرها على أكله، مذكّراً إياها بأنها لطالما أكلت وشبعت من المال الذي يسرقه والدها منه ومن زملائه في العمل، وإذا رفضت الأكل ضربها وأمسكها من شعرها، ثم وضع وجهها في الطبق، وكانت التفاصيل التي روتها الضحية كثيرة، وفي مجموعها حملت الكثير من الإهانة والتحقير، ما ترك في روحها جرحاً عميقاً لن تبرأ منه بسهولة.
لطف واحترام
أما القضية الثانية التي أدين فيها رجل عربي وابن أخته بخطف ابنة رب عملهما ليفاوضاه أيضاً على تسديد حقوقهما المالية لديه، فقد عاملا الفتاة بكل لطف واحترام، حتى إنها أكدت للمحكمة أنه من فرط عنايتهما بها كانت تنسى للحظات أنها مخطوفة، وقالت إنهما من اللحظة الأولى قاما بتهدئتها وطمأنتها بأنهما لا يريدان بها سوءاً، وأن هناك مشكلة مالية بينهما وبين والدها سيقومان بحلها، ثم سيفرجان عنها، وأنها ليست طرفاً في هذه المشكلة، وهما لا يحملان لها أي ضغينة، ثم وضعاها في غرفة لائقة، وتناوبا على خدمتها، وتأمين كل ما تطلب، ولم يحاول أي منهما مسّها حتى بكلمة أو نظرة، بل كانا يقدمان اعتذارهما في كل مناسبة لاضطرارهما إلى خطفها. وقد حرص كلا المتهمين على تقديم أفضل الطعام لها، وذلك بعد سؤالها في كل مرة عن المفضّل لديها، وعند كل أذان كان أحدهما يأتي إليها ليذكّرها بوقت الصلاة، إضافة إلى كل ذلك، فقد وفرا لها كل ما تحتاج إليه كفتاة من خصوصية، وكذلك وسائل الترفيه المنزلية، حتى لاتشعر بالملل، وكانت هذه المعاملة للمجني عليها التي أقرت بها وحكت بنفسها تفاصيلها، هي التي شكّلت الفرق في الحكم بين القضيتين. وقالت المحكمة «هذا لا يعني أن المتهمين لم يرتكبا جريمة الخطف، بل هما مدانان بها أمام القانون، وقد قُضي بسجنهما وإبعادهما عن الدولة عقوبة لذلك، ولكن في الوقت نفسه لم يكن للمحكمة أن تنظر إلى الجريمة في الحالتين بالمنظار نفسه، وكان من الظلم أن تقضي بالعقوبة نفسها في الجريمتين، فالضحية في الحالة الأولى تضررت نفسياً بشكل كبير، بينما خرجت الفتاة في القضية الثانية بحال أفضل بكثير.
تنشر "البيان" صباح كل أحد بالتعاون مع دائرة القضاء في أبوظبي قصصاً من أروقة القضاء بهدف التوعية .