قال المستشار الدكتور محمد محمود الكمالي مدير عام معهد التدريب والدراسات القضائية، إن ظاهرة الاتجار بالبشر محط الاهتمام المحلي والإقليمي والدولي لما لها من أبعاد إنسانية وأخلاقية وقانونية لكونها تتعلق باستغلال البشر وانتهاك حقوقهم الأساسية والمساس بكرامتهم والإساءة إليهم، لذا صدر القانون الاتحادي رقم 51 لسنة 2006م في شأن الاتجار بالبشر وتضمن تحديداً دقيقاً لجرائم الاتجار بالبشر والتي تُعنى بوضع استراتيجيات وآليات الدعم القانوني والاجتماعي وتبادل الممارسات والمعلومات مع المجتمع الدولي للوصول لأفضل الطرق لمكافحة جرائم الاتجار بالبشر وحماية ضحاياه.

جاء ذلك خلال إدارته لندوة "مكافحة جرائم الاتجار بالبشر ودور اللجنة الوطنية" التي نظمها معهد التدريب والدراسات القضائية تحت رعاية معالي الدكتور هادف بن جوعان الظاهري وزير العدل رئيس مجلس إدارة المعهد، بمقر المعهد في المدينة الجامعية بالشارقة بحضور 89 مشاركاً من أعضاء السلطة القضائية، وضباط الشرطة، والمحامين، وأساتذة وطلاب كليات القانون، والمهتمين، والإعلاميين.

تعاون دولي

وأضاف الكمالي أنه وفي إطار حرص الدولة على تعزيز التعاون الدولي وتبادل التجارب وقعت العديد من الاتفاقيات مع الدول والمنظمات الدولية ذات العلاقة، إضافة إلى عضويتها كمؤسس في مجموعة "أصدقاء متحدون لمكافحة الاتجار بالبشر في الأمم المتحدة"، ودعمها للخطة العالمية للأمم المتحدة لمكافحة الاتجار بالبشر، وانضمامها إلى نظام "بالي" لمكافحة التهريب والاتجار بالبشر، الأمر الذي يجعل جرائم الاتجار بالبشر جديرة بالبحث والمناقشة للتعرف عليها وإبراز دور وجهود الدولة في مكافحتها، حيث إنه من أهم أهداف الندوة التعريف بالقانون الاتحادي رقم (51) لسنة 2006م في شأن مكافحة جرائم الاتجار بالبشر، ودور اللجنة الوطنية لمكافحة جرائم الاتجار بالبشر، وآليات وأطر التعاون لمكافحة جرائم الاتجار بالبشر.

اللجنة الوطنية

حاضر في الندوة من لهم خبرة في هذا المجال حيث قدم الدكتور سعيد بن محمد الغفلي - الوكيل المساعد لوزارة الدولة لشؤون المجلس الاتحادي، ومقرر اللجنة الوطنية لمكافحة جرائم الاتجار بالبشر - ورقة عمل بعنوان دور اللجنة الوطنية في مكافحة جرائم الاتجار بالبشر، أكد فيها أن دولة الامارات اتخذت العديد من التدابير اللازمة لمكافحة جرائم الاتجار بالبشر وكان من أهمها إصدار القانون الاتحادي رقم 51 لسنة 2006 في شأن مكافحة الاتجار بالبشر، وفي عام 2007 قامت بتشكيل اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر لتمارس اختصاصاتها المقررة بموجب القانون المشار إليه أعلاه، وتشير النتائج في الفترة السابقة إلى أن الدولة قد قطعت شوطاً متقدماً في ترجمة أهدافها إلى واقع ملموس وفي زمن قياسي قصير، لكنها في نفس الوقت تدرك أن التحديات أكبر، لذا فإنها تسعى لبذل المزيد من الجهود لتحسين أدائها حتى تتمكن من التصدي لهذه الجرائم بمشاركة المجتمع الدولي.

تنسيق الجهود

وتناول نشأة اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر حيث إنها تشكلت بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (15) لسنة 2007 حيث تقوم بتنسيق الجهود وتنفيذ الخطط وتوحيد مستوياتها في جميع أنحاء الدولة، وتتألف اللجنة من ممثلين عن كل من وزارة الداخلية ووزارة الخارجية ووزارة العمل ووزارة العدل ووزارة الصحة ووزارة الشؤون الاجتماعية، بالإضافة إلى جهاز أمن الدولة وهيئة الهلال الأحمر، وبعد سنوات من العطاء دعمها مجلس الوزراء في فبراير عام 2009 بممثلين من النيابة العامة الاتحادية والمحلية، بالإضافة إلى ممثلين عن مراكز إيواء النساء والأطفال ومؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال وجمعية الامارات لحقوق الإنسان.

اختصاصات اللجنة

وعن اختصاصات اللجنة لخصها في دراسة وتحديث التشريعات المتعلقة بجرائم الاتجار بالبشر بما يحقق ويعزز الحماية المطلوبة للضحايا وفقاً للمقتضيات والمعايير الدولية، وإعداد تقارير عن التدابير التي اتخذتها الدولة لمكافحة جرائم الاتجار بالبشر بالتنسيق مع الأجهزة والجهات المعنية بالدولة، ودراسة التقارير الهامة المتعلقة بجرائم الاتجار بالبشر واتخاذ اللازم بشأن ما يرد فيها من توصيات، وتنسيق الجهود بين كافة أجهزة الدولة المعنية من وزارات ودوائر ومؤسسات وهيئات فيما يتعلق بقضايا الاتجار بالبشر ومتابعة الإجراءات المتخذة لتحقيق الأهداف المرجوة منها، ورفع مستويات الوعي الخاص بالاتجار بالبشر عن طريق المؤتمرات والندوات والكتيبات والنشرات الدورية والتدريب وغير ذلك من الوسائل لتحقيق أهداف اللجنة، والمشاركة في المؤتمرات والمنتديات الدولية المتعلقة بمكافحة الاتجار بالبشر.

أربع ركائز

ولقد وضعت اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر استراتيجية ذات أربع ركائز لمكافحة جرائم الاتجار بالبشر وهي الوقاية والمنع، والملاحقة القضائية والعقاب، وحماية الضحايا، وتعزيز التعاون الدولي، ولقد تبيّن لحكومة الإمارات وللّجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر أنه - في كثير من الأحيان - ينتمي كل من المتاجرين وضحاياهم إلى نفس الدولة مما يجعل مهمة السلطات في الدولة في الكشف عن هذه الجريمة ليست يسيرة، وهذا هو التحدي الذي يتم التغلب عليه عن طريق المزيد من التعاون الثنائي الدولي المشترك حيث تم توقيع مذكرة تفاهم مع جمهورية أرمينيا في مجال مكافحة الاتجار بالبشر في سنة 2009م، لتوحيد وجهات النظر في مجال الاتجار بالبشر، كما تم توقيع مذكرة تفاهم مع جمهورية أذربيجان في مكافحة الاتجار بالبشر وذلك في سنة 2011م، وتم توقيع مذكرة تفاهم مع استراليا في مجال مكافحة الاتجار بالبشر في سنة 2013م.

التحقيق والمقاضاة

وقدم خالد حسين فخرا، وكيل نيابة في النيابة الكلية بأم القيوين، ورقة عمل بعنوان التحقيق والمقاضاة في مكافحة جرائم الاتجار بالبشر، تناول فيها ماهية الاتجار بالبشر لغةً وقانوناً، وأركان جريمة الاتجار بالبشر، وأوجه الشبه والاختلاف بينها وبين تهريب المهاجرين، والجهود الدولية والعالمية لمكافحة جرائم الاتجار بالبشر، وجهود واستراتيجية دولة الإمارات العربية المتحدة في مكافحتها، والتحديات التي تواجهها. حيث عرف الفقه هذا الاتجار بأنه كافة التصرفات المشروعة وغير المشروعة التي تحيل الإنسان إلى مجرد سلعة أو ضحية يتم التصرف فيها بواسطة وسطاء ومحترفين عبر الحدود الوطنية بقصد استغلاله في أعمال ذات أجر متدن أو في أعمال جنسية أو ما شابه ذلك، وسواء تم هذا التصرف بإرادة الضحية أو قسراً عنه أو بأي صورة أخرى من صور العبودية، وثمة تعريفات أخرى منها ما جاء في بروتوكول "باليرمو" لمنع وقمع الاتجار بالأشخاص وبخاصة النساء والأطفال، المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية الصادر من الأمم المتحدة سنة 2000 حيث جاء في المادة الثالثة منه أن الاتجار بالبشر هو تجنيد أشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو إساءة استعمال السلطة أو إساءة استغلال حالة استضعاف أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض الاستغلال ويشمل الاستغلال كحد أدنى، استغلال دعارة الغير أو وسائل أشكال الاستغلال، أو السخرة أو الخدمة قسراً أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد أو نزع الأعضاء.

أركان الجريمة

وعن أركان جريمة الاتجار بالبشر فهي الركن المادي والمعنوي، حيث يتكون المادي من ثلاثة عناصر هي السلوك الإجرامي والنتيجة أو الأثر القانوني، وعلاقة السببية بين السلوك والنتيجة، أما الركن المعنوي فهو أمر باطني يضمره الجاني وتدل عليه بطريق مباشر أو غير مباشر الأعمال المادية المحسوسة التي تصدر عنه، والعبرة في ذلك هي بما يستظهره الحكم من الوقائع التي تشهد لقيامه.

مشابهة واختلاف

وعن أوجه الشبه والاختلاف بين الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، فمن ناحية القبول إن تهريب المهاجرين يتعلق بأفراد غالباً يكونون في ظروف خطيرة ومهينة، وهم المهاجرون الذين قبلوا التهريب، أما ضحايا الاتجار بالبشر فهم إما لم يعربوا عن قبولهم أو أن هذا القبول إذا ما عبروا عنه في البداية أضحى بلا معنى نتيجة لجوء المتاجرين إلى القسر أو الخداع أو التعسف والإكراه، ومن ناحية الاستغلال فإن عملية تهريب المهاجرين تنتهي بوصول المهاجرين إلى وجهتهم أما الاتجار فينطوي على استمرار استغلال الضحية بشكل يدر على المتاجرين أرباحاً غير مشروعة، وفيما يتعلق بالبعد غير الوطني فإن التهريب يكون دائماً من بلد إلى آخر، بينما الاتجار قد يحدث بغض النظر عما إذا كان الضحايا ينقلون من دولة إلى دولة أخرى، أو ينقلون من مكان إلى مكان آخر داخل الدولة نفسها.

وقدم المستشار الدكتور محمد محمود الكمالي في ختام الندوة شهادات التقدير للمحاضرين تكريماً من المعهد لجهودهما المبذولة في إنجاح فعاليات الندوة.

دور الإمارات

أكد خالد حسين فخرا وكيل نيابة في النيابة الكلية في أم القيوين، على أن دولة الإمارات ظلت وستظل سباقة في دورها كجزء لا يتجزأ من الحملة العالمية لمكافحة الاتجار بالبشر، كما أن الحكومة قد قطعت شوطاً متقدماً في ترجمة أهدافها إلى واقع ملموس وفي زمن قياسي قصير، وتدرك في ذات الوقت أن التحديات المتعددة والأبعاد المتشابكة المصاحبة لمثل هذا السلوك الإجرامي تستدعي اليقظة المستدامة.