لم تأت إلى هذه المدينة تبتغي رزقاً حلالاً، فهذا طريق طويل تخشى أن يذوي شبابها دون أن تصل من خلاله إلى الحياة التي تريد، فكرت أنها غير مضطرة لذلك وقد حباها الله بجمال يجعل قربها منتهى آمال كثيرين، فلم ترمي أيامها في أتون الشقاء وهي تستطيع أن تعيش مباهج الحياة وأن تأخذ ما تركت في سبيله وطنها في وقت قصير تعود بعده وقد حملت معها ماتبدأ به حياة رغيدة كما تحب وترضى.
اتفاق شيطاني
فترة قصيرة للغاية قضتها في العمل بالشركة التي حضرت إلى الدولة بناء على تعاقدها معها، وما إن حصلت على الإقامة حتى ذهبت إلى صاحب العمل وعقدت معه اتفاقاً أن تتحمل مصاريف الإقامة وأن تعطي للشركة مقابلا لحصولها على التأشيرة مقابل أن يطلق سراحها ويتركها أن تعمل حيث تريد وكما تريد، فوافق على أن تتقدم بطلب إجازة بدون راتب لمدة خمسة أشهر حتى لايتحمل مسؤولية أي سلوك يصدر عنها.
فربما كان يدرك أي طريق اختارت لنفسها، ورغم ذلك رضي أن يشارك بطمعه في مساعدتها على السير فيه، غير مدرك أن للكفيل مسؤوليات أخلاقية يتحملها ضميره إضافة إلى ما يحمله القانون من واجبات.
طريق الجحيم
لم تبحث لنفسها عن عمل بعد ذلك بدخل أكبر، بل اختارت لنفسها طريق الفسق والفجور، لترد فضل البلد الذي وافق على أن تعيش بين ظهرانيه بأن تفشي الفساد بين شبابه وتحطم القيم والعائلات المستقرة فتسرق الآباء من أبنائهم وزوجاتهم، وجعلت من جسدها سلعة رخيصة ومبتذلة متاحة لكل راغب وغالية فيدفع مقابل قربها مالا كثيرا غير مستحق، يسعى إليها الرجال تاركين زوجاتهم الغاليات في منازلهن كجواهر مكنونة.
ولأن في هذه البلد أعينا ساهرة على أمنه واستقراره وكذلك أخلاق وقيم مجتمعه، فقد تم القبض عليها قبل أن تنتهي الأشهر الخمسة التي اتفقت مع صاحب عملها أن تأخذها كإجازة بدون راتب.
أحلام ضائعة
عندما بدأت التحقيقات معها بتهمة ممارسة الدعارة عرفت أنها لابد من مغادرة هذه الدولة وأن أحلامها بالحياة الرغيدة قد انتهت عند هذا الحد، فكان لابد لها من مخرج يجنبها على الأقل دخول السجن بهذه التهمة التي تعتبر الوصمة الأفظع التي قد تصيب أي امرأة في أي مكان من العالم، ولم يكن أمامها سوى اللجوء إلى حيلة الادعاء أنها ضحية الاتجار بالبشر، خاصة بعد أن علمت أن هذه الفئة تحصل على الكثير من الرعاية والاهتمام من قبل الجهات الحكومية المختصة.
وهكذا هداها شيطانها إلى الادعاء بكونها ضحية ووقع اختيارها على صاحب العمل الذي أتى بها إلى الدولة لتدعي بأنه هو من تاجر بها واستغلها في أعمال الدعارة.
اعتقدت أن الأمور سهلة، وربما أوهمها البعض بأنها ما إن تدعي أنها ضحية حتى يتم تحويلها إلى دار الإيواء بدل السجن، ثم يزج بمن قالت إنه يتاجر بها ليقبع مكانها، لم تتوقع أن النيابة العامة في أبوظبي قد أحاطت خبراً بكل الحيل التي يمكن أن تقوم بها المتهمات في مثل هذه القضايا، ولديها وسائل اعتمدتها للتأكد من كل ادعاء، فلا تقدم للمحاكمة إلا من تكون قد اطمأنت إلى تورطه قدر المستطاع، ثم تترك للمحكمة أن تقول كلمتها الأخيرة.
وفي هذه القضية لم تجد النيابة أي اتصال بين الكفيل والمتهمة كما لم يكن هناك أي دليل يؤدي إلى كونها مجبرة على هذا السلوك، فقد كانت حرة الحركة والاتصال مع محيطها وأسرتها في موطنها الأصلي، وكذلك كان حال جميع الفتيات اللواتي قبض عليهن في نفس القضية وادعن أنه يتاجر بهن معاً.
تحريات دقيقة
وبناء على التحريات قررت النيابة استبعاده من الاتهام، بينما حولتها مع الأخريات للمحاكمة بتهة المشاركة في شبكة دعارة، حيث حكم على كل منهن بالسجن ثلاث سنوات مع الإبعاد عن الدولة بعد تنفيذ الحكم.
لم يكتف بأن أنجاه الله من كيد هذه المرأة بأن أسقطت النيابة الاتهام ضده لعدم كفاية الأدلة. فتوجه إلى المحكمة المدنية وطالب بإلزامها بأن تؤدي له التعويض الذي تقدره المحكمة عن اتهامها له كيدياً بأنه أتجر بها، مؤكداً أن القبض عليه بهذه التهمة قد أضر بسمعته وتسبب له بأضرار نفسية ومعنوية كبيرة، أما هي فطلبت رفض ادعائه وعادت وأصرت على اتهامها له، وأشارت إلى أن الاتهام سقط عنه بسبب عدم كفاية الأدلة وليس لثبوت براءته منه.
مسؤولية ورفض
المحكمة التي رفضت الدعوى وقالت بعدم استحقاقه لأي تعويض، أشارت إلى كون براءته جاءت لعدم كفاية الأدلة، وفي نفس الوقت يتحمل هو مسؤولية وضع نفسه في محل الشبهة عندما جاء بها إلى الدولة ثم أعطاها إجازة بدون راتب لمدة خمسة أشهر دون سبب حقيقي وموجب لهذه الإجازة، ثم تركها في الدولة دون أن يعمم عليها متناسياً واجباته باعتباره كفيلها.
وأضافت المحكمة إن البلاغ الكيدي يتوجب فيه ثبوت سوء النية بينما لم يقدم المدعي مايثبت سوء نية المدعى عليها في إبلاغه عن إتجاره بها، فربما أرادت أن ترد عن نفسها تهمة الدعارة، وبالتالي فإن المحكمة لم تجد في سلوك المدعى عليها ما يوجب التعويض.
