ألعاب الكمبيوتر والإنترنت.. خطر يحدق في أبنائنا ويصيب صحتهم في مقتل، ولا يقل فتكاً عن المخدرات وما يوازيها، فالضرر ليس حكراً على ما تنقلها هذه الألعاب من أفكار مشبعة بالعنف بقدر ما تفرضه على الأطفال من رتابة وجلوس واندماج في غير مكانه يطول ويمتد أمام الشاشات، لساعات وأيام لاسيما في الإجازات، مما يصيب الطفل بكسل وخمول وقلة في الحركة، ناهيك عن التأثيرات الحصية الخطيرة التي يقع ضحيتها الدماغ حسب ما أشار إليه بعض العلماء والباحثين، إذ أن الإدمان على شاشات ألعاب الكمبيوتر والإنترنت والإفراط في ممارستها، أشبه بتفجير عبوة ناسفة في الدماغ. كذلك يتسبب هوس ألعاب الكمبيوتر في سهر الكثير من الطلبة، وتراجع مستوى تحصيلهم العلمي، فضلاً عن الأضرار الاجتماعية الأخرى التي أوقعت بالكثير من الأطفال في شباك العزلة ودائرة الانطواء المغلقة.

آلام وأضرار

هناك ضرر صحي واجتماعي ونفسي يلحقه الاختصاصي الاجتماعي حسين جاسم بألعاب الكمبيوتر، فقد استهل جاسم حديثه عن الأضرار الصحية المتمثلة في التأثير على النظر، إلى جانب ما ينتج عن الجلوس بطريقة غير سليمة، التي يسفر عنها غالباً تقويس الظهر وآلام في العنق والظهر والأعصاب والفقرات، وثمة الكثير من التأثيرات السلبية لا يمكن حصرها ناتجة عن الجلوس لساعات طويلة أمام الشاشات. أما الأضرار الاجتماعية، فمن أبرزها عدم التواصل مع الآخرين، وزج الطفل في انطوائية تراكمية، وذلك حتماً له تداعيات في المستقبل تتلخص في حجبه عن المحيط الاجتماعي والعملي.

وعلى غرار العنف، وما تتوشح به الألعاب من قتل ورعونة، يتغذى عقل الطفل على ما تورده الألعاب من أحداث بشكل غير مباشر، فالطفل بطبيعته يحب التقليد، وحتماً هناك من سيتأثر بما يشاهده ويرتكبه من تجاوزات سلوكية خلال اللعب، فبعض الألعاب تحرض على تجاوز القانون وتُكوّن مفاهيم خاطئة عند الطفل، مثل التعدي على رجال الشرطة أو إلحاق الأذى بالخدمات والمرافق العامة، وهذا ما ينطبق على إحدى الألعاب التي ترتكز فكرتها على ارتكاب مثل هذه الأخطاء.

قالب تعليمي

إضافة إلى ذلك فقد أكد الاختصاصي الاجتماعي أن حب استخدام الألعاب يمكن توظيفه في قالب إيجابي وتعليمي يخدم الطفل، إذ تساعد بعض الألعاب على تنمية القدرات العقلية ومهارات الإبداع لدى الطفل، لكن كثرة الألعاب الحربية وغيرها من ألعاب العنف، حجمت دور الألعاب التعليمية، مشيراً إلى أنه عندما قصد إحدى محال ألعاب الكمبيوتر، بحث عن لعبة غير حربية لا تتضمن العنف واستخدام الأسلحة، وواجه صعوبة في الحصول على تلك اللعبة من بين كم الألعاب العنيفة المعروضة، مؤكداً في الوقت نفسه أن طلبة المرحلة المتوسطة هم الأكثر استخداماً لهذه الألعاب، إذ يميل طلبة المرحلة الثانوية إلى الاستخدام المفرط لمواقع التواصل الاجتماعي والدردشة على نحو أكبر.

8 ساعات

لعل تصرف المواطن (ع. ح.)، كان في غير محله عندما وفر الألعاب والأجهزة الإلكترونية بأنواعها المختلفة، لولده البالغ من العمر 16 عاماً، فقد أراد الأب من ذلك، توفير البيئة الترفيهية المناسبة لحجب فلذة كبده عن الخروج إلى الشارع والتعرض للخطر مع أصدقاء السوء، لكن النتائج كانت صادمة حسب ما روى الأب، إذ أصبح الابن يستغرق في اللعب من ست إلى ثماني ساعات يومياً، ويقضي إجازته أمام الشاشات غارقاً في اللعب حتى اليوم الثاني، يتناول طعامه ولا يترك اللعبة من يده، وقد سيطر على جسده الخمول والكسل، وبدا واضحاً زيادة وزنه بصورة متسارعة تدعو إلى الخوف والقلق.

 وتابع: قبل نحو شهر، وجدت ابني يشكو من صداع مزمن في رأسه، ولم أعر الموضوع أهمية بالغة، وطلبت منه أن يذهب إلى النوم، خاصة وأنه ظل مستيقظاً يومين نتيجة اللعب، وبعد مغادرتي البيت، اتصلت والدته وأبلغتني أن ولدنا فقد وعيه وأصيب بتشنج في بعض أعضاء جسده، وبعد أن أُدخل إلى المستشفى، قال الأطباء إنه قد تعرض لغيبوبة نتيجة نزيف داخلي في رأسه، وقد يكون للسهر ضلعاً في المشكلة رغم نفي الأطباء ذلك.

هوس الألعاب

ومؤخراً؛ اجتاح هوس الألعاب عقول أبنائنا، ووقع غالبية الطلبة ضحيتها، كما أكد الطالب محمد حسن، إذ يلاحظ أن الكثير من زملائه لا يستطيعون ترك الألعاب حتى أثناء الحصة في بعض الأحيان، ما يؤثر على مستقبل الطلبة دراسياً، وثمة الكثير من النماذج والحالات التي تؤكد هذه الحقيقة البادية في كثير من المدارس، مشيراً إلى أن السبب الأول لسهر الطالب هو لعب ألعاب عبر الإنترنت حتى ساعات متأخرة، ما يجعله لا يقاوم النوم أثناء الحصة.

وأضاف إن الامتيازات التي يحصل عليها (اللاعب الصغير)، تحفز الكثير من الأطفال على زيادة اللعب والتنافس بغية الارتقاء إلى مستويات أعلى في اللعبة، ويبدو أن غالبية الألعاب تركز على إنهاء حياة أكبر عدد من المتنافسين بصورة غير مباشرة، إذ تحظى الألعاب الحربية برواج منقطع النظير بين المراهقين بصفتها الأكثر انتشاراً في الوسط الإلكتروني، ومن هذه الألعاب «كول اوف ديوتي» الأكثر مبيعاً في العالم حسب ما ذكر، والتي تعتمد على المغامرة والإثارة والمشاركة في إدارة حروب مع أطراف من مختلف أنحاء العالم ضد آخرين، وثمة ألعاب أخرى غير حربية كذلك أخذت تنتشر وبكثافة بين أجهزة الصغار إلى جانب الكبار أيضاً.

 

بين الأمس واليوم

 

لاشك أن ألعاب الأطفال اختلفت شكلاً ومضموناً بين الأمس واليوم، إذ اعتمدت الألعاب الحديثة بمجملها على التركيز واستخدام العقل واليدين والعين والجلوس بلا حراك أمام الشاشات، بينما ارتكز مفهوم الألعاب قديماً على الحركة واستخدام الطاقة البدنية على نحو أكبر مما يبدو عليه الواقع المعاش. وتجد اليوم أن الأطباء والمختصين يحذرون باستمرار من خطورة الإدمان على الشاشات الذكية، إذ تحتل مشكلات السمنة الصدارة نتيجة لهذه الألعاب، فضلاً عن الأضرار الأخرى المتصلة بتلف الأعصاب أو الشعور بالاكتئاب، إلى جانب الأعراض العضوية التي يعاني منها بعض المدمنين على ألعاب الكمبيوتر والإنترنت مثل الشعور بآلام مبهمة في اليدين أو الظهر والعين.

 

 

مدمنون مصابون بالعزلة والسطحية واللامبالاة

 

تأثير ألعاب الكمبيوتر، ينتقل على ما يبدو إلى الكبار سريعاً كما الصغار في كثير من الأحيان، حسب ما قال الدكتور مهند عبدالواحد اختصاصي أمراض نفسية، الذي كشف عن أبرز الآثار المترتبة على تعلق الطفل الشديد بألعاب الكمبيوتر، ومنها لجوء الطفل إلى العزلة وعدم التواصل كنمط ثابت في حياته، لذلك فمن المعتاد أن تجد في كثير من البيوت أطفالاً حاضرين بأجسادهم وسط أفراد العائلة، لكنهم شاردين بذهنهم غائبين بخيالهم إلى فضاءات مخيفة، متجاوزين ما يدور حولهم من أحداث في إطار الأسرة.

لغة الجسد

كذلك قد يؤثر إدمان ألعاب الكمبيوتر والاندماج فيها بصورة مبالغة، على ذهن الطالب وعدم القدرة على التمييز من خلال قراءة لغة الجسد، بأن لا يستطيع تشخيص سلوك مَنْ أمامه، وفقدانه الخبرة في تقييم الأشخاص.

هذه المشكلة الممتدة والمتكررة في كل مكان، حسب ما أكد اختصاصي الأمراض النفسية، فإنه يعاني منها شخصياً مع أطفاله، وهو يلاحظ أن الألعاب تلك تفرز كما يبدو عنفاً يصعب تبريره، كذلك فإنها تخلق نوعاً من التسرع واللامبالاة والسطحية في التعامل مع الأشياء والأدوار في الحياة، كون الطفل يتصرف كما يحلو له سريعاً في إطار اللعبة، وهذا العالم الافتراضي يجعلنا لا نلتزم قواعد الأدب أحياناً، وبالتالي فهو يسلب أطفالنا هذه الصفات والقيم الأصيلة، وخير شاهد على ذلك تصرف بعض الأطفال غير المنطقي مع الأكبر منهم سناً، خلافاً لما اعتاده الجميع وفق السلوك الاجتماعي القويم.

سلوك المدمنين

ورصد الدكتور عبدالواحد بعض الملاحظات والاختلافات على سلوك الأطفال المدمنين على ألعاب الكمبيوتر، مثل استخدام اللغة نفسها المستخدمة في ألعاب الكرتون، وانتقال الصفات العدوانية إلى شخصية الطفل، فتجده مثلاً في «واقعه» الضيق، يقاتل في حروب افتراضية مع دول، يأخذ الرهائن ويضرب برعونة ولا مبالاة كل ما يقع أمامك، مؤكداً أن الكثير من الأطفال في بعض الألعاب يستخدمون أسرى في الحرب، ويقتلونهم فور اعتقالهم، وهذا ما يفعله أحد الأطفال الذي عاين حالته أخيراً، إذ يحرص هذا الطفل على قتل كل من يقع في قبضته بلا هوادة أو رحمة، رغم عدم اشتراط اللعبة ذلك في قواعدها الموضوعة.

لعبة القتل

لا غرابة ألا يحرك الطفل ساكناً أو يرق قلبه للأحداث الحقيقية الدامية التي يشاهدها عبر التلفاز، نتيجة ممارسته لعبة القتل إلكترونياً، ومشاركته الأطراف المتحاربة في ساحات قتال افتراضية، وفي المقابل قد يتعرض بعض الأطفال والكبار أيضاً إلى اضطراب بعد مشاهدة حدث مروع، وإن كان إلكترونياً أو أثناء مشاهدة أحد الأفلام، لكن أعراض وتبعات هذه الصدمة قد تستمر لسنوات. ولا شك أن اللوم يقع على ولي الأمر الذي قد حجب في البداية الابن عن المجتمع والمحيط، بمنحه الخيار لممارسة الألعاب الإلكترونية، مشيراً إلى أنه يحبذ عدم تجاوز الساعتين في مشاهدة ولعب أفلام الكرتون، حرصاً على عدم تعرض الصغير لكوابيس قد يراها على هيئة شريط سينمائي مروع خلال النوم.

 

 

تقتل طفلاً وتصيب آخرين

 

الإعلامي راشد الخرجي، وفي تعليق له على ظاهرة إدمان المراهقين الألعاب الإلكترونية، بعد أن وردت أخيراً إلى برنامج (البث المباشر) حالة أخرى من صراع الموت بسبب إدمان هذه الألعاب، قال لـ «البيان» إن سوء الاستخدام، واللعب المفرط بأدوات الكمبيوتر الترفيهية، ينتج عنه الكثير من الآثار السلبية التي تنعكس حتماً على حياة أبنائنا. وقد يتفاقم الموقف ويرتفع حجم الخطر، لتكون النتيجة ضحية في عمر الزهور.

وسرد الخرجي قصة لأحد أولياء الأمور، الذي التقى به شخصياً قبل فترة قصيرة، واستوقفته فاجعة حدثت لابنه جراء استخدامه المكثف لألعاب الكمبيوتر، وقد أخبره الأب أن له ابناً لم يتجاوز في عمره 11 عاماً، وكان شديد التعلق بألعاب الكمبيوتر، لدرجة أنه يقضي معظم يومه أمام الشاشات الإلكترونية، ولا يبرح مكانه إلا في الضرورة القصوى، لكن التزامه باللعب وسهره الصارخ لساعات الفجر وما بعده، أدى في نهاية المطاف إلى إنهاء حياته بالوفاة التي كانت قدراً محتماً.

وأكد الخرجي أن الأب لم يتوقع يوماً أن ما يقدمه من ترفيه وتسلية لابنه، سيكون شركاً له أو سيلحق به السوء والأذى، لكن شهادة الوفاة التي تسلمها الأب كانت دليلاً وبرهاناً قاطعاً على أن الماديات التي وفرها الأب كانت المتهم الأول في وفاة ذلك الطفل البريء. وأشار الخرجي إلى أن ألعاب الكمبيوتر التي أدمن عليها الطفل المتوفى ليلاً ونهاراً، تسببت حسب التقرير الطبي في حدوث تضخم لأحد الشرايين في الرأس، ثم وفاته سريعاً قبل أن يصل إلى المستشفى، لافتاً إلى أنه ثمة حالات أخرى مماثلة أقل وطأة حدثت نتيجة الألعاب الذكية، وهو شخصياً يحرص على ألا تتجاوز ساعات اللعب الإلكترونية للصغار ساعة واحدة فقط، وقايةً لهم من شر ما تخلفه هذه الألعاب من أضرار نفسية وصحية على الطفل.