لكل تجربة سلبياتها وإيجابياتها التي ينبغي تقييمها بعد فترة للوقوف على مواطن الضعف وتعزيز مواطن القوة، ومن ضمن القرارات التي ينبغي التوقف عندها مطولاً قرار مجلس الوزراء وإلزامية فحص المقبلين على الزواج الذي صدر عام 2006 بهدف الحد من ظهور حالات جديدة من المرض.
ومما لا شك فيه أن إلزامية الفحص الطبي حققت نتائج ايجابية تمثلت في زيادة الوعي المجتمعي بخطورة المرض وأبعاده المختلفة، وانخفاض طفيف في عدد المواليد الجدد المصابين بالمرض المعضلة، نظراً لارتفاع تكلفة العلاج ناهيك عما يسببه من متاعب وآلام للمرضى، وما يخلفه من مشاكل أسرية واجتماعية وصلت في بعض الأحيان إلى الطلاق، فضلاً عن الخسائر المالية لتلك الأسر بشكل خاص والدولة بشكل عام جراء انقطاع الأهل المتواصل عن العمل سواء كان لمراجعة الأطباء لتلقي العلاج أو المتابعة المنزلية للمصاب.
تقييم التجربة يتطلب منا أن نكون أكثر واقعية وان كانت الحقائق مؤلمة، فالمعطيات على الأرض تشير إلى أن نسبة الإصابة بالمرض والتي كان يفترض أن تختفي بحلول العام 2012 وفقاً لتصريحات بعض المسؤولين آنذاك، ما زالت جاثمة، وما زالت تلقي بظلال قاتمة على المجتمع والدولة وبدليل أن هناك 10_14 حالة جديدة يتم تشخيصها في مركز الثلاسيميا في دبي سنوياً، ناهيك عن الحالات الأخرى التي يتم تشخيصها في أبوظبي والإمارات الأخرى ، وهذا بحد ذاته اخفاق يجب التوقف عنده مطولاً لمعرفة أسباب ظهور مثل هذه الحالات.
صحيح أن من تزوجوا قبل صدور قانون الفحص الطبي ما زالوا في مرحلة الإنجاب، ولكن هذا لا يعني أن جميع الحالات الجديدة التي يتم اكتشافها هي لمن تزوجوا قبل صدور القانون.
الإخفاقات التي صاحبت تطبيق القانون طوال السنوات الماضية وأدت إلى ظهور هذه الحالات كثيرة ومنها: أولاً عدم الالتزام الكامل من قبل البعض بتطبيق القرار بحذافيره نظراً لبعض العادات والتقاليد، إضافة إلى لجوء بعض المأذونين المخولين بكتابة عقد زواج الطرفين من دون شهادة تفيد بخلوهما من المرض، أو لجوئهما لإجراء الفحص قبل أيام قليلة من الزواج، وفي حال كانت النتيجة إيجابية يتعذر عليهما فسخ عقد الزواج وبخاصة بعدما تكون بطاقات الفرح للمدعوين قد وجهت وصالة الأفراح والفرق الموسيقية قد حجزت.
الإخفاق الثاني تتحمل وزره جميع الجهات المعنية بالثلاسيميا في الدولة نظراً لإخفاقها في اخضاع جميع طلبة المدارس في المرحلة الإعدادية أو الثانوية لمثل هذا الفحص، علماً بأن جميع الجامعات في الدولة لا تقبل أي طالب إلا بعد إحضار شهادة "توفل" أو "سات" أو "ايلتس"، وتكتفي بطلب تقرير طبي من الطالب يفيد بخلوه من بعض الأمراض من أي مركز طبي، وللأسف هناك العديد من أطباء القطاع الخاص يصدرون شهادات اللياقة الطبية على الهاتف أو البريد الالكتروني بمجرد تزويد الطالب لهم بالبيانات المطلوبة.
ما قطعناه لغاية الآن في مجال الحد من انتشار المرض خطوة من ألف ميل، علماً بأن لدينا من الجمعيات والمراكز المتخصصة ما يفوق أي دولة أخرى في المنطقة مثل جمعية الإمارات للثلاسيميا ومركز الثلاسيميا وجمعية الإمارات للأمراض الجينية ومركز علوم الوراثة والأبحاث والمركز العربي للدراسات الجينية، ورغم ذلك ما زلنا نزحف ببطء.