عندما ركب الطائرة مغادراً وطنه نحو مدينة أبوظبي، شعر أنه بدأ أولى خطواته نحو قطف ثمار تعب العمر كله، سنوات قضاها في التفوق العلمي حتى تمكن من الالتحاق بكلية الهندسة البترولية، تلتها سنوات من الخبرة العملية، تميز بها عن زملائه بقدرته على تعلم تفاصيل العمل والتفاني بأداء واجباته، حتى كاد أن ينسى حياته الخاصة.

وخلال كل ذلك، كان والداه يراقبان بفخر ومحبة وحيدهما وغرس عمرهما وهو يرنو نحو شمس الحياة بطموحه ونضجه الذي سبق من هم في مثل شبابه. هذا الإخلاص في العلم والعمل، كان لا بد أن يثمر مستقبلاً باهر، وهو ما حصل عليه عندما تعاقدت معه إحدى شركات النفط الكبرى ليعمل في أحد حقولها بأبوظبي، مقابل عائد مالي لم يكن يحلم به.

بالإضافة إلى الكثير من المميزات التي كان من شأنها أن تضمن حياة مرفهة، ليس له وحده، بل أيضاً لوالديه اللذين قدما كل ما لديهما.. في مطار أبوظبي استقبله مندوب عن الشركة وأوصله نحو أحد فنادق العاصمة الفاخرة، وأخبره أنه سيكون سكنه المؤقت قبل أن تقدم له الشركة السكن المنصوص عليه في عقد العمل، ثم تركه ليرتاح على موعد في اليوم التالي ليأخذه إلى مقر الشركة.

حيث يستكمل معاملات تعيينه ومباشرة العمل، وتبدأ خطوات استخراج الإقامة له. أما هو فلم يستطع أن ينام أو يرتاح، فقد كان الحماس الذي يشعر به يملؤه بالطاقة حتى نسي تعب الطريق وأنه لم ينم في ليلته السابقة، وبعد أن تناول طعام عشائه نزل إلى مسبح الفندق، ولأن الوقت كان متأخراً، لم يكن هناك أحد سواه هناك، ورغم أنه لم يكن سباحاً ماهراً فقد نزل للسباحة، وربما فكر أن يبقى ضمن العمق الآمن بالنسبة إلى حجمه، ثم سبح مسافة أكبر فوجد نفسه في المكان العميق، ولم يستطع أن يحمل نفسه فوق الماء فغرق دون أن يسمع أحد استغاثته.

وفاة

فارق الشاب الممتلئ حياة ووحيد والديه الحياة مبكراً، بعد أن عمل وأنجز فيها أكثر مما ينجز الكثير من أقرانه، وترك أماً ثكلى وأباً مكلوماً لم يعد لهما ما يعيشان من أجله فلا أحفاد سيدخلون حياتهم ليملؤها صخباً وفرحاً، ولا حتى الابن الوحيد عاد موجوداً، وهل هناك أصعب من أن تقلب الحياة سننها فيدفن الآباء أبناءهم، وقد كان أملهم أن يحملوهم هم إلى قبورهم، وقبل ذلك يحملونهم في كبرهم وسنوات عجزهم، والآن لم يبق لهما شيء، حتى الدخل الذي يكفل لهما حياة كريمة، ذهب مع موت عائلهما الوحيد..

النيابة العامة في أبوظبي أحالت الفندق إلى محكمة بتهمة القتل الخطأ، واعتبرت الحادث ناشئاً عن إخلال الفندق بما تفرضه عليه أصول مهنته، بأن لم يقوم بتوفير مراقب على حوض السباحة في الفندق بصفة مستمرة، ما أدى إلى وفاة المجني عليه.

ولكن محكمة الجنح حكمت ببراءة الفندق من هذه التهمة، وهو الحكم الذي رفضته محكمة الاستئناف، وقضت مجدداً بإدانة الفندق بالتهمة المسندة إليه، وحكمت بتغريمه مبلغ ثلاثة آلاف درهم، بالإضافة إلى إلزامه بدفع الدية لورثة المجني عليه، وهما والداه، وأيدت محكمة النقض هذا الحكم.

وبعد أن أصبح الحكم بإدانة الفندق نهائياً، توجه والدا المجني عليه إلى المحكمة المدنية للمطالبة بإلزام الفندق بأن يؤدي لهما مبلغ عشرة ملايين درهم كتعويض عن الأضرار المادية والأدبية التي لحقت بهما جراء موت مورثهم مع المصاريف والأتعاب، ومن جهته، طلب الفندق رفض الدعوى، باعتبار أنه سبق ودفع دية المجني عليه بناء على الحكم الجنائي، واحتياطياً في حال قررت المحكمة استحقاقهم للتعويض، طلب الفندق تحميل المجني عليه 90 % من المسؤولية عن الحادث، باعتباره نزل إلى المسبح وهو لا يتقن السباحة، كما أنه يعرف بعدم وجود من ينقذه في حال وقع له طارئ كالذي أدى إلى غرقه.

رفض

المحكمة رفضت النظر في طلب الفندق بتحميل المجني عليه المسؤولية لسبق الفصل في هذه النقطة أمام المحكمة الجزائية التي حملت في حكمها المسؤولية كاملة للفندق، ومن جهة أخرى، وجدت أنه من حق والدي المجني عليه المطالبة بالتعويض حتى في حال حصولهما على الدية، في حال كان التعويض عن ضرر نشأ عن خطأ المسؤول ولا تغطيه الدية.

ومن ذلك ما حاق المضرور من خسائر ما فاته من كسب، وأضافت المحكمة أن إعالة المتوفى لوالديه ثابتة، وهي الأصل في المتعارف عليه بحسب العرف والعادة والشرع، وفي هذه القضية، خسر المدعيان بفقدان وحيدهما عائلهم ومصدر رزقهم، وحرموا من الاستظلال برعايته، خاصة أنه كان في ريعان شبابه، وبناء عليه، حكمت محكمة أبوظبي المدنية بإلزام الفندق بأن يؤدي لوالدي المجني عليه مبلغ 250 ألف جنيه كتعويض عن الأضرار التي أصابتهم.

 

(تنشر صحيفة البيان صباح كل أحد بالتعاون مع دائرة القضاء في أبوظبي قصصاً من أروقة القضاء بهدف نشر التوعية)