ليس هناك مجال للتردد، عندما يطلب منك شخص ما أن تحضر له عبوة دواء، فمهما كانت درجة حرصك ستتغلب عليك الجينات المحبة للخير، خاصة وأن الأمر يتعلق بمساعدة مريض، ربما التخلي عنه يفقده حياته، لكن هذا الموقف النبيل يتحول أحياناً إلى خطأ مدمر يلقي بفاعل الخير خلف القضبان، وهو ما حدث.

وبدأت القصة باتصال هاتفي جاء إلى الموظف الشاب من أبو ظبي، بينما كان يقضي إجازته في موطنه، وكان المتصل صديقه الذي أخبره أنه يعاني من ألم شديد في ظهره، ويحتاج إلى دواء متوفر بسعر رخيص للغاية في موطنهما، بينما يباع بأسعار خيالية في أبو ظبي، طالباً منه أن يأتي له بما يستطيع من أمبولات حقن هذا الدواء، وبالفعل، ذهب الشاب إلى الصيدلية قبل عودته إلى أبو ظبي.

وطلب ما يتوفر لديه من حقن الترامادول التي طلبها صديقه، فوجد لديه ثماني علب، وعندما سأل عن استعمالات هذا الدواء، أخبره الصيدلي أنه مسكن للألم ويستعمل لآلام الكلى، ثم وضع علب الدواء في حقيبة سفره فوق ملابسه بطريقة واضحة، وفي المطار، تم تفتيشه، حيث عثر رجال الجمارك على الدواء، وبسؤاله عنه أفاد أنه مسكن آلام أحضره بناء على طلب أحد أصدقائه، فتم القبض عليه وإحالته إلى قسم مكافحة المخدرات.

تحقيق مكثف

وفي التحقيقات، كرر المتهم ما قاله لرجال الجمارك، فطلبوا منه رقم صديقه الذي أحضر من أجله الدواء، وقاموا باستدعائه، وبسؤاله أكد صحة ما قاله صديقه بخصوص أنه هو من طلب منه إحضار الدواء، مبيناً أن الدواء لم يكن من أجله هو، بل من أجل آخر.

واضطر لإخبار صديقه أنه من يحتاج الدواء حتى يحفزه على إحضاره، وباستدعاء الصديق الثالث اعترف أيضاً أنه سأل صديق المتهم الثاني إن كان يعرف شخصاً سيأتي قريباً من موطنهم، لأن ظهره يؤلمه ويحتاج لدواء متوفر بسعر رخيص في الأسواق هناك، فأخبره أن صديقه الأقرب سيحضر خلال أيام، وأنه سيطلب منه أن يحضر الدواء له.

ولكن المفاجأة أن المتهم الثالث قال أيضاً أن هذا الدواء ليس له، بل هو لامرأة تدعي هبة تتردد على محله، وأنها طلبت منه أن يبحث لها عمن يحضر لها الدواء من موطنه، لأنها تتألم بشدة بسبب مشكلة في ظهرها وتحتاج إليه، فوعدها أن يسأل عما إذا كان هناك من معارفه من سيأتي قريباً من هناك.

وعلى الفور، طلبت الشرطة رقم الفتاة، وبالاتصال بها وعدت أنها ستأتي للقسم على الفور، ولكنها تأخرت، فعاودت الشرطة الاتصال بها، فردت عليهم وقالت إنها كانت تنتظر زوجها، وإنها ستأتي حالاً، ولكنها لم تأت وأغلقت هاتفها المتحرك، وفي اليوم التالي، قامت الشرطة بالتحريات اللازمة.

فكان بانتظار المتهمين الثلاثة مفاجأتان، الأولى، أن الفتاة غادرت الدولة هي وزوجها مباشرة بعد اتصال الشرطة بها، حيث توجهت إلى المطار في الوقت الذي أخبرت الشرطة أنها ستحضر إليهم، ثم استقلت هي وزوجها أول طائرة مغادرة للدولة.

والمفاجأة الثانية، أن الفتاة لم يكن اسمها هبة، وأنها انتحلت هذا الاسم لتخدعهم، ولذلك عندما اتصلت بها الشرطة وسألت عنها بهذا الاسم، عرفت أن الموضوع خاص بالأدوية التي طلبتها مستخدمة هذا الاسم، فغادرت الدولة على الفور لتهرب من مسؤوليتها القانونية عن هذه الجريمة.

ومن جهة أخرى، أوضح التحليل الطبي للمتهمين خلو أجسامهم من أي نوع من المخدرات أو المؤثرات العقلية، بينما أكد التقرير الخاص بفحص المضبوطات، أنها تحتوي مادة الترامادول المحظور تداولها إلا بموجب وصفة طبية.

محاكمة

من جهتها، أحالت النيابة المتهمين الثلاثة للمحاكمة بتهمة جلب المؤثرات العقلية إلى الدولة، وفي المحكمة كرر المتهمون الثلاثة أقوالهم، كما أن المحكمة اقتنعت من خلال تسلسل أحداث الواقعة، أن المتهمين كانوا ضحية لسيدة محتالة، وأنها طلبت منهم الدواء بسوء نية، بدليل استخدامها اسماً غير حقيقي، ثم مغادرتها الدولة لمجرد اتصال الشرطة بها.

وبناء على ذلك، أصدرت محكمة جنايات أبو ظبي الابتدائية، الحكم ببراءة المتهمين الثلاثة من التهم المنسوبة إليهم، مع مصادرة المواد المضبوطة وإتلافها، وتم الإفراج عن المتهمين بعد أن قضوا كل فترة التحقيقات والمحاكمة وهم خلف القضبان.

«ضمن التعاون القائم بين صحيفة «البيان» ودائرة القضاء في أبو ظبي، تنشر الصحيفة كل أحد، قصصاً من أروقة القضاء، بهدف نشر التوعية بين أفراد المجتمع».