ما رسخ نزاهة وشفافية محاكمة أفراد «التنظيم السري» اللاشرعي الذي خطط للاستيلاء على نظام الحكم، والتنسيق مع جهات خارجية لتنفيذ هذا المخطط الإجرامي، أن هيئة المحكمة برئاسة المستشار فلاح الهاجري، مكنت المتهمين من الدفاع عن أنفسهم بأنفسهم، إلى جانب مرافعات الدفاع عنهم، والتي امتدت عبر جلسات طويلة، تعاملت خلالها هيئة المحكمة بسعة صدر وحلم ومراعاة لجميع الأطراف، وفي مقدمهم المتهمون أنفسهم. وتالياً بعض من فصول مرافعات المتهمين خلال الجلسات قبل الحكم الذي صدر في القضية أول أمس:
الاتهامات من دون دليل
سلطان كايد القاسمي، قال إن الأنظار تتجه في هذه المحاكمة إلى الجهات المشاركة فيها، ليست المحكمة فقط بل جهاز الأمن والإعلام، وتمنى أن يجتاز الوطن هذه المرحلة، وأن تنتصر الإمارات وتنال الوسام.
وأضاف: «كنا نتمنى أن تبقى النيابة العامة نائبة عن الناس، ولا يزايد أحد على وطنيتنا، نعتز بعقيدتنا، وهذه تدعو لأن نحمي وطننا ونفتديه بالغالي والنفيس. إن جذور هذه القضية تعود إلى 40 عاماً، تداخلت خلالها المعلومات، وضلت الحقائق والأدلة التي تحتوي على معلومات كثيرة، بعضها صحيح وبعضها غير صحيح، وليس لها علاقة بحقيقة التهمة، مقدمتها لا صلة لها بالنتيجة أو الخاتمة».
وتابع سلطان كايد القاسمي، وهو المتهم الأول في القضية، قبل الحكم بسجنه 10 سنوات: «اتهمتنا النيابة العامة كما أظن بدون دليل، والافتراض في شأن توصيف التهمة افتراض خاطئ، وفيه إهانة لنظام الحكم، إذ يصوره بأنه هش وضعيف، وبما أن أهم الأسس التي يقوم عليها نظام الحكم في الإمارات هو النظرة الأبوية الأصيلة، شيخ القبيلة هو أب بحكمته، ولا يمكن أن يكون خصماً، وكانت هذه العلاقة هي صمام أمان، وشعب الإمارات الأصيل شعب قوي متماسك، لا يفرط في قيادته الرشيدة، ولا يسمح لأحد بالإساءة إليها».
وقال إن مواقف المتهمين معروفة، والاختلاف في وجهات النظر ليس بجديد، لكنه أخذ منحى آخر بعد توقيع بعض أعضاء الجمعية على العريضة، وترتب على ذلك ردود فعل عنيفة، مثل إلغاء جمعية الإصلاح، وتجميد بعض الأنشطة التجارية، وإسقاط الجنسية عن عدد من أعضاء الدعوة، فكان من الطبيعي أن نطالب بالتدخل ورأب الصدع، نحن ننتقد الممارسات الخاطئة في أي مجال، وننظر إلى أمن الدولة باعتباره واحداً من الأجهزة في الدولة التي من الممكن أن تقع في الخطأ. ثم تطرق إلى الهيكل الإداري للجمعية، فقال: للجمعية رئيس عين من قبل حاكم الإمارة، ومنها تتفرع ثلاثة أقسام، هي العمل الخيري والنشاط الاجتماعي ودعوة الإصلاح، ولكل قسم رئيس مستقل، وفي عام 2005 أصبح رئيس الجمعية رئيساً لـ «دعوة الإصلاح»، وهذا ربما أحدث لبساً، مؤكداً أن أعضاء «دعوة الإصلاح» يدعون إلى الله ويخدمون الوطن ويتبنون المبادرات.
وتابع «اتهمتنا النيابة العامة بالعمل السري، فماذا بقي من السري إذا كانت الأسماء معلنة، وكذلك المناهج التربوية، بل إن العلنية نعتبرها من معايير الجودة في الدعوة، وتبقى الخصوصية موجودة مثلها مثل أي جهة». واختتم مرافعته التي استمرت 30 دقيقة، بتجديد التأكيد على أن ولاء دعاة الإصلاح لربهم، وحبهم لوطنهم وولائهم لأولي الأمر قائم، وهذا ليس تكتيكاً مرحلياً، بل أساس ثابت في ثوابت الدعوة إلى الإصلاح، الحكام خط أحمر، لهم علينا حق الطاعة والوطنية، قول يصدقه العمل، وقد تعلمت دروساً وأن أرى على المقاعد شباباً صغاراً، البسمة لا تفارق وجوههم في قفص الاتهام، وأن المحنة العصيبة قد تكون طريقاً للتقارب وسبيلاً للتفاهم، وأنا أطلب البراءة لدعاة الإصلاح وأنا آخرهم، و«قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا».
تشرفت بمصافحة رئيس الدولة
وتوالت المرافعات، ولم تخرج في مجملها عن إنكار التهم جملة وتفصيلاً، وتوزيع الاتهامات بتزوير وتحريف أقوالهم، إضافة للإعلان عن الولاء للوطن، ولصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، وأصحاب السمو الحكام. وفي هذا قال أحد المدانين خلال مرافعة سابقة: ليس لدي ما أخفيه أو أستحي منه، نحن نمثل صورة من الحراك الاجتماعي، منذ ثلاثة عقود أتواصل مع أحد الشيوخ الذي كنت محل ثقته، لم يحدث أن منعني أحد من الدخول إليه في أي وقت، فضلاً عن أني تشرفت بمصافحة رئيس الدولة، ولهم أدين بالولاء، ونحن شهود نكتب شهادتنا على صفحات التاريخ، ننقل لأبنائنا صورة واضحة، وأقل ما يمكن أن أطالب به هو البراءة.
تراجعنا عن «البيعة»
وقال سالم عبد الله راشد ساحوه، خلال مرافعة سابقة، إن التهمة باطلة، وإنه مارس النشاط الدعوي لمدة 35 عاماً، مشيراً إلى أن المطالبة بالمشاركة السياسية حق مشروع.
أما صالح محمد صالح الظفير، فقال في مرافعته: أنا من خريجي الأزهر عام 1975، وكرمت لتفوقي، وألفت 12 كتاباً في الثقافة الإسلامية، وساهمت في تأسيس جمعية الإصلاح بما يتوافق وسياسة الدولة، وقد أخطأ من اتهمنا، لأنه ليس على معرفة بأنشطة الجمعية، وغياب الحوار بيننا وبين من اتهمنا والاحتكاك مع رجال الأمن، والمبالغة في وصف أنشطة الجمعية، واستخدام مفردات ومصطلحات غير دقيقة، وموضوع «البيعة» الذي ضخم، نعم بايعنا، وعندما علمنا أنها تمثل ازدواجية في الولاء، تركناها وصرفنا عنها النظر. وأضاف: أدعو الأخوة لأن يسامحوا من أخطأ في حقهم، وندعو إلى حوار أخوي، ونتطلع من المحكمة أن تعمل على إيجاد هذا الجو للصلح بيننا وبين رجال الأمن، فنحن نكره الخصومة مع قومنا. وطالب بالبراءة وتكفيلهم قانوناً وإعادتهم إلى جمعية الإصلاح والكف عن اعتقال المزيد من الشباب من غير مسوغ قانوني.
شهادة خبيرات: التنظيم نوى الخروج التدريجي للناس على امتداد 3 سنوات
استمعت المحكمة خلال جلسات محاكمة أعضاء «التنظيم السري»، إلى شهادة الخبيرات الفنيات الست اللاتي فحصن أحراز القضية التي كانت بحوزة المتهمين، وهن خبيرات في فحص الأدلة الإلكترونية في المختبر الجنائي في أبو ظبي. وقد أعددن تقريراً تفصيلياً عن بعض الأحراز من أجهزة إلكترونية وحواسيب وهواتف خاصة بالمتهمين لاستخراج مواد متصلة بالقضية.
وقالت إحدى الخبيرات الشاهدات، إن تكليف النيابة لهن بفحص الأجهزة واستخراج ما تحتوي عليه من الموضوعات الخاصة بالمتهمين وإعداد تقارير عنها، كان بتاريخ 29 يوليو 2012، وعددت الشاهدات الأجهزة التي قمن بفحصها، وهي أجهزة تتمتع بخاصية الاتصال الهاتفي والاتصال بشبكة الإنترنت، وأجهزة التعامل مع المعلومات وتخزينها وتحليلها، كأجهزة الكمبيوتر، والهواتف مختلفة الأنواع، وأجهزة آي باد اللوحية، وأجهزة تخزين (يو إس بي)، فضلًا عن شرائح هاتفية مختلفة وأقراص مدمجة ومرنة ووثائق وملفات.
أضافت الشاهدات أنهن استطعن استعادة بعض الملفات المحذوفة، ومن بينها ما يسمى بـ «الخطة المعدلة الإجرائية الجديدة»، وهي تتحدث عن نية التنظيم الخروج للناس بشكل تدريجي على امتداد ثلاث سنوات. وأوضحن أن كل شيء موثق في تقريرهن الذي يحوي أدلة تدين المتهمين، متمثلة في رسائل نصية وتقارير وبيانات ومستندات وملفات مختلفة الأشكال والأصناف، وصور وأفلام ومحادثات ببرامج متنوعة، مثل (واتس أب) و(ماسنغر)، إلى جانب حسابات في تويتر وفيس بوك، إلى جانب تقارير مالية وحسابات وفواتير وتحويلات واتصالات ومراسلات مع الخارج ورسائل بريدية. وأكدت الشاهدات أن كل ما توصلن إليه لا يخرج عن نطاق ما كلفتهن به النيابة العامة.
كان من الممكن أن أكون مليونيراً
محمد الركن، قال أيضاً في مرافعته خلال جلسات المحاكمة: لم نكن في سجون خمس نجوم، نحن أحرار وشرفاء الإمارات، وتعرضنا لما لم يكن سهلًا تقبله، مشيراً إلى أن «من لا يحترم الدستور والقانون، لا يحترم وطنه، كان من الممكن أن أكون مليونيراً، لكني اخترت توجهي الوطني»، وأنكر التهمة جملة وتفصيلًا، مطالباً بالبراءة.
وتابع «لم تفاجئنا النيابة في مرافعتها، ولم تقدم أدلة جديدة، وكررت ما هو موجود منذ 7 أشهر ضمن أدلة الإثبات، ولا تتوافر أركان الجريمة، وما يحير الجميع، هو مسلك النيابة العامة التي هي ليست طرفاً في خصومة، وأن دورها يتلخص في التحقيق لمعرفة الحقيقة أو للوصول إليها، وهذا ما لم تفعله النيابة العامة في هذه القضية، وإنما أسندت أفعالًا للمتهمين لم يقترفوها، وغيرت أقوالًا أو أوردت أقوالًا أخرى لم ترد، وكأنها طرف في الخصومة، ولا تبغي إلا الإيقاع بالمتهمين وإدانتهم بأي وسيلة». وأشار إلى أن «تزوير وتحريف النيابة لأقوال المتهمين في محاضر التحقيق وأدلة الثبوت ممنهجاً وعاماً، وليس حالة فردية، وأنه بالرجوع إلى محضر التحقيق مع متهمين، يتضح أن هناك تطابقاً كاملًا لإجابتيهما على 11 سؤالًا من أسئلة النيابة العامة، مع أن الفارق الزمني بين التحقيقين أكثر من 42 يوماً، ما يدل على أن الأقوال أمليت، ولتكن ناجمة عن إرادة حرة واعية».
وتابع أيضاً «تبين وقائع الدعوى أن هدف الاستيلاء على السلطة في الإمارات هدف مستحيل مادياً، حتى إنه لم يرد في ذهن جهاز أمن الدولة الذي عدد أهداف التجمع، ليس من بينها هدف الاستيلاء على السلطة أو قلب نظام الحكم، فأنى لأشخاص أكثر من ثلثيهم إما متقاعدون من الوظيفة أو لا يعملون أو ربات بيوت، أن يقدروا على قلب نظام الحكم في دولة اتحادية مركبة، تتوزع فيها السلطة السياسية بين حكومة الاتحاد وسبع حكومات محلية، فمن يريد أن يقلب نظام الحكم، عليه أن يقلب ثمانية أنظمة حكم»، مشيراً إلى «أنها قضية فكر وحقوق إنسان، وأنها درس الدستور والقانون، وبفضل ما منحته الدولة وصل إلى ما وصل إليه، ترافع في ساحات المحاكم ليدافع عن حقوق الناس».
محام ووجدت نفسي متهماً
سالم علي حمدون الشحي، أنكر خلال مرافعته التهم الموجهة إليه بشكل تام، وقال «أؤكد ولائي للوطن والقيادة والدستور والقانون»، ودفع ببطلان إجراءات القبض عليه والتفتيش والحبس الاحتياطي وتمديد الحبس، وأضاف «كنت وما زلت محامياً عن عدد من المتهمين، وقد ذهبت إلى النيابة بصفتي محامياً عنهم، وبالتحقق من هويتي اكتشفت وجود أمر بالقبض علي»، وقال «هناك من يسيء استعمال السلطة، في تفتيش المتهمين وحملهم على الاعتراف والتزوير والتحريف في أقوالهم، والإهمال في بعض الإجراءات، فالتحريز لم يتم تحريزه ومهره بالشمع الأحمر، بل جمعه في أكياس بلاستيكية سوداء».
«أخبار الساعة»: وقالت العدالة كلمتها
أكدت نشرة " أخبار الساعة " أن نزاهة القضاء الإماراتي كانت الشغل الشاغل لقيادتنا الرشيدة فقد قال القائد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه " :" إنني أتابع الأحكام بنفسي حتى أكون مطمئناً على إقامة العدالة وتمتع الناس بالأمان والاستقرار وصيانة الأموال والأعراض"، وهو ما سار عليه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، موجهاً أعضاء القضاء بقوله : " لا سلطان عليكم إلا الله والقانون وما تمليه عليكم ضمائركم ".
وتحت عنوان " وقالت العدالة كلمتها " أوضحت أنه مع نطق المحكمة الاتحادية العليا بحكمها النهائي على المتهمين في قضية الانتماء إلى " التنظيم السري " في الدولة، فإن صفحة نادرة من الصفحات التي لا يحب أبناء هذا الوطن فتحها أو النظر إليها من جديد تكون قد طويت لأنها صفحة أزعجت كل محب وغيور على هذا الوطن الغالي فلا يكاد المرء يتصور أن يأتي يوم على دولتنا الحبيبة وقد ظهر أحد من أبنائها يدبِر ضدها المؤامرات والخطط لزعزعة قوة هذه الدولة وأساسها المتين فيما هي اليوم في مقدمة دول العالم في شتى المجالات.
وأضافت النشرة التي يصدرها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، إن القضاء الإماراتي اعتمد مبدأ الاستقلالية في حكمه بهذه القضية فلم يتأثر لا من قريب أو من بعيد بالأصوات التي كانت تصدر من هنا وهناك وتحاول - بشكل يائس - التشكيك في استقلالية هذا القضاء المشهود له بالنزاهة بل إن شهادة الأمم المتحدة تمثل خير شاهد على شفافية هذا القضاء ونزاهته عندما أكدت أن دولة الإمارات تتمتع بقضاء قوي ونزيه يعلي مبدأ العدالة من دون تمييز بين المواطنين والمقيمين.
ونوهت بأنه يحسب لهيئة المحكمة تطبيقها أرقى معايير القضاء والعدالة في العالم وتحليها بالصبر وإتاحتها الفرصة لجميع المتهمين ولمحاميهم للدفاع عن أنفسهم ضد التهم الموجهة إليهم كما يحسب لهيئة المحكمة سماحها لذوي المتهمين بحضور جلسات المحاكمة ليكونوا شهودا على ما يتم طرحه في هذه الجلسات وليدحضوا بأنفسهم أي شبهة تعسف ضد المتهمين، إضافة إلى توفير جميع الوسائل الملائمة لراحة الجميع من متهمين وحضور كما أن النهج الذي اعتمدته هيئة المحكمة في إتاحتها المجال لوسائل الإعلام المحلية لحضور هذه الجلسات كان له الأثر الأكبر في توضيح حيثيات هذه القضية للرأي العام وهو ما فوت الفرصة على بعض من كان ينوي الاصطياد في المياه العكرة للتشكيك في نزاهة المحكمة حيث إن جميع ما كان يدور في الجلسات يتم نشره في الصحف المحلية وغيرها في اليوم التالي للمحاكمة.
وقالت " أخبار الساعة " في ختام مقالها الافتتاحي إن المتابع لحيثيات هذا الحكم الصادر يعلم علم اليقين أن هيئة المحكمة اعتمدت على عدد من القرائن والأدلة الثبوتية من قبل جميع الأطراف المشاركة في هذه القضية علاوة على استماعها لعدد من شهادات وإفادات المختصين الذين عملوا على تحليل المعلومات التي طلبتها المحكمة ومن خلال النظر في الأحكام التي أصدرها القضاء الإماراتي فإن المتابع لهذه القضية لا يمكنه إلا أن يشهد بأن هيئة المحكمة قد توخت الشفافية والنزاهة في إصدار الأحكام فحاز بعض المتهمين البراءة وحصل الآخرون على ما يستحقّونه من عقوبات وفق القانون . أبوظبي - وام

