لم يكن يخطر ببال صاحب المزرعة ولو للحظة أن قراره شطب سيارة النقل الصغيرة التي كان يستخدمها، سيتحول إلى مأساة إنسانية يذهب ضحيتها عمال مزرعته بين قتيل ومصاب، وأنه سيقف أمام القضاء متهماً بالتسبب في وفاة ثلاثة أشخاص وإصابة ستة آخرين ومهدداً بالحكم عليه بتعويضات وديات للضحايا تصل إلى ملايين الدراهم.
بدأت أحداث المأساة عندما جاء بالسيارة المعطلة بواسطة سيارة نقل السيارات ووضعها في مزرعته بعد أن قرر شطبها مؤقتاً إلى حين إصلاحها بعد فترة لم يقررها، ثم وضع مفتاحها في أحد الأدراج وغادر المزرعة تاركاً السيارة في حالة لا تسمح لها بالمسير، خاصة أن هيكلها متهالك وبطاريتها لا تعمل كما أنها خالية من الوقود، ولكن ما لم يفكر فيه أن وجود السيارة في المزرعة سيشعل خيال عماله ويحرضهم على استخدامها في رحلة تنتهي معها حياتهم.
رحلة
بدأت الفكرة عندما اقترح أحد العمال أن يقوموا يوم الجمعة برحلة استجمام لتغيير الروتين اليومي في المزرعة، ثم أصبحت الأفكار تتوالى من العمال، إلى أن اقترح أحدهم استخدام السيارة المعطلة في رحلتهم، مؤكداً قدرته على القيادة رغم أنه لا يملك رخصة، ثم قام آخر باحضار مفتاح السيارة من الدرج، وتجمع العمال حول السيارة .
وعندما حاولوا تشغيلها لم تستجب لهم، فقام أحدهم بفتح غطاء المحرك وفحص ماكينة السيارة بما يملكه من خبرة سابقة في الميكانيكا ليكتشف أن بطارية السيارة معطلة وأن خزانها خالٍ من الوقود تماماً، وقبل نهاية اليوم اتفق الجميع على إصلاح السيارة وهم يحلمون بأنها ستكون سيارتهم الخاصة التي ستحملهم في رحلات أسبوعية وليس رحلة الإجازة القادمة فقط.
وفي صباح اليوم التالي وزع عمال المزرعة المهام بينهم، فمنهم من ذهب لإحضار الطعام والشراب للرحلة واخر ذهب إلى المنطقة الصناعية لشراء بطارية مستعملة، وذهب آخرون لإحضار الوقود والزيت للسيارة، وبعد المغرب بدأ العامل صاحب الخبرة في الميكانيكا بإصلاح السيارة وتنظيف محركها وتغيير بطاريتها ثم وضع الزيت والوقود للمحرك، وكانت سعادتهم كبيرة عندما حركوا مفتاح السيارة فعلا صوت المحرك قوياً مؤكداً أنها جاهزة لرحلة اليوم التالي.
تصادم
وفي الصباح ركب العمال الشاحنة، وتولى أحدهم القيادة وجلس آخر بجانبه بينما جلس الباقون في الخلف، حيث توضع البضائع عادة، وهكذا بدأت رحلتهم، ورغم اكتشافهم أن سائقهم لا يعرف قيادة السيارات من خلال كثرة اهتزاز وميل الشاحنة بين جانبي الطريق، علت ضحكاتهم وتعليقاتهم الساخرة، ولم يشعروا بالخوف خاصة أن الطريق فرعي وبعيد بين المزارع ولم يلمحوا سيارات تمر من خلاله.
وبعد فترة من السير ظهرت أمامهم شاحنة فلم يستطع سائقهم تفاديها لقلة خبرته في القيادة، كما أن السائق الآخر فوجئ بهم ولم يستطع التصرف في الوقت المناسب مما أدى إلى تصادم قوي بين الشاحنتين نجم عنه موت العامل السائق وزميله بجواره وآخر من الجالسين في الخلف بينما أصيب الخمسة الباقون إصابات بليغة، أما سائق الشاحنة الثانية فقد أصيب بشلل في أطرافه الأربعة نتيجة كسور في العمود الفقري.
التحقيق
وبعد التحقيق في القضية أحالت النيابة العامة مالك الشاحنة الذي يعمل لديه ضحايا الحادث إلى المحكمة بتهمة التسبب بإهماله في وفاة ثلاثة أشخاص وإصابة ستة آخرين، وذلك بتركه السيارة في المزرعة مما سمح للعمال باستخدامها دون أن يكون لدى أحدهم رخصة قيادة كما أن السيارة لم تكن تصلح للاستخدام الآمن.
ومن جهته دفع المتهم بأنه لم يسمح للعمال باستخدام السيارة وأنه وضعها في المزرعة لأنه لم يكون ينوي شطبها نهائياً بل إصلاحها لاحقاً، مؤكداً أن ضحايا الحادث خانوا الأمانة باستخدامهم السيارة وأخذهم المفتاح دون إذنه.
ولا تزال المحكمة تنظر القضية، بما لديها من مستندات وأدلة قدمتها النيابة ودفاع المتهم.
«ضمن التعاون القائم بين صحيفة «البيان» ودائرة القضاء في أبوظبي، تنشر الصحيفة كل أحد قصصاً من أروقة القضاء بهدف نشر التوعية بين أفراد المجتمع».
