4 قضايا منذ بداية العام في أبوظبي

السحر آفة تهدد أمن المجتمع والباحثين عن الأمل

صورة

مع يقين المجتمع أن ممارسة أعمال السحر والشعوذة آفة خطيرة تهدد أمن المجتمع واستقرار بنيانه، وعمل يفتك بالأفراد والأسر، ويمزق أواصر المحبة وروابط الأخوة بينهم، ويتنافى مع قيم الدين الحنيف، إلا أن هناك بعض ضعاف النفوس يلجأون إلى الدجالين بعد ما أصابهم يأس في مشكلة واجهتهم آملين في حلها، وهم موقنون أن الدجل والشعوذة خديعة لا تعود بالنفع على صاحبه. في المقابل، تستمر حملات التوعية والتحذير من مؤسسات المجتمع للتصدي للسحرة لما يمارسونه من ابتزاز للضحايا، كسباً للأموال بطرق سريعة غير مشروعة، حيث تؤكد شرطة أبوظبي أنها لن تتهاون إزاء المشعوذين والدجالين «السحرة»، وأنها ستتابع أنشطتهم وتتصدى لهم بكل حزم، آملة في الوقت نفسه تعاون أفراد المجتمع في الإبلاغ عن كل من يمارس مثل تلك الأعمال التي تتنافى وقيم الدين الحنيف والسلوك القويم.

وعلى الرغم من تقليل الشرطة من حجم قضايا الشعوذة التي تم ضبطها حتى الآن، وبلغت نحو أربع قضايا في الأشهر الأولى من العام الجاري، إلا أنها عبرت عن خشيتها من وجود ضحايا للظاهرة لم يتم اكتشافهم، نظراً لإحجام بعضهم عن الإبلاغ لأسباب عدة، فضلاً عن استغلال مشعوذين قناعات العامة، بأن ما يمارسونه لا يخرج عن اعتباره إحرازاً أو رقية شرعية وما شابهها لتحقيق مآربهم الإجرامية، وفي مقابل ذلك حذرت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف الأفراد من اللجوء إلى السحرة والمشعوذين والكهنة والعرافين. واعتبر اختصاصيون اجتماعيون ونفسيون الشعوذة والدجل ظاهرة دخيلة على مجتمع الإمارات، وعزوا وجودها إلى تعدد الثقافات والمعتقدات التي أفرزت أخيراً ظواهر لم تكن مألوفة في الدولة، وأنحوا باللائمة على الأفراد الذين يلجؤون إلى «المشعوذين»، وقالوا إن هذا السلوك يتناقض مع العصر الحديث الذي يتيح كل الإمكانات والوسائل العلمية لمعالجة المشاكل.

اهتمام

وتلقى ظاهرة «الشعوذة» اهتماماً بالغاً لدى شرطة أبوظبي، ويقول اللواء محمد بن العُوضي، مدير عام العمليات الشرطية في القيادة العامة لشرطة أبوظبي، إن تخليص أفراد المجتمع من شرور «السحرة» يشكّل غاية لدى شرطة أبوظبي، ويستحوذ على أجندتها في التصدي للجريمة، مؤكداً أنها لن تسمح للمشعوذين بالتفرد بالأعمال التي يمارسونها، باستخدام أساليب سيئة لتحقيق أغراضهم، بالتكسب أو إلحاق الأذى بالناس.

وأعلن أبرز ملامح المبادرة التوعوية التي تطلقها شرطة أبوظبي لتوعية المواطنين والمقيمين بمخاطر المشعوذين، قائلاً إنها ستكون مفتوحة وتتضمن بث رسائل توعوية عبر التلفزيون والإذاعة ونشر مواد صحافية، واستخدام الشاشات الإلكترونية المنتشرة في مختلف مناطق إمارة أبوظبي ببث عبارات التوعية للجمهور بمخاطر اللجوء للسحرة، وتعريفهم بمسؤولياتهم المجتمعية في هذا الشأن.

وعرج على ضرورة تعزيز التوعية المجتمعية من قبل مختلف المؤسسات ذات الصلة لحث الجمهور على عدم التعامل نهائياً مع مثل هذه الأساليب التي تضلل الجمهور؛ اعتماداً على عالم الجن لعلاج الخلافات العائلية والأمراض المستعصية، مؤكداً أن ممارسة أعمال السحر والشعوذة آفة خطيرة تهدد أمن المجتمع واستقرار بنيانه.

ونصح أفراد المجتمع، بسرعة الإبلاغ عن ممتهني هذه الممارسات غير السوية، وعدم التعاطي معهم، أو البوح لهم بأسرارهم الشخصية حتى لا تُستغل ضدّهم، ويضيف مؤكداً أن شرطة أبوظبي ملتزمة بمسؤوليتها المجتمعية من خلال مكافحة الجريمة والتصدي لها على نحو استباقي.

كشف

وذكر أنه سيتم من خلال المبادرة كشف أساليب المشعوذين عبر الضبطيات والقضايا الواردة إليها، للاستفادة والاعتبار من تلك القصص، ويضيف: «ولكن على المواطنين والمقيمين أن يسهموا في تلك الجهود بعدم التردد في الإبلاغ عن أي دجال أو مشعوذ أو الأوكار التي يختبئون فيها، حال توافرت لديهم المعلومات الموثوقة، بالاتصال على بدالة أمان على الهاتف المجاني 2626 800 وعبر إرسال بريد إلكتروني على aman@adpolice.gov.ae أو رسالة نصية قصيرة SMS على الرقم 2828 أو التوجه إلى أقرب مركز شرطة للإبلاغ عن أي أمر مريب يدور حولهم.

تعزيز التوعية

وأكد العقيد الدكتور راشد بورشيد، مدير إدارة التحريات والمباحث الجنائية في شرطة أبوظبي، أن قضايا السحر والشعوذة لا تعتبر ظاهرة مقلقة حتى الآن، وشدد في الوقت نفسه على ضرورة تعزيز التوعية لدى الأفراد بعدم التعامل نهائياً مع ممتهني هذه الأساليب التي تعمل على تضليل أفراد المجتمع؛ ويضيف «بعض الضحايا يتمسّك أحياناً بقشة لإنهاء معاناته، غير مدرك أنه يتعرّض لعملية احتيال وشعوذة تفاقم من وضعه الحرج وتزيد من مشاكله عوضاً عن حلها.

واعتبرت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف السحر والشعوذة والدجل أمراضاً تنخر في الجسد فتمزقه، وقال الشيخ طالب الشحي، مدير الوعظ في الهيئة: إن هذه الظاهرة تفتك بالأفراد والمجتمعات، فكم مزقت أواصر المحبة وروابط الأخوة وأضرمت نار الشقاق والعداء بين الأرحام والخلان والناس أجمعين، مشيراً إلى أن التحذير جاء في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أمرت بعدم تعلم السحر أو تعليمه أو الذهاب إلى السحرة والمشعوذين والكهنة والعرافين.

وأفاد بأن كل ما تعلق بالسحر من تعلم أو تعليم أو ذهاب لسؤال، أو تصديق لمتعاطيه وعمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، ويضيف: إن الذي أصابه سحر أو عين فعليه بالرقية الشرعية، ولا يشترط أن تكون الرقية من شخص معين، فبالإمكان أن يرقي المسلم نفسه أو زوجته أو أولاده، فهو أفضل وأحرص على سلامتهم متى ما صاحب ذلك التقى وحسن التوكل على الله تعالى.

وتابع: والمصيبة العظمى أن يلجأ الواحد منا إلى شخص لا يعرف حاله من دين وتقوى، فتراه يطلب منه اسم أمه أو وضع شيء معين في مكان ما، أو ذبح حيوان بأوصاف مخصوصة أو غير ذلك، فليحذر المرء من هؤلاء وإن ظهر بصورة العابد الناصح أو التقي الواعظ.

ونصح مختصون اجتماعيون ونفسيون الأفراد بعدم التعامل مع المشعوذين، وعليهم معالجة مشاكلهم عند أصحاب الاختصاص، حيث اعتبر الدكتور محمد أبوالعينين أستاذ علم الاجتماع بجامعة الشارقة، لجوء أي كان من الأشخاص إلى المشعوذين سلوكاً سلبياً، قائلاً: إن الشخص لا يقوم بهذا السلوك إلا بعد حالة من اليأس بعد أن أوصدت الأبواب أمامه، ويضيف: وهو ربما يعلم أن اللجوء إلى الشعوذة لن يحل مشكلته لكنه يحاول من باب الأمل في حل المشكلة الصحية، أو الاجتماعية أو المادية أو النفسية، في ما يتناقض هذا السلوك مع العصر الحديث، مستغرباً لجوء الإنسان العصري الذي يستخدم كل الأدوات والتقنيات الحديثة، إلى الشعوذة، مشيراً إلى أنه أسلوب تقليدي لا يؤدي إلى حل المشاكل بل يفاقمها.

أما الدكتور عبداللطيف العزعزي، خبير أسري وتربوي، فاعتبر الشعوذة والدجل من الظواهر الدخيلة على مجتمع الإمارات، ويعزو وجود هذه المشكلة إلى تعدد الثقافات والمعتقدات التي أفرزت في الآونة الأخيرة ظواهر لم تكن مألوفة في دولة الإمارات، وفق تعبيره.

وأرجع الظاهرة إلى قلة الوعي والاستعجال في الحصول على نتائج سريعة؛ حسب الهدف المطلوب، مضيفاً أن الحالة النفسية الناتجة عن المواقف الضاغطة للإنسان، ولجوئه إلى الخبرات السابقة للآخرين، والتعامل معها بثقة مطلقة مع الشعور بالضعف أمام المشكلة، تدفع بعض الناس إلى الارتماء في أحضان المشعوذين والدجالين. ولفت إلى أن ضحايا الشعوذة يكونون في أغلب الأحوال في حالة من اليأس، حيث تسيطر عليهم عبارة «لعل وعسى أن تكون التجربة ناجحة»، أو «بلا خسارة كأضعف الإيمان»، أو أن يكون هذا المشعوذ أصدق من غيره،

فضول

ويرى الدكتور محمود الشاذلي، استشاري نفسي في مؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية، أن فضول الإنسان يدفعه إلى البحث عن الأشياء المرتبطة بهذه الغيبيات مثل: تفسير الأحلام، وقراءة الأبراج، واللجوء إلى قارئي الكف، والمشعوذين، وما يتعلق بالبحث عن إجابات أو محاولة تفسير أشياء غير محسوسة أو ملموسة، مضيفاً أنه في المقابل هناك أشخاص يعلمون بحاجة الإنسان لمعرفة هذه الأمور الغيبية، فيستغل المشعوذون والمنجمون اندفاعهم، ورغبتهم في إماطة اللثام عن الكثير من مثل هذه الأشياء غير المحسوسة، أو السعي إلى الثراء السريع بأسهل الطرق.

 

 

شعوذة

وصف الدكتور محمود الشاذلي، استشاري نفسي في مؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية، المشعوذين بــ«النصابين»، قائلاً: إنهم طوروا أدوات عملهم بحيث لم يكتفوا بتفسير وتأويل الأشياء الغيبية، إنما أقنعوا بعض الناس بأنهم قادرون على مساعدتهم لتحسين أوضاعهم المالية والاجتماعية، خصوصاً أن هؤلاء الناس يعانون عجزاً في مواجهة مشكلاتهم الاجتماعية والمادية بطريقة عقلانية، ما جعل لدى المشعوذين مجالاً للتكسب، من خلال إقناع هؤلاء الناس بقدراتهم الخارقة في التعامل مع الجن أو فك السحر، أي أنهم يستثمرون حاجة الناس بابتكار الأكاذيب واستغلال النواحي العقائدية التي تسهم بشكل مباشر في دفع ذوي الحاجة الماسة إلى تصديقهم والإيمان بهم.

طباعة Email