لا شيء يمكن أن يحرك نوازع الشر لدى أصحاب النفوس الضعيفة أكثر من شابة جميلة وصغيرة مغتربة عن أهلها وبلدها بحثاً عن لقمة العيش، وكذلك وجدت الفتاة نفسها مع صاحب المطعم الذي عملت به كنادلة، فقد أوحت له عيون الزبائن التي كانت تلاحقها بأنها فرصة عليه استغلالها بكل الطرق الممكنة، ووجد أنه يستطيع أن يستفيد منها بشكل أفضل من كونها نادلة في مطعمه.
أما هي ورغم امتنانها لحصولها على فرصة للعمل نادلة في أحد مطاعم أبوظبي وسعادتها بالخروج من دائرة الفقر والبطالة التي قيدت أحلامها في بلدها الأم، لكنها لم تشعر بالراحة في عملها الأول، فاضطرت للانتقال للعمل في مطعم آخر، حيث لم يكن الأمر أفضل كثيراً، فقد دأب صاحب العمل على ملاحقتها بكلمات الإطراء مصحوبة بنظرات غير مريحة لأي أنثى، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد فوجئت به في أحد الأيام يعرض عليها العمل كراقصة.
إغواء الضحية
اعتقدت الفتاة في البداية أنها مجرد محاولة مزاح ثقيل، ولكن صاحب المطعم استرسل في الحديث وهو يحاول أن يزين لها الأمر كأي شيطان يغوي ضحيته، راسماً لها صورة ذلك العمل بمكاسبه المادية الكثيرة وجهده البسيط، إضافة إلى ما يحققه من شبكة علاقات واسعة وحياة رغيدة لها وأسرتها إن أبدت بعض المرونة في التعامل مع الزبائن.
مؤكداً أنه لا يجوز لهذا الجمال أن يذوي في حمل الأطباق والعصائر للزبائن الذين لا ينظرون لها باحترام أكثر مما ينظر أي منهم للراقصات في الملاهي الليلية، ولكنها رفضت بحزم السير في ذلك الطريق الذي لا تريده.
تحرش ومضايقات
رغم رفضها الحازم، لم يفقد الأمل في إمكانية التأثير فيها، فبدأ بالتحرش بها بوسائل كثيرة ومضايقتها بكل ما يستطيع حتى يغلق أمامها كل الأبواب باستثناء الباب الذي أراد لها أن تدخل منه إلى حياة الرذيلة، ومن ذلك أنه كان يؤخر راتبها حتى يضيق عليها رزقها.
كما أنه لم يقم بعمل إقامة لها إلا بعد فترة طويلة متذرعاً بوجود مخالفات على بطاقات الضمان لكفيلها الأول، كما قام بالتعميم عليها كيدياً بالهروب وإلغاء إقامتها وبطاقة عملها، إضافة إلى عدم تسليمها رواتبها ومستحقات عملها الإضافي.
لم يكن هذا فقط كل ما لديه من مكائد، بل إنه أمعن في إذلالها بأن استأجر لها غرفة في شقة للعزاب جميع سكانها من الرجال وهي الأنثى الوحيدة بينهم، فكانت تدخل إلى المنزل كالمتسللة.
فإذا ما وصلت إلى غرفتها أغلقت بابها عليها ونامت بنصف ذاتها، حيث تبقى روحها متيقظة، خشية أن يقتحم أحدهم غرفتها ليعتدي عليها، وكان رعبها يتضاعف في الأيام التي كانت تشم فيها رائحة الخمر تنبعث من إحدى غرف الشقة، ففي تلك الليالي كانت تنام كالمستيقظة وكانت تسمع خلال نومها كل حركة وصوت خارج غرفتها.
شكوى وإدانة
لم تستطع الفتاة الصبر كثيراً على هذا الكم من الإهانات، خاصة بعدما أصبح يشهر بها بمشاركة أحد أصدقائه بكل الوسائل التي يستطيعانها، فتقدمت بشكوى ضدهما إلى النيابة التي حركت ضده قضية جزائية أمام محكمة الجنح، وفي المحكمة ادعى أحدهما خلال إحدى الجلسات أن لديها العديد من القضايا المخلة بالشرف.
ويوجد ضدها في الشرطة شكاوى مشينة، وقال الثاني إنها كانت تحاول المتاجرة في المخدرات، وهو ما لم يستطيعا إثباته بالمستندات، فتم الحكم بإلزامهما بدفع غرامة لإدانتهما بتهمة رمي المجني عليها بإحدى الطرق العلانية بما يخدش شرفها، كما أدين صاحب العمل بالتعميم عليها كيدياً وإسكانها في مسكن مخصص للذكور.
حكم جزائي
وبعد صدور الحكم الجزائي أقامت المجني عليها دعوى للمطالبة بالتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية والنفسية التي أصابتها نتيجة ما قام به صاحب العمل وصديقه من سلوكيات ضدها، فحكمت المحكمة الابتدائية بأن يؤديا لها بالتضامن مبلغ عشرة آلاف درهم عن الأضرار المعنوية التي أصابتها ورفضت تعويضها عن الأضرار المادية.
ولكن محكمة الاستئناف اعتبرت أن المجني عليها تكبدت الكثير من المصاريف والجهد والوقت لإلغاء التعميم الكيدي الذي قام به صاحب العمل ضدها، وما تضمنه من مصاريف التقاضي والمحاماة لإثبات حقها أمام الشرطة ودائرة العمل والمحاكمات الجزائية والمدنية، وبالتالي ألزمت صاحب العمل بأن يؤدي لها مبلغ 20 ألف درهم كتعويض مادي عن ذلك.
وفي التعويض المعنوي عدلت محكمة الاستئناف التعويض ليصبح 30 ألف درهم يؤديه كلا المدعى عليهما بالتضامن، معتبرة أن مبلغ عشرة آلاف درهم غير مناسب لجبر الأضرار التي لحقت بالمدعية في سمعتها وشرفها، ولأنها أنثى فإن الضرر بهما أكبر من أي ضرر آخر يمكن أن يصيبها.
ضمن التعاون القائم بين صحيفة «البيان» ودائرة القضاء في أبوظبي، تنشر الصحيفة كل أحد قصصاً من أروقة القضاء بهدف نشر التوعية بين أفراد المجتمع"
