تشكل مسألة تقاعد مرضى الثلاسيميا وأولياء امورهم قضية يشعرون فيها بالظلم لدى المقارنة بالأصحاء. فهم على الرغم من ظروفهم الصعبة لا يمكنهم التقاعد مبكرا، ذلك أن قانون التقاعد لم ينصف هؤلاء المرضى حتى الآن، ولا يميز بين الانسان المريض والسوي من ناحية سن التقاعد والتي حددها القانون الاماراتي بـ 60 عاما ، مطالبين مرضى الثلاسيميا بخفض سن التقاعد لـ 45 عاما بدلا من الستين لضمان حصول الزوجة والابناء في حال حدث مكروه لا قدر الله لمعيل العائلة ان تستمر العائلة في الحصول على راتب تقاعد.

حيث إن أعمار مرضى الثلاسيميا "والاعمار كلها بيد الله" هي بالتأكيد أقل من أعمار الناس العاديين الذين لا يعانون من أية أمراض بسبب توقف حياة هؤلاء المرضى على الادوية ونقل الدم وما تخلفه تلك الادوية من مضاعفات مثل ترسب الحديد على مختلف أعضاء الجسم.

خلال العامين الماضيين توفي ستة مرضى مصابون بالثلاسيميا اعمارهم لم تتجاوز 35 عاما ، وما زلنا نفقد منهم شبابا في مقتبل العمر عرفناهم منذ سنوات كانوا قدوة ومثالا رائعا لزملائهم في العمل من ناحية الاخلاص والانتاجية، تاركين وراءهم زوجات وأبناء ،لا ندري ماذا حل بهم بعد توقف مصدر دخل الأب.

أثناء إجرائنا للتحقيق وصلنا خبر مفاده أن اكثر مرضى الثلاسيميا عملا وإنتاجا تم إدخاله إلى قسم العناية المشددة في مستشفى راشد بسبب مضاعفات جانبية خلفها المرض منها ترسب كميات كبيرة من الحديد على القلب، فهرعنا الى المستشفى للاطمئنان على صحة زميل عرفناه منذ سنوات وقلوبنا ترتجف من هول ما قد يحدث له.

ولكنه خرج بعد يومين من المستشفى بمضخة يتطلب وجودها عدم بذل اي مجهود كبير، هذه القصة وغيرها من القصص التي سمعناها للأشخاص المتوفيين دفعنا لطرح سؤال وجيه من خلال هذا التحقيق الذي رفعناه لكافة الجهات المعنية وهو، لماذا لا يتم تخفيض سن التقاعد لهؤلاء المرضى لمدة 45 عاما بدلا من معاملتهم معاملة الاسوياء وكانت محطتنا الأولى مع المرضى أنفسهم فماذا قالوا :

مرضى الثلاسيميا

ع.ج 35 عاما أب لثلاث بنات يعمل منذ 13 سنة يقول مرضى الثلاسيميا هذه الايام بامكانهم العمل والانتاج كغيرهم بفضل التقدم الطبي والعلاجات الجديدة، ولم يعد يجب على المريض سوى مراجعة المركز كل ثلاثة اسابيع لإجراء تغيير الدم واجراء بعض الفحوصات عكس ما كان موجودا في السابق . لذلك بدأ مرضى الثلاسيميا يعيشون اطول مما كانوا يعيشون في السابق.

ولكن ليس العمر الطبيعي للانسان العادي لان ما تخلفه كثرة الادوية وعمليات نقل الدم تترك المريض عرضة لحدوث بعض المضاعفات ومنها تراكم الحديد في القلب، لذلك لا بد من خفض سن التقاعد لمرضى الثلاسيميا لـ 45 سنة كحد أقصى أو الخدمة لمدة 15 عاماً بدلا من 60 سنة أو الخدمة لمدة 25 عاماً لان المريض لن يعيش الا هذا الحد، علما بان الاعمار كلها بيد الله .

وقال نتمنى على الجهات المعنية خفض سن التقاعد لمرضى الثلاسيميا وغيرهم من المرضى من ذوي الاحتياجات الخاصة لضمان حصول الزوجة والابناء في حال حدث مكروه لا قدر الله لمعيل العائلة ان تستمر العائلة في الحصول على راتب تقاعد زوجها بدلا من الوقوف أمام أبواب الجمعيات الخيرية أو طلب المساعدة من هنا أو هناك لتربية الابناء وتعليمهم حتى يكونوا أفرادا منتجين وفاعيلن في المجتمع .

ويضيف: الانسان العادي يصل إلى سن التقاعد هذه الايام بأمراض عدة منها السكري والضغط والكوليسترول وغيرها فما بالك بمريض الثلاسيميا الذي تتوقف حياته على الادوية وبالتالي نتمنى خفض سن التقاعد للمصابين بمرض الثلاسيميا إلى 15 سنة خدمة بدلا من 25 سنة خدمة.

تأييد

جمال الحمادي يعمل منذ سبع سنوات ومتزوج وله من الابناء بنت وولد ، يؤيد زميلة السابق بضرورة خفض سن التقاعد للمصابين بالمرض لانهم يموتون قبل الستين من تأثير المرض ومضاعفات الادوية ، وبالتالي لا يجوز بأي شكل من الاشكال مساواتهم في الخدمة مع الأسوياء سواء من ناحية العمل او مدة الخدمة، ويضيف يجب على اصحاب العمل مراعاة ظروف هذا المريض الذي قد يضطر إلى التغيب عن العمل خاصة عندما يحين موعد نقل الدم أو إجراء بعض التحاليل والفحوصات.

وناشد جمال الحمادي هيئة المعاشات في الدولة إعادة النظر في سن التقاعد لمرضى التلاسيميا، لافتا إلى أن معظم هؤلاء المرضى كانوا يموتون في سن مبكرة، ولكن مع تقدم الطب وظهور أدوية وعلاجات جديدة وخبرات وكفاءات طبية وتمريضية بات هؤلاء المرضى يعيشون حياة أطول ولديهم القدرة على العمل والانتاج ولكن تبقى مسألة وصولهم إلى الستين في علم الغيب وبالتالي نطالب بتخفيض سن التقاعد حتى لو حصل مكروه للشخص يكون هناك دخل ثابت لزوجته وأبنائه تعينهم على مواجهة متطلبات الحياة.

ويؤكد عبد العزيز البلوشي مريض ثلاسيميا ويعمل منذ ثلاث سنوات أن مريض الثلاسيميا لا يمكن مقارنته بزملائه الاسوياء في العمل وهذا شيء متعارف عليه عالميا، إذ أن مريض الثلاسيميا نادرا ما يصل إلى الستين ولو وصل تكون صحته متدهورة تماما بسبب الادوية وعمليات نقل الدم.

وبالتالي يجب أن ينظر لهذه الشريحة بمنظار مختلف تماما ومراعاتهم في الخدمة المطلوبة، بحيث تكون 15 سنة، لضمان مستقبل أبنائه وزوجته، وبالتالي نناشد الجهات المعنية إعادة النظر في موضوع مرضى الثلاسيميا وغيرهم من ذوي الاعاقات أيضا، كما أن القوانين التي وضعت من قبل البشر يجب أن تتغير دائما وفقا للواقع والمستجدات.

الرابطة العالمية

الرباطة العالمية للثلاسيميا: سعيد العوضي أصغر أعضاء الرابطة العالمية للثلاسيميا ومصاب بالمرض ومتزوج وله ولدان، أكد أن مطالب المرضى مشروعة إذ لا يمكن مقارنتهم بالأصحاء خاصة من ناحية مدة الخدمة المطلوبة للتقاعد، مؤكدا ان مرضى الثلاسيميا نادرا ما يعيشون لعمر الستين، بسبب نمط العلاج المستمر والمتمثل بالحاجة إلى نقل الدم بصفة دورية، أي مرة كل أسبوعين أو ثلاثة أسابيع.

بالإضافة إلى الحاجة لتخفيف نسبة الحديد في الدم من خلال الحبوب أو الإبرة التي توضع تحت الجلد لمدة 12 ساعة يومياً، لافتا إلى أنه خلال العامين الماضيين توفي 6 مرضى اعمارهم تتراوح بين 30_ 35 عاما، وتركوا خلفهم زوجات وأبناء تقطعت بهم السبل.

وقال هناك تفاوت كبير بين مرضى التلاسيميا في الدولة بسبب تباين نوعية العلاجات التي يتلقونها وبعض هؤلاء المرضى تظهر عليهم اعراض المرض في مراحل عمرية متقدمة عكس مرضى مركز التلاسيميا في دبي مثلا نظرا لعدم وجود مراكز متخصصة لديهم في الامارات الاخرى .

وطالب العوضي أيضا بضرورة أن تتفهم الجهات التي يعملون بها طبيعة المرض لأنه يختلف عن الامراض المزمنة الاخرى إذ تعتبر الثلاسيميا من اكثر الامراض شدة وخطورة لان المريض يتناول الادوية يوميا ويقوم بنقل الدم كل ثلاثة اسابيع وبعضهم يعيش على مضخات الديسفرال 12 ساعة يوميا لمنع ترسب الحديد في الدم .

ويعاني إلى جانب المشاكل الصحية من مشاكل اجتماعية واقتصادية وبالرغم من ذلك فقد أثبت الكثير من المرضى أنهم يملكون قدرات عملية كبيرة وانتاجية عالية ولكن يبقى موضوع سن التقاعد الشغل الشاغل لهم ونتمنى أن يتم تخفيضه إلى 45 سنة أو 15 سنة خدمة بدلا من الستين أو الخدمة 25 سنة .

وأكد عضو الرابطة العالمية للثلاسيميا أن العمر الافتراضي لمرضى التلاسيميا كان يحدد بـ 16 سنة، ولكن اليوم لا يوجد تحديد للعمر، لأن المريض أصبح يعيش حياة طبيعية.

أما عن مطالبات إخواني المرضى بخفض سن التقاعد للمرضى أنا على يقين بأن الدوائر والمؤسسات ستلبي النداء، وهذا ما عهدناه من أصحاب المناصب القيادية في بلد بناه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

ويأتي ذلك أيضاً تحت ظل القيادة الرشيدة وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وإخوانهما أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد والفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.

قد أولوا مرضى الثلاسيميا جل اهتمامهم ووضعوهم في مقدمة أولوياتهم، وذلك بالإضافة إلى دور وعمل الجمعيات والمراكز المعنية بالمرضى في الدولة وعلى رأسهم جمعية الإمارات للثلاسيميا والمكتب الإقليمي لرابطة الثلاسيميا الدولية في أبوظبي الذي تترأسهم حرم سمو الشيخ الدكتور سلطان بن خليفة بن زايد آل نهيان الشيخة شيخة بنت سيف آل نهيان التي أولت بدورها مرضى الثلاسيميا جلّ اهتمامها من خلال تقديمها العلاج والتعليم للمرضى في الدولة وخارجها .

 ذلك أيضاً بالإضافة إلى انشاء أول مكتب إقليمي لرابطة الثلاسيميا الدولية في أبوظبي لتحقيق أهداف وأنشطة منظمة الصحة العالمية في المنطقة بما يتماشى مع تحسين حياة مرضى الثلاسيميا وتوفير أفضل سبل الحياة لهم.

الشؤون الاجتماعية

ويقول حسين الشيخ وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية لشؤون الرعاية الاجتماعية إن تخفيض سن التقاعد لأي شخص مريض يشترط له لجنة طبية تقوم بالكشف عليه وإعداد تقرير بالحالة الصحية للمريض ليكون هذا العمل قانونيا حسب اللوائح والنظم المعمول بها.

وأضاف إن المعاقين لهم حقوقهم التي تقدمها لهم الدولة ممثلة في عدد من الوزارات والمؤسسات ومنها وزارة الشؤون الاجتماعية التي تقوم بدورها في تقديم المساعدات من الضمان الاجتماعي، وتأهيل الشباب والفتيات على الانخراط في المجتمع، ومخالطة الأسوياء سواء في المدارس أو في أماكن العمل.

وقد وضعت إدارة رعاية وتأهيل المعاقين بوزارة الشؤون الاجتماعية خطة مستقبلية تعمل من خلالها على توسيع الشراكة مع المؤسسات والقطاع الخاص لتدريب وتشغيل المعاقين، وتوفير التسهيلات اللازمة والمشجعة للشركات التي تبادر وتتبنى تدريب وتشغيل المعاقين، والعمل على توفير مشاريع صغيرة وقروض ميسرة وتنظيم دورات تدريبية للمعاقين الباحثين عن عمل، بما يتناسب مع قدراتهم، وبما يساعدهم على النجاح في عملهم والاستقرار فيه.

المسؤولية الطبية

 قال رئيس لجنة المسؤولية الطبية واستاذ الطب في جامعة الامارات الدكتور يوسف عبد الرزاق إن موضوع خفض سن التقاعد لمرضى التلاسيميا ليس من اختصاص الجمعية لأنها تحقق في الامور الاخرى مثل الاخطاء الطبية وغيرها، ولكن يمكن للجمعية أن تساعد في هذا الموضوع في حال تم مخاطبتها رسميا من الجهات المعنية.

حيث ستشكل لجنة من الاطباء من ذوي الاختصاص بالمرض للوقوف على طبيعة المرض والمشكلات التي يواجهها هؤلاء المرضى ورفع توصياتها إلى الجهة المعنية لاتخاذ القرارات المناسبة حيال هذا الموضوع الانساني الحساس.