حملت سحر أوراقها ودخلت إلى المكتب الهندسي الذي أعلن عن وظيفة إدارية شاغرة لديه، داعية الله أن يتم اختيارها، جلست في الصالة مع جموع المتقدمين، تنتظر دورها.
خرج رجل في العقد الرابع من عمره أصلع يبتسم ويتطلع في وجوه الجالسين، أشار بإصبعه إليها وقال لها: تفضلي.
عاد إلى الغرفة ولحقت به وقلبها يرجف خوفاً من فشلها في المقابلة.
استلم أوراقها تصفحها، طرح عليها أسئلة عدة ثم قال أنا المهندس عدنان: أنت مقبولة وغداً تباشرين الدوام.
في اليوم التالي توجهت من دون أن تدري أي شيء عن مهام عملها، إنه مكتب للهندسة، خرائط وتصاميم ملفات وأوراق، دخلت إلى المكتب وكان المهندس عدنان في استقبالها، وهناك مهندس آخر مشغول في قراءة الملفات.
طلب منها أن تتوجه إلى غرفة صغيرة فيها طاولة وجهاز كمبيوتر وهاتف، وقال لها: مهمتك الرد على الهواتف وتسجيل المواعيد، وحفظ الملفات، المهندس طارق هو صاحب المكتب، وأنا أعمل معه في إعداد تصاميم الأبنية، ولا أريد منك الغياب، لأننا حريصون على من يرد على الهاتف في حال غيابنا.
ارتاحت للمهندس عدنان وطريقة حديثه معها، التزمت بالدوام كسكرتيرة في المكتب، تحضر معها مأكولاتها الخفيفة وتغادر مساء إلى بيت أهلها.
مرت الأيام وقد ازدادت العلاقة حميمية مع المهندس عدنان، فهو كثير الكلام وثقافته عالية ومتزن كثيراً في التعامل مع الجميع سواء من المترددين على المكتب أو العاملين فيه.
بدأ بتقديم الهدايا، وتعزيز علاقته معها سواء عبر الهاتف أو الجلوس لفترات متقطعة في مكتبها.
في نهاية يوم عمل، طلب منها المهندس عدنان أن تقبل دعوته على العشاء في أحد المطاعم، لكنها اعتذرت وبررت ذلك بأنها مرتبطة مع أهلها بموعد زيارة، أخبرت والدتها بما جرى معها، ووصفت شكل المهندس بأنه قصير أصلع ناصح، ردت الأم بأن الرجل لا يعيبه الصلع، وهذه الدعوة إذا كانت تنم عن التقرب للزواج فهذا جيد.
لم يتردد عدنان في طلب يد الفتاة وتزوجها فعلاً. وكان شرطه الوحيد ألا يعرف أحد من المكتب أنها زوجته.
لكن عدنان جاءته فرصة عمل في شركة ثانية في دولة خليجية، وانتقل إليها مع زوجته سحر.
مر عام من دون أن يرزقا بمولود، وكلما طلبت منه الذهاب إلى الطبيب كانت حججه كثيرة، وأن الله سيرزقهم بغلام قريباً.
وفي أحد الأيام كانت فاتورة هاتف الزوج على الطاولة، وأرادت سحر قراءتها، وفوجئت باتصالات عدة إلى بلدها من دون أن تدري مع من كانت هذه الاتصالات، وهذا الرقم ليس لأهلها أو أهله!
وبفضول سارعت بالاتصال بالرقم نفسه لتعرف مع من تلك المكالمات الدولية؟
تفاجأت سحر بصوت امرأة ترد عليها بقسوة، وقالت لها: أنا زوجة عدنان ولدينا خمسة أولاد، وأنت سرقت زوجي مني ومن أولاده وسافرتم، حرمت الأولاد من والدهم.. لم تتحدث سحر بكلمة واحدة، أغلقت الهاتف، وانهارت بالبكاء، وبدأت تتساءل: أيعقل أنها مغفلة إلى هذا الحد؟ هل يمكن أن يخفي عدنان زواجه الممتد عبر سنوات ولم يحدثها عنه!
عاد عدنان إلى البيت مساء، ووجد زوجته في حالة يرثى لها، لم يفاجأ، لأنه وجد فاتورة الاتصالات إلى جانبها والهاتف أمامها وأدرك أنها اكتشفت ما كان يخبئه عنها.
سارع إلى ملاطفتها والحديث معها بودٍ، وقال: هل عرفت أنني متزوج؟ لم ترد عليه، بل انهارت بالبكاء ثانية.
قال عدنان: سامحيني من المفروض أن أخبرك منذ اليوم الأول، ولكنني خشيت أن ترفضي طلب الزواج منك، وأنني أحببتك، وجدت فيك الإنسانة التي أريدها زوجة لي.
نظرت إليه وقالت: أنت كذاب، أنت مخادع، كيف تترك أولادك الخمسة وزوجتك وتغادر البلد؟ ضمها إلى صدره وقال: صدقيني إنني أحبك ولا أريد العودة إلى زوجتي الأولى.
قالت: هل مازالت زوجتك على ذمتك أم أنها مطلقة؟
ـ مازالت على ذمتي، وأنا أرسل لهم مصروفهم شهرياً واتصل بهم واطمئن عليهم.
قالت له: أمامك حلان اختر واحداً منهما، إما أن تعود إليها ولأولادك أو أن تحضرهم جميعاً إلى هنا.
ـ وماذا عنك؟
ـ أنا أطلب الطلاق رسمياً ولا رجعة عن طلبي.
عاد عدنان إلى بلده وأسرته، وبقيت سحر تبحث عن فرصة عمل لها بعد أن تم طلاقها تحقيقاً لرغبتها.
