العشاء الأخير

وقفت تصلي لله تعالى شاكرة فضله أن أنعم عليها بقرب انتهاء رحلة التعب والمعاناة، وها هي سفينتها تستعد للرسو على شاطئ الأمان، الصغار ولله الحمد كبروا وأصبحوا شباباً، استطاعت أن تمنحهم زهرة شبابها قوتاً لأيامهم، حصلت لهم على كل ما أرادت، علمتهم جميعاً حتى تخرجوا من أفضل الجامعات، وبهذه الشهادات حصلوا على وظائف أكثر من رائعة.

وها هو أحدهم وجد لنفسه شريكة حياة، فتاة رائعة حقاً وقد عقد قرانهما أخيراً، والليلة أتى بها لزيارتهم ثم خرجا معاً ليتناولا طعام العشاء وهناك سيرسمان ملامح أيامهما المقبلة بألوان الفرح والأمل، كانا رائعين وكأن الشمس شطرت نفسها وأعطت كلاً منهما شطراً.

الأمل

كان عاشقاً لعروسه، وجد فيها كل ما تمنى وها هو يخرج معها لوحدهما هذه المرة فقد أصبحت زوجته أمام الله، وما هي إلا أيام وتزين منزله، وليحتفل بهذا اصطحبها إلى أحد أفخم الفنادق ليتناولا عشاءً مميزاً على ضوء الشموع، وهناك طلبت تناول أحد أنواع الأسماك، أما هو فقد طلب كبدة الإوز، ولما حضر الطعام لم تستطع أن تستسيغه، وقالت إن طعمه غريب ولا تريده، فما كان من خطيبها العاشق إلا أن عرض عليها تبادل الوجبات معتقداً أنه نوع من دلع البنات، وهكذا أكملا وجبتيهما وكذلك اتفقا على الكثير من تفاصيل زفافهما ثم أوصلها إلى منزل أسرتها وعاد إلى منزله.

كانت الساعة لم تتجاوز العاشرة مساءً عندما خرجت أمه من غرفتها ووجدته وقد عاد إلى المنزل وقد تمدد على الأريكة في صالون المنزل، وكان لايزال مرتدياً الملابس التي خرج بها، ولما سألته عن سبب عدم دخول غرفته والاستعداد للنوم أخبرها بشعوره بحالة غثيان وإرهاق، فلما اقتربت منه وجدت وجهه قد امتلأ بقطرات العرق فشعرت بقلب الأم أن الأمر ليس عادياً كما يقول، ونادت على شـقيقه وألزمتهما بالذهاب فوراً إلى أقـرب مستشفى.

وهناك فحصه الطبيب وشخص حالته على أنها مغص معوي وأعطـاه دواءً مناسباً لتشخيصه وأخبره أنه يستطيع العودة إلى المنزل. ورغم أنه تناول الدواء الذي وصفه الطبيب إلا أن حالتـه أصبحـت تتدهور مع الوقت وأصـبح الألم فوق قدرته على التحمل، فقام شقيقه بأخذه ثانية إلى المستشفى نفسه حيث قاموا بعمل الإسعافات ومحاولة علاجه ولكن من دون جدوى، فقد أسلم الشاب الروح إلى بارئها بعد منتصف الليل بقليل، تاركاً أماً ثكلى على حافة الجنون، وعروساً استبدلت فستانها الأبيض بثوب الحداد، وأشقاء وأصدقاء وحياة كاملة كانت تنتظره فترك كل ذلك ورحل.

ملابسات

وجاءت التحقيقات حول ملابسات الوفاة كما هو متوقع، إنها حدثت بسبب التسمم بجرثومة السلامونيا، وأن وجبة الأسماك التي تناولها بدلاً عن خطيبته كانت مطهوة بأسماك فاسدة، وبناءً على ذلك قامت النيابة العامة في أبوظبي بإحالة الفندق الذي تناول به المجني عليه وجبته الأخيرة لمحكمة الجنايات بتهمة التسبب بوفاة الشاب، بالإضافة إلى توجيه التهمة نفسها إلى كل من مسؤول الأغذية والطاهي الذي قام بإعداد الوجبة. و

دخلت أسرة الشاب المجني عليه كمدعين بالحق المدني مطالبين بإيقاع عقوبة تتناسب مع حجم الجريمة التي ارتكبت بحقهم وتسببت بحرمانهم من ابنهم الذي أصبح زرعاً مثمراً يرجون خيره في أيامهم المقبلة.

 أما الفندق فقد دفع بعدم مسؤوليته عن وفاة الشاب، مؤكدين أنه تم تقديم الوجبة نفسها إلى عدد من الزبائن ولم يعاني أي منهم التسمم، وبالتالي فمن الممكن أن يكون المجني عليه قد تناول طعاماً آخر قبل حضوره للعشاء مع خطيبته، كما أشار الفندق في دفاعه إلى أن أعراض التسمم بالسالمونيا لا تظهر بهذه السرعة وتحتاج لساعات.

بينما تؤكد شهادة أسرة المجني عليه أنه بدأ يعاني التسمم بمجرد عودته للمنزل. ولكن شهادة خطيبة الشاب أكدت أن طعم السمك كان غريباً وغير مستساغ، وبالتالي أصدرت محكمة الجنح حكمها بإدانة الفندق والمتهمين العاملين لديه، وهو الحكم الذي أيدته محكمة الاستئناف.

 

(ضمن التعاون القائم بين صحيفة البيان ودائرة القضاء بأبوظبي، تنشر الصحيفة صباح كل أحد قصصاً من أروقة القضاء بهدف نشر التوعية بين الناس).

طباعة Email
تعليقات

تعليقات