حدثني أحد القضاة ذات مرة عن ما لاحظه خلال نظره قضايا الطلاق من فقدان الأزواج والزوجات في الفترة الأخيرة لآداب التخاصم وكيف أصبحوا يستبيحون كل معيب ومحرم لضمان ربح القضية على حساب الطرف الآخر، والمشكلة ليست في الطلاق كحالة تحدث بين أي زوجين يجدان صعوبة في التواصل، ولكن المشكلة لها أبعاد أخلاقية بالدرجة الأولى ويمكن تلخيصها بعبارة واحدة "سوء الاختيار".

وصاحبة القصة هي زوجة وجدت نفسها مثل الكثير من نساء هذا الزمان، مطالبة بأن تكون امرأة خارقة، عليها أن تعمل لتنفق على أسرتها، والقيام بأعمال المنزل وتربيه الاطفال والتسوق، بالإضافة إلى أداء واجبات الزوج وأهله، بل قد يصل الأمر أحياناً إلى مطالبتها بالذهاب للمدينة الصناعية لصيانة السيارات، وكل ما من شأنه توفير الراحه والرفاهيه للزوج. أما هي فلا تملك حتى رفاهية الملل أو التعبير عن التعب، وإن اشتكت لأهلها وقفوا ضدها فبنات الأصول يحافظن على بيوتهن، وأن "ظّل الرجل خير من ظل الحائط" ولكن ماذا إن ثار الحائط وقرر السقوط على حياتها ليدمرها؟!

كان ذلك بعد سنوات قضتها وهي تقوم بدور المرأة الخارقة بكل اقتدار، ولكن شيئا ما تغير بعد أن استلم زوجها المنزل الذي خصصته الحكومة لعائلتهما الصغيرة، وقامت هي بإعداده وفرشه بقرض بنكي، ليبدأ مسلسل من السلوكيات الغريبة التي لم تجد لها تفسيرا في البداية، ففي إحدى الليالي فوجئت بزوجها وهو يطلب منها أن تكون له غرفة مستقلة، ثم ضربها وأهانها بقسوة شديدة حتى سقطت على الأرض وقد فقدت القدرة على النطق، فتم نقلها إلى المستشفى مدعية السقوط حتى لا يحاسب زوجها.

وبعد تحسن حالتها رفض زوجها استلامها، وطلب تحويلها إلى الطب النفسي مدعياً أنها حاولت الانتحار أكثر من مرة، وهكذا وجدت نفسها في عنبر المرضى الخطرين في مستشفى للأمراض العقلية، وهي لا تستطيع النطق للاعتراض، فشرحت للطبيب المناوب حقيقة حالتها كتابة، ورغم أنه فحصها وتأكد من صدقها، لم يملك إلا نقلها إلى عنبر المرضى العاديين، فهو مجرد طبيب مناوب وكان ذلك في يوم العطلة الأسبوعية، فاضطرت للبقاء إلى اليوم التالي، و قضت ليلة لن تنساها لفرط ماعانت خلالها من ألم وخوف.

وبعد خروجها من المستشفى استطاعت الالتحاق ببرنامج علاجي طويل استعادت بفضله قدرتها على النطق، ولكن أهلها أعادوها إلى منزل زوجها، فلا يجوز في منطقهم ان يكون في الأسرة مطلقات، خاصة أن اثنتين من شقيقاتها متزوجات من أقارب زوجها وهدم زواجها سيصيب أسرهن بالتصدع بلا شك.

ولم تنته القصة، فلقد كان زوجها مصمما على إثبات جنونها حتى يتمكن من طلاقها والاحتفاظ بحضانة البنتين فلا يضطر لدفع نفقات الحضانة في حال تم ضمهن لحضانتها بعد الطلاق، وفي احدى الليالي وبينما هي جالسة في غرفتها تصلي، فوجئت بنساء من الشرطة يقتحمن غرفتها، لتكتشف أن زوجها قدم بلاغاً بأنها في حالة هياج شديد وأنها حاولت الانتحار، فتم معالجة الأمر وألغي البلاغ لعدم ثبوت ادعاء الزوج كما أوعز إلى الخادمة بأن تدعي بأنها قامت بضربها .

وهي في حالة هياج، وفي محاولة أخرى، ادعى أنها طردته من المنزل، وطلب من الشرطة الحضور لتمكنه من دخول منزله والكثير من البلاغات لاثبات أن تصرفاتها غير طبيعية بحيث لا يمكن أن تستأمن على أطفالها ولم يتوقف صبرها عن هذه التصرفات إلا عندما أخبرتها جارتها بأنها رأت الخادمة وهي تضرب صغيراتها بقسوة، ليتبن أن والدهن هو من أمرها بذلك على أن يترك الضرب علامات على أجسادهن تساعده على تقديم بلاغ يتهم أمهن بأنها من ضربهن في احدى حالات هياجها، وهنا نست المعايير الاجتماعية وما عادت تذكر إلا معايير أمومتها.

لم تكن في ذلك الوقت تعرف ما يجب عليها فعله، خاصة أنها فقدت عملها لكثرة غيابها بسبب المرض والمشاكل التي تعرضت لها، وليس لديها ماتنفقه في رفع القضايا وتوكيل محام فلجأت إلى مكتب المساعدات القانونية في دائرة القضاء في أبو ظبي، وروت قصتها للقائمين عليه، الذين قاموا بارشادها عن الخطوات المتوجبة عليها، وكيفية صياغة الطلبات وتقديمها.

فحصلت خلال ثلاث ساعات على ثلاث إجراءات وحكم تنفيذي لاخذ نفقه سريعه مؤقته، وإلزام زوجها بتسليمها صورة طبق الاصل من مستندات ابنتيها وطلب أمر على عريضه من النيابه بالتحقيق معه في قضايا الضرب والاضرار الجسدي وسرقه متعلقاتها الخاصه وضمنها تقاريرها الطبيه. ولكونها بدون مصدر دخل، قامت بعمل تقرير حالة تم على أساسه ترشيح أحد المحامين من قبل مكتب المساعدات القضائية للترافع عنها مجانا في القضايا التي هي محل النزاع بينها وبين زوجها.

بالاضافة إلى قضية ضرب الخادمة التي استطاع المحامي المتطوع الحصول على حكم قطعي ببراءتها منها وبعد استدعاء الزوج للتحقيق معه في واقعة الضرب قام بتطليقها في مخفر الشرطة وأمام ضابط التحقيق، فقام المحامي برفع قضية إثبات طلاق.

لم تنته قصة هذه الزوجة حتى الآن وما زالت المحاكم تنظر ادعاءاتها وزوجها ومن جهتهم أكد أعضاء مكتب المساعدات القضائية حياديتهم في هذه القضية وفي كل قضية تعرض عليهم، وأنه في حالة طلب الزوج مساعدتهم فستقدم له خدمات المكتب بنفس المستوى، فالمكتب ليس جهة مخولة بإصدار الأحكام، ودوره ينحصر في بذل الجهد لكي يحصل كل طرف على كامل حقه في ابداء دفوعه بغض النظر عن قدرته المالية أو مدى صحة ادعاءاته.

 

(ضمن التعاون القائم بين صحيفة البيان ودائرة القضاء في أبوظبي، تنشر الصحيفة صباح كل أحد قصص من أروقة القضاء، بهدف نشر الوعي بين الناس).