أحبط مفتشو جمارك دبي في قرية دبي للشحن والمنطقة الحرة بمطار دبي الدولي وبريد الإمارات، خلال الثمانية أشهر الأولى من العام الجاري، 126 محاولة لتهريب القنبيات المصنّعة المعروفة باسم "سبايس"، بلغ وزنها الإجمالي 23.5 كيلو جراماً، وهي من المواد المحظورة التي يفوق تأثيرها المخدرات التقليدية، وتتسبب في أضرار جسيمة للجهاز العصبي المركزي.
ويعتبر "سبايس" أحدث أنواع المخدرات التي يتم الترويج لها عبر مواقع الإنترنت، حيث تُسوّق للمراهقين والشباب بأنها مادة تساعد على تحسين المزاج، وتُعرف بين الشباب باسم "الحشيشة الاصطناعية". ويأتي هذا المخدر غالباً على شكل أعشاب داكنة اللون، تتسبب في أضرار جسيمة لصحة وسلامة الإنسان قد تصل في بعض الحالات إلى الوفاة، بناءً على تقارير سُجلت في الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك يؤدي إلى الهذيان، والهلوسة، والارتباك، وتخيّل أشياء غير حقيقية، والضحك، وخروج الشخص المتعاطي عن تصرفاته الطبيعية، وإصابته بنوبات من التشنجات، وعدم القدرة على تقدير المسافات.
وتنتمي مادة "سبايس" إلى فئة "القنبيات المصنعة" أو "المواد الحاكية للقنب" ، وهي تضم حوالي 200 مادة، تم إنتاج بعضها لأغراض الأبحاث الدوائية في بداية الثمانينات من القرن الماضي لإيجاد العلاقة بين التركيب الكيميائي للأدوية ونشاط مستقبلات المخ، وتم تحضير الأنواع الأخرى في مصانع الأدوية والجامعات كمركبات للبحث العلمي، ومن ثم وجدت طريقها إلى المختبرات السرية في الصين وأوروبا، حيث بدأ ترويجها كبديل للقنب. ويؤدي تعاطي شبيهات القنب إلى إتلاف الجهاز العصبي المركزي، وخاصة المخ، مما ينتج عنه هبوط حاد في الجهاز التنفسي، يؤدي في أسوأ الحالات إلى الوفاة.
طرود بريدية
وقال أحمد عبدالله بن لاحج، مدير أول إدارة عمليات الشحن الجوي في جمارك دبي، إن جميع ضبطيات مادة "سبايس" التي وقعت بين يدي مفتشي جمارك دبي العاملين في قرية دبي للشحن ومركز تفتيش المنطقة الحرة بمطار دبي الدولي، خلال الثمانية أشهر الأولى من العام الجاري، كانت قادمة إلى الدولة في طرود ورسائل بريدية، مختلفة الأحجام، من دول أجنبية وعربية، ينتشر فيها استخدام هذه المادة في أوساط المراهقين والشباب، خاصة خلال مواسم الاحتفالات.
كما أن سهولة الحصول عليها عبر الإنترنت، وتوفرها في أكياس صغيرة الحجم، تشبه أكياس الشاي المغلّفة، وتحتوي على عدة جرامات، يزيد من انتشارها في مختلف دول العالم. وأوضح أن المواد التي تم ضبطها، كانت واردة إلى الدولة، وبعضها كان متجهاً لدول أخرى داخل شحنات عابرة.
وجاءت معظم ضبطيات "سبايس" على شكل أعشاب بنية داكنة، مهربة بطرق احترافية مختلفة، بغرض التمويه ومحاولة خداع مفتشي الجمارك. مشيراً إلى أن الملاحظ على الطرود البريدية التي تم ضبط هذه المادة المخدرة داخلها، والتحقيق مع أصحابها لاحقاً، أنها كانت موجهة إلى فئة المراهقين والشباب، بل إن واحدة منها كانت داخل طرد باسم طفل عربي الجنسية في التاسعة من عمره.
حجب مواقع
وقال أحمد بن لاحج إن كفاءة وخبرة مفتشي جمارك دبي والدورات التدريبية التي يشاركون فيها، قادت إلى الاشتباه بمحتويات الشحنات وإحباط مرور المواد المخدرة التي تحتويها، حيث يتم إلحاقهم بدورات تدريبية متخصصة في كافة المجالات من ضمنها التعرف على أنواع المخدرات، وخصائصها، سواءً من حيث أشكالها أو ألوانها أو روائحها، وطرق التفتيش للمواد والشحنات المختلفة.
كما تزودهم بأحدث الأجهزة والمعدات التي تساعدهم في إنجاز مهماتهم، على اعتبار أن الجمارك هي خط الدفاع الأول للمجتمع، وأمنه، وسلامته، وهو ما أسهم في زيادة ضبطيات مادة "سبايس" وغيرها من المواد المخدرة المحظورة في الشهور الأخيرة، رغم الجهود الكبيرة التي يبذلها مروجو ومتعاطو هذه المادة لإدخالها إلى الدولة عبر طرق ملتوية وتضليلية، سواءً بكميات صغيرة أو كبيرة. وتراوحت الكميات التي تم ضبطها في كل طرد أو رسالة بريدية بين 5 جرامات، وهي أصغر كمية تم ضبطها، و2 كيلو جرام، وهي الضبطية الأكبر خلال هذه الفترة من عام 2012.
وأكد أحمد بن لاحج أن جمارك دبي بذلت جهوداً حثيثة لتتبع المواقع الإلكترونية التي تروج لبيع مثل هذه المواد عبر الإنترنت، ومن ثم تم وبالتنسيق مع الجهات المعنية حجب هذه المواقع التي تم اكتشافها. وفيما يتعلّق بمادة "سبايس"، تم التعرف على 12 نوعاً من القنبيات المصنعة لهذه المادة، وهناك مواد أخرى تم ضبطها، وهي قيد الدراسة والبحث حالياً. مفتشو جمارك دبي: 12 ضبطية في يوم واحدمن جانبهم أوضح مفتشو الجمارك في تصريحات خاصة لـ"البيان" قال خالد مصطفى محمد، مدير مركز تفتيش المنطقة الحرة بمطار دبي الدولي، إن مخدر "سبايس" غالباً ما يأتي عن طريق شركات الشحن السريع.
حيث أخذ المخدر بالانتشار في الآونة الأخيرة بين الشباب، لاسيما طلبة المدارس والجامعات، وكذلك بين مدمني الإنترنت، الذين يجلسون لساعات طويلة أمام أجهزة الكمبيوتر ظناً منهم بأنها تساعدهم على تنشيط الذاكرة، مؤكداً أن الطلب على هذا المخدر يكثر أثناء فترة الامتحانات والإجازات.
وأشار إلى أن أحد مفتشي جمارك دبي اكتشف في العام الماضي وجود عشبة غريبة في أحد الطرود البريدية، فقام بإرسالها إلى الإدارة العامة للأدلة الجنائية وعلم الجريمة في شرطة دبي، لتحليلها وإجراء الفحوصات اللازمة عليها، وتبيّن فيما بعد أنها مادة "سبايس" المخدرة، وأن لها آثاراً سلبية كبيرة على العقل الإنساني. وأشار إلى أنه وبالتنسيق مع كل من وزاراتي الصحة والداخلية والقيادة العامة لشرطة دبي، ومن خلال ورش العمل المشتركة، التوصية بضرورة إدراج هذا المادة ضمن قائمة المواد المخدرة المحظورة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وبالفعل تم إدراجها رسمياً ضمن المواد المخدرة.
وشددت جمارك دبي على مفتشيها ضرورة الرقابة على جميع الطرود البريدية القادمة من بعض الدول الأجنبية، حيث أن الضبطيات التي تمكن مفتشو جمارك دبي من إحباطها كانت قادمة من تلك الدول، مؤكداً أن جمارك دبي تعمل على تعزيز قنوات الاتصال والتواصل مع الجهات الأخرى مثل الإدارة العامة لمكافحة المخدرات في شرطة دبي من خلال تبادل المعلومات حول هذا المخدر الخطير.
حصول سهل
من جانبه، قال عارف السعيدي، قائد فريق تفتيش الشحن السريع: إن الخطورة في استعمال مخدر "سبايس" تكمن في سهولة الحصول عليه من خلال بعض مواقع الإنترنت التي توهم الجميع بأنها مواقع خاصة لبيع الأعشاب العطرية، لكنها في حقيقة الأمر مواد مخدرة تستهدف فئة الشباب، وأخذت في الانتشار في الآونة الأخيرة. واتفق المفتش عبد الله الريس مع زملائه حول خطورة هذه المادة، وأكد أنه في إحدى المرات تم ضبط 12 ضبطية مختلفة الأوزان لمخدر "سبايس" في يوم واحد، وهو اليوم الذي سبق إجازة عيد الفطر السعيد، حيث يستخدم "سبايس" في عمل لفائف السيجارة، أو المدواخ.
إضافة إلى تبخير الغرفة بالمادة والاستمتاع الزائف بالروائح المنبعثة منها (مثل البخور والعود). وسرد خلف راشد، قائد فريق في جمارك دبي، قصة رجل حاول تهريب مخدر "سبايس" إلى الدولة، وذلك قبل إدراج المادة ضمن المواد المخدرة والمحظورة، وتم أخذ تعهد منه بعدم جلبها مرة أخرى، وبعد إدراجها جلبها مرة أخرى وتم إيقافه وعمل محضر ضبط له، وتسليمه للجهات المختصة. وتهيب جمارك دبي بالآباء وأولياء الأمور بضرورة متابعة أبنائهم والتواصل مع الجهات المعنية في حالة الاشتباه بوجود مثل هذه المواد.
وكانت الإمارات قد أدرجت مؤخراً مادة "سبايس" في الجدول رقم (1) من قانون المخدرات الاتحادي، باعتبارها من المواد المخدرة، التي يعاقب مروجوها ومتعاطوها، نظراً لخطورتها الكبيرة على الجهاز العصبي المركزي، وسهولة الحصول عليها، واستخدامها كبديل عن الحشيش.


