لم تكن صدمة الرأي العام الأول من أمس بعد الحكم على شابين أحدهما عربي والثاني أوروبي بالإعدام بتهمة الاتجار في المخدرات، بسبب قسوة الحكم مقارنة بالكمية المضبوطة التي لم تتجاوز في مجموعها لدى المتهمين الخمسين غراما، بل يرجع سبب الصدمة أولاً إلى عدم تطرق الاعلام قبل هذا إلى تفاصيل القضية والأسباب التي بنت عليها المحكمة قرارها، وكذلك إلى عدم المعرفة بقانون دولة الإمارات فيما يختص بجرائم المخدرات من جهة، وكيفية تعامل دولة الإمارات مع أحكام الإعدام من جهة أخرى. ورحمة بقلوب أمهات المتهمين نبدأ بالنقطة الأهم بالنسبة لهن، وهي حقيقة أن دائرة قضاء أبوظبي لم تصدر حكماً باتاً بإعدام متهمين بتهم الاتجار في المخدرات، وجميع الأحكام التي صدرت بإعدام تجار مخدرات تم نقضها إن لم يكن أمام محكمة الاستئناف فأمام محكمة النقض.

حس المسؤولية

مصدر قانوني أوضح هذه النقطة بقوله إن دولة الامارات تتعامل بحس مسؤولية عالية فيما يخص حياة الانسان، أي إنسان ولو كان قاتلاً، وهي تتماهى بذلك مع الشريعة الاسلامية التي قامت على حرمة النفس البشرية، ونحن نلاحظ الجهود التي تبذلها الدولة في حال جرائم القتل للحصول على عفو أولياء الدم فكيف يعتقد البعض بأنه من السهل تطبيق عقوبة الاعدام بسهولة في قضايا تعزيرية. وأوضح المصدر أنه بمجرد أن يتم الحكم في قضية تعزيرية، أي قضية لم يصدر فيها حد شرعي، ويكون الحكم هو الاعدام فإن القضية تتحول إلى قضية شرعية، أي يتوجب أن تطبق فيها معايير الاثبات الشرعية، وهي معايير حازمة جداً ودقيقة وتتطلب الوصول إلى درجة اليقين في دليل الادانة لأن العقوبة هي القتل، وهو ما لا يجوز إلا بالحق، ويعتبر هذا المعيار في منتهى الصعوبة في قضايا المخدرات إن لم تتضمن اعترافاً صريحاً وواضحاً، وهنا لابد من الإشارة إلى أن محكمة أول درجة تستطيع أن تصدر الحكم الأقصى في أي جريمة، وهذا لا يعني أنها أقل رحمة، بل يجب أن ننظر إلى بعض الأحكام التي تصدرها المحاكم على أنها أحكام تأديبية للمتهمين وللمجتمع ككل، فالدولة لا تنتقم من رعاياها حتى ولو أخطأوا، ولكنها من منطلق دورها في قيادة المجتمع يتحتم عليها إصلاح الأخطاء من جهة ومن جهة أخرى عليها ان تقوم بإجراءات استباقية لمنع تكرار الخطأ، ولعل حكماً بهذه القسوة على شابين في مقتبل العمر، جعل كل أم وأب يمسكان قلبيهما جزعاً على أن يصيب أبناءهما مثله، وبالتالي يصبحان أكثر يقظة في مراقبة أبنائهما خاصة في سنوات الخطر، وهما المرحلتان الثانوية والجامعية، ويجبر كل شاب يفكر في سلوك طريق مشابه أن يفكر عشرات بل مئات المرات قبل أن يخطو فيه الخطوة الأولى.

حكم ابتدائي

وأوضح المصدر القانوني بأن الحكم الذي صدر بحق هذين الشابين هو حكم ابتدائي، وهو مستأنف عليه بحكم القانون لأنه يتضمن عقوبة الاعدام، والنيابة ستستأنف عليه لصالح المتهم حتى ولو قبل المتهم بالعقوبة، فإن أيدت محكمة الاستئناف عقوبة الاعدام فإنه يكون على النيابة أيضاً ان تطعن في الحكم لمصلحة المتهم أمام محكمة نقض أبوظبي، وفي محكمة النقض يقوم القضاة بمقاربة القضية وفق معايير الاثبات في الشريعة الاسلامية، فإن لم تنطبق عليها تعيدها إلى محكمة الاستئناف، فإن أيد الاعدام مرة ثانية تنظرها محكمة النقض مرة أخرى لتنظرها من حيث الموضوع وتعطي الحكم النهائي فيها، أي أن أحكام الاعدام تنظر من حيث الموضوع من قبل أربع هيئات قضائية وتنظر من حيث القانون من هيئة واحدة، ومع كل هيئة تكون لدى المتهمين فرصة لتقديم دفوعهم وتخفيف العقوبة أو حتى اثبات براءتهم إن أمكن ذلك، وقد وضع المشرع الاماراتي هذه الآلية احتراماً للنفس البشرية وحفظاً أن تزهق إلا بحق بين يتم التأكد منه من قبل 19 قاضياً تتألف منهم درجات التقاضي الخمسة.

أوراق القضية

وعلى صعيد آخر فقد أوضحت محكمة جنايات أبوظبي المشكلة برئاسة القاضي سيد عبد البصير وعضوية القاضيين أكثم السعيد وسيد عبد الرحمن في حيثيات حكمها أن المحكمة تبينت من خلال أوراق القضية أن جريمة المتهمين الاول والثاني لم تكن مجرد الاتجار بالخمسين غراما من الحشيش التي تم ضبطها، بل أنه تبين أنهما يتاجران بأكثر من نوع من المخدرات، وأنهما يقومان بذلك بتخطيط ذكي وبدراسة لسوق المخدرات في الدولة، ويتضح ذلك من خلال شهادة خبيرة الادلة الجنائية التي أوضحت أنها بتفريغ هاتفي المتهمين وحواراتهما المكتوبة والمسموعة عبر أجهزة البلاك بيري، وجدت عدة مناقشات بين المتهمين حول بيع المخدرات وتزويد المتهم الثاني الأوروبي وهو من أصحاب السوابق للمتهم العربي بكميات من المخدر لبيعها، وكان بينهما حوار حول العقوبة التي يمكن أن يواجهانها إن تم القبض عليهما، كما تبين من حوار بين المتهم الأوروبي مع شخص من جنسية أوروبية أن المتهم الثاني يحضر المخدر عن طريق البحر، وفي احدى محادثاتهما قدم المتهم الثاني لمحاوره الأوروبي صورة عن سوق الامارات أوضح له فيها أن ثمن كيلو جرام من مخدر الحشيش في الامارات يبلغ تسعة آلاف درهم، وأن عقوبة الاتجار بالحشيش هي السجن المؤبد وعقوبة التعاطي هي السجن أربع سنوات.

حيثيات القرار

أكدت المحكمة في حيثيات قرارها أنه تم العثور في منزل المتهم الثاني على أوراق للف الحشيش وأدوات تقطيعه، وفي محادثة مسجلة بين المتهمين طلب المتهم الأول من الثاني تزويده بحشيش بمبلغ ألف درهم وهي الكمية التي طلبها المصدر السري، فطلب المتهم الثاني مهلة لتقطيع الكمية ووزنها لتزويد المتهم الأول بها، مما يثبت أنهما يقومان بنشاط الاتجار بالمخدرات، كما أشارت المحكمة في حيثياتها إلى أن الشرطة رصدت مكالمة بين المتهم الثاني وأحد المواطنين يطلب فيها الأخير كمية من مخدر الأفيون، مما يثبت أن المتهمين يتاجران بأكثر من نوع من أنواع المخدرات وأن نشاطهما لا يقتصر على الاتجار بمخدر الحشيش.

وحول المتهمين الثالث والرابع فأوضحت المحكمة أن المتهم الثالث هو مواطن وحدث في السابعة عشرة من عمره اقتصرت تهمته على تعاطي المؤثر العقلي الترامادول، وقد تم تحويله للعلاج في مصح الإدمان دون عقوبة حبس لأنه حدث، وكذلك المتهم الرابع وهو عربي أدين بتعاطي الترامادول وحكم عليه بالحبس سنة والابعاد كونه ليس حدثاً.