في مشهد لا يكاد يخلو يوم منه، تراهن أمام قاعات المحاكم يحملن أبناءهن بيد والكثير من الأوراق في اليد الأخرى، معظمهن شابات تتعلق عيونهن بالباب الذي يخرج منه المتهمون متجهون إلى قاعة المحكمة، يحدوهن الأمل أن تتاح لهن لحظات يتبادلن فيها مع أزواجهن كلمات محدودة، معظمها تصب في تعليمات المحامي أو بإنجازهن لشيء كانوا قد طلبوه منهن.

فإذا ما غابوا عن أنظارهن احتلت المقل بعدهم دمعة كبيرة تقاوم الانزلاق نحو الوجنات، إنهن زوجات المتهمين، نساء مخلصات يحاولن أن يقفن في وقت الشدة مع شريك العمر، سواء كان بريئاً أو مذنباً، رأفة بأطفالهن وأيضاً حرصاً على سنوات العمر المقبلة من الضياع والوحدة.

أمس وقفت إحداهن لما يقارب الساعة أمام قاعة المحكمة تحمل طفلها النائم، وهي تنتظر أن يخرج والده نحو قاعة المحكمة، حاول الجميع دفعها للجلوس رحمة بها، ولكنها وكلما انصاعت لذلك عاودت الوقوف، كانت تقول إنهم يمرون بسرعة فإن لم تره فور خروجه لن تستطيع محادثته.

ورغم أن رجل الأمن أدار لها الكرسي نحو الباب وقربه منه، إلا أنها كانت في كل مرة تقف منتظرة، فلما مرّ حادثته بكلمتين ثم أدارت وجهاً يكاد من رآه يجزم بأن ملامحه فطرت من الحزن ولم تعرف الابتسام يوماً.

وفي قاعة المحكمة مددت طفلها النائم على الكرسي، حتى إذا ما نودي على زوجها ظلت تنظر إليه وكأنها تحاول أن تملأ عينيها به، كانت تهمته الاتجار بالمؤثرات العقلية وتعاطيها، فأنكر الاتجار وأكد أنه يتعاطى المؤثر للعلاج مستشهداً بالتقارير الطبية التي تؤكد ذلك، ثم خرج وذهبت على أثره وقد أذنت لدموعها بالهطول.

زوجة أخرى كانت تحمل أوراقاً كثيرة بين يديها، فلما عرفت أننا إعلاميون وقفت معنا، كانت تخرج الأوراق وتحدثنا عن كل مستند وهي تستشهد بالمواد القانونية وتفند الأدلة وكأنها محام عتيق، حتى استوقفنا ذلك وسألناها عن تعليمها الذي عرفنا أنه توقف عند المرحلة الثانوية، موضحة أنها ومنذ قبض على زوجها وهي تقرأ في القوانين وتراجع المستندات مع المحامين حتى حفظت كل كلمة منها، وقالت (أعرف أنه بريء ولن أتركه حتى أثبت ذلك)، ثم بكت.

زوجة شابة أخرى لفت نظري وهي تناقش المحامين وتذكرهم بما عليهم وكأنها أم تراجع مع ولدها دروسه قبل الامتحان، والمحامون يهدئونها ويحاولون طمأنتها بأنهم جاهزون، كانت قوية كأنها جبل، وفي قسماتها تصميم غريب وكأنها تستعد لخوض معركتها الحاسمة، وعندما حاولنا الحديث إليها قالت بجدية وكأنها أحد كبار المسؤولين "لا أحاديث للإعلام".