لا شيء يضاهي في قسوته وشدته صدمة أسرة حين يشخص ابنها بالتوحد، حينها تنقلب سعادتها كدرا وهدوؤها توترا، ولكن سرعان ما تستفيق من صدمتها ويتكاتف أعضاؤها في محاولة لإعادة دفة الحياة الى ما كانت عليه وذلك بالابتعاد عن الانفعالات السلبية مثل الشعور بالذنب لوجود هذا الطفل في الاسرة.

وكذلك الابتعاد عن القلق والغضب والاكتئاب وهي مشاعر تؤثر سلبا على استقرار الاسرة والطفل التوحدي بشكل خاص، غير أن الصدمة تزداد وطأتها حين يقف هؤلاء الأطفال على أبواب مراكز التأهيل مستغيثين بالمجتمع بأن يخرجهم من محنتهم، بإتاحة الفرصة لعلاجهم، حيث تشير احصائيات مركز دبي للتوحد الى ان هناك 200 طفل على قائمة الانتظار في المركز والأعداد بازدياد، نظرا لأنه المركز الوحيد في دبي الذي يقدم خدمات متكاملة للمصابين بهذا الاضطراب.محمد العمادي مدير مركز دبي للتوحد طالب بتوفير كافة اشكال الدعم الرسمي وغير الرسمي للأسر.

مشيرا الى ان الدعم الرسمي هو الذي يأتي عن طريق المؤسسات سواء كانت حكومية او غير حكومية والتي توفر الخدمات التربوية والتأهيلية والاجتماعية والصحية وكذلك خدمات الارشاد النفسي والاسري ونشر ثقافة الوعي بهذا الاضطراب، كما ان هناك المؤسسات غير الرسمية مثل الجماعات المساندة والمتطوعين والذين لهم الدور الكبير في دعم الاسرة على مختلف المستويات.

أما خالد الكمدة مدير عام هيئة تنمية المجتمع فيرى ان اضطراب التوحد هو مسؤولية اجتماعية تتطلب تكاتف الجهود لإيصال الفرد إلى اقصى إمكانياته من خلال إصدار ودعم السياسات والقوانين التي تخدم هذه الفئة وتطوير وتدريب الكوادر البشرية في هذا المجال، وتشجيع البحث العلمي في مجال التوحد، ورفع مستوى التوعية عن التوحد لإزالة الوصمة الاجتماعية وتأمين خدمات التقييم والتأهيل حسب أفضل الممارسات المعتمدة عالمياً والتدخل في مراحل مبكرة والعمل على دمج الأفراد في المجتمع والمدارس العامة.

وأكد ان كل هذه المحاور تصب في المخرجات الاستراتيجية لهيئة تنمية المجتمع التي تدعو إلى التمكين الاجتماعي والدمج الاجتماعي والانسجام الاجتماعي، لافتا الى ان الشخص المصاب بالتوحد هو جزء لا يتجزأ من المجتمع له الحق في الحصول على جميع خدمات المجتمع والمشاركة الفعالة فيه، والفرد من ذوي التوحد له نقاط قوة واحتياجات مختلفة، هذا الاختلاف طبيعي في اي مجتمع ويساهم في التوازن الاجتماعي.

 

لا يمكن الشفاء منه

وحول اضطراب التوحد تقول عفاف الحداد عضو اللجنة الادارية لوحدة التعليم في مركز دبي للتوحد: «التوحد أحد الاضطرابات النمائية المصاحبة التي تصيب الشخص خلال الثلاث سنوات الاولى من العمر وتصاحبه في مراحل حياته المختلفة مؤثراً على تفاعله الاجتماعي وقدراته التواصلية اللفظية وغير اللفظية، وارتباطه وعلاقته بالآخرين من حوله، مما يعزله عن مجتمعه المحيط ويتقوقع في عالم مغلق يتصف بتكرار الحركات والأنشطة والمحدودية في الاهتمام، وغالبا ما يعرف التوحد على انه اضطراب متشعب يحدث ضمن نطاق بمعنى أن أعراضه وصفاته تظهر على شكل أنماط كثيرة متداخلة تتفاوت بين الخفيف والحاد.

ويصيب التوحد الذكور أكثر من الإناث بنسبة 1:4، ويصيب جميع الأعراق والطبقات الاجتماعية الاقتصادية بنفس النسب، فيصيب التوحد حالة بين كل 110 أطفال. وقالت إن اضطراب التوحد لا يمكن الشفاء منه، حتى الآن، إلا أن التشخيص والتدخل المبكر يتيحان للطفل فرصة الاعتماد على نفسه وعيش حياة مستقلة ومنتجة.

 

التشخيص

وقالت مايا حلو الاستشارية الاسرية وعضو لجنة التشخيص في المركز لا يوجد فحص طبي لتشخيص التوحد، بل ان معايير التشخيص تعتمد على الجانب السلوكي، حيث يتم تشخيص الطفل بناء على السلوكات المطابقة لمعايير تشخيص التوحد. ويصعب تشخيص التوحد لعدة أسباب منها تفاوت اشكال الإعاقة، ومصاحبة اضطراب التوحد لاضطرابات اخرى.

وتغير نمط السلوك مع الوقت وعدم ثبات السلوك، إلا ان هناك مجموعة من المؤشرات الأولية لاضطرابات طيف التوحد التي يستدل بها على وجود مشكلة لدى الطفل تستدعي مراجعة المختصين ومن هذه المؤشرات عدم وجود انتباه مشترك وعدم القدرة على التأشير وعدم الالتفات لمصدر الصوت وضعف مهارات التقليد وعدم تطوير مهارات اللعب بالشكل الطبيعي.

وتضيف مايا بأن الأخصائيين يستخدمون عدة وسائل للتشخيص معتمدة عالميا وتم تعريب معظم هذه الاستبيانات والمقاييس لكنها مقننة في بعض المجتمعات العربية، كما ان الأطباء لهم دور مهم في التشخيص، إذ إن الطبيب هو غالباً أول من يلجاً له الأهل عندما يشعرون بشيء من القلق بشأن تطور طفلهم.

غير ان المعرفة في مجال التوحد لا تزال حديثة في المجال الطبي، لذا فمن الضروري توعية الكادر الطبي وخاصة من لهم علاقة بمراكز الأمومة والطفولة وحثهم على اتخاذ بعض الإجراءات الطبية وإجراء الفحوصات والمسح الأولي للأطفال الذين يشك أولياء أمورهم بوجود خلل ما في النمو.

 

الجانب العلاجي

وفي حديثها عن الجانب العلاجي تقول هبة قطب رئيس وحدة العلاج الوظيفي والخدمات المساندة في المركز، الدراسات أظهرت أن العلاج المبكر يساعد على الحد من المؤشرات والعوارض ويمكن للشخص المصاب بالتوحد من تخطي بعض الصعاب والتحديات. ويساعد الأسرة على تقبل المشكلة والمساهمة في توفير الأفضل للطفل.

وهنا يجب الإشارة إلى أن كلمة علاج او معالجات تستخدم في نطاق محدود، وهذا يعني ان التعامل مع التوحد يفضل وصفه تربوياً أكثر من علاجياً، بسبب طبيعة التوحد، الذي تختلف أعراضه من طفل لآخر، ونظراً لهذا الاختلاف فإنه ليست هناك طريقة معينة بذاتها للتخفيف من أعراض التوحد في كل الحالات.

وتضيف هبة أن البحوث والدراسات أثبتت أن معظم الأشخاص المصابين بالتوحد يستجيبون بشكل جيد للبرامج القائمة على البُنى الثابتة والمُتوقعة كالبرامج التربوية المتخصصة التي تضم الأعمال اليومية المتكررة والتي تعود عليها الطفل، والتعليم المصمم بناء على الاحتياجات الفردية لكل طفل، وبرامج العلاج السلوكي، والبرامج التي تشمل علاج اللغة، وتنمية المهارات الاجتماعية.

والتغلب على أية مشكلات حسية. على أن تدار هذه البرامج من قبل أخصائيين مدربين بشكل جيد، وبطريقة متناسقة، وشاملة، كما يجب أن تكون الخدمة مرنة تتغير بتغير حالة الطفل، وأن تعتمد على تشجيع الطفل وتحفيزه، كما يجب تقييمها بشكل منتظم من أجل محاولة الانتقال بها من البيت إلى المدرسة إلى المجتمع. كما لا يجب إغفال دور الوالدين وضرورة تدريبهما للمساعدة في البرنامج، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي لهما، ولتحقيق الفائدة القصوى للأطفال يتم اعتماد أعداد قليلة من الطلاب في الفصول.

 

أهالي المرضى.. بين الصدمة والإنكار والتقبل الإيجابي

 

 

 

 

تختلف ردة فعل الاهل عند تلقيهم نبأ إصابة احد ابنائهم بالتوحد من اسرة الى اسرة، فهناك من يصاب بصدمة وهناك من يتقبل الامر على انه ابتلاء من رب العالمين. ويقول الوالد عبد العزيز آل علي لاحظنا بعد عامين من ولادة طفلنا ضعف الانتباه فراجعت المستشفيات وكانت نتائج الفحوصات طبيعية وخاصة فحص الأذن وبعد ذلك راجعت مراكز التوحد، حيث تم تأكيد أن ابني مصاب باضطراب التوحد، وبما أنني مؤمن بالله ومؤمن بقضاء الله وقدره تقبلت هذا الابتلاء من رب العالمين وأحسست بسببه بأن الله فتح أمامي بابا من أبواب الجنة.

ولكن الأم كانت حزينة وتبكي فقمت بمواساتها حتى أصبح الأمر عادياً وأصبحنا نعامل الطفل معاملة الشخص السوي، أما على مستوى الأسرة فواجهتنا صعوبات عدة أهمها انتقالنا من مدينة العين إلى دبي ومنها إلى أبوظبي للبحث عن أفضل طرق العلاج. وطالب الوالد عبد العزيز جميع فئات المجتمع بدعم التوحد كل حسب طاقته، على وجه الخصوص الحكومات والمؤسسات الخاصة والعامة والشركات ورجال الأعمال وعامة الشعب، لأن علاج التوحد مكلف ومكلف جداً .

ومن الصعب أن يتحمل هذا العبء الثقيل رب الأسرة وحده، وخاصة إذا كان من فئات ذوي الدخل المحدود لأن التكلفة السنوية لعلاج الطفل التوحدي حوالي 150,000 250,000 درهم سنوياً.ودعا الوالد عبد العزيز اهالي الاطفال المصابين بالتوحد الى الصبر على البلاء والتضحية في علاج الطفل والبحث عن أفضل طرق العلاج والأخذ بالأسباب، وعدم الشعور بالخجل أمام الناس لأن لديك طفلا توحديا، وعدم اليأس وبعد ذلك كله تسلم الأمر إلى الله تعالى وتطلب منه أن يشفي ابنك.

 

صدمة وإنكار

أم راشد اكتشفت اصابة طفلها باضطراب التوحد من خلال التأخر في الرد على الاسم والتأخر في النطق، وقالت بأنها اصيبت بالصدمة والإنكار فور ابلاغها بإصابة ابنها باضطراب التوحد ولكنها كمسلمة تقبلت الامر بشكل طبيعي لأنه ابتلاء من الله. وقالت الطفل التوحدي هو طفل رغم اي شيء له احتياجات وحقوق يحتاج من مجتمعه ان يقدر حالته ويتقبله، لأنه يدرك.

ويشعر بمن يقبله وبمن يرفضه وأي طفل له الحق بالحب والحنان والتعليم والتقبل ابتداء من الوالدين وحتى أفراد المجتمع المحيطين به فكيف بطفل ذي احتياجات يحتاج لمن يمد له يد العون ويعينه على الانخراط في المجتمع، فالطفل التوحدي يحتاج لدعم في جوانب الحياة المختلفة وأن تكون له حقوق يدركها افراد المجتمع المحيطون به.