"استأجر غرفة، واحصل على فانلة قطنية مجاناً" عرض حقيقي، قدمه عدد من ملاك البيوت والفلل ممن حولوا تلك المنازل "فنادق حقيقية" فباتت ساحاتها الخلفية عبارة عن غرف مصطفة يتنوع مستأجروها بين العزاب والعائلات ممن لا صلة لهم ببعض على الإطلاق.

"البيان" رافقت مفتشي المباني في بلدية دبي، خلال حملتهم على تلك المساكن التي تعتبرها مخالفة لكل القوانين، بدءاً من القوانين الإنسانية، إذ خلت تلك الغرف من أبسط مقومات الأمن والأمان من النواحي كافة، فهي مبنية من الخشب و(الاسبستوس) الذي حظرت البلدية استخدامه منذ عام 2007 لتسببه بالإصابة بمرض السرطان.

إضافة إلى أن تلك المواد قد تتطاير من أقل ريح، أو عاصفة هوائية، ولا يمكن حمايتها من مياه الأمطار، أو خطر انتشار الحرائق فيها من أبسط مكون أو سبب، فالتوصيلات الكهربائية فيها لا تمت للمواصفات المطلوبة ضمن شروط البلدية الخاصة بالصحة والسلامة، وأية شرارة في غرفة ما، قد تتسبب في حريق يقضي على كل الغرف الموجودة.

 

تدني أبسط ظروف المعيشة

الغرف من الداخل يصعب على رائيها تصديق أنها في هذه الإمارة الحديثة المتطورة والتي تعد واحدة من أبرز المدن عالمياً من ناحية السرعة في النمو العمراني والحركة التجارية والسياحية والتعليمية وغيرها، فالغرفة الواحدة الخشبية لا تتعدى مساحتها أربعة أمتار أو خمسة على الأكثر، تتكدس فيها العائلة - غالباً ما تكون من الجنسية الآسيوية - بشكل يخلو من الخصوصية، وحتى من النوافذ، فلا نور فيها سوى نور مصابيح الكهرباء.

ولا تتسع لوضع أسرّة لذلك ففي الغالب ينامون على الأرض، فيما يكون العزاب والعمال أكثر حظاً كونهم يتمتعون بالغرفة وحدهم، ويدفعهم للعيش هناك الأسعار المنخفضة جداً التي يدفعونها مقابل غرفة، عوضاً عن دفع إيجار أكبر لبيت يناسبهم.

الأكثر غرابة من ذلك، أن أصحاب البيوت والغرف المؤجرة ابتكروا وسائل أخرى غريبة عن المجتمع، حيث وضعوا إعلاناً على أبواب بيوتهم، يفيد بإمكانية تأجير الغرف بنظام الساعات، فيكون إيجار ثلاث ساعات هو الأدنى، ثم الخمس، ثم السبع، إلى أن يصل أقصاها إلى عشر ساعات.

وبذلك يدفع المؤجر قيمة الساعات فقط التي يقضيها في الغرفة ثم يخرج منها ليتركها للمالك الآخر الذي يشاركه في الساعات المتبقية من اليوم وهكذا، دون أدنى حد للخصوصية أو الإنسانية في الأمر، وبهدف واحد فقط، هو الربح والاستفادة من الأماكن المتوفرة في مساكنهم من مساحات وملاحق، لدرجة أن البعض منهم حوّل موقف السيارات في بيته "كراج يتسع سيارة واحدة" إلى غرفة للإيجار أو غرفتين.

 

مخالفة للقانون

سكان منطقة "الوصل" كانوا قد اشتكوا لـ"البيان" من ظاهرة انتشار العزاب والعمال واختلاط تلك العائلات ذات الجنسيات الآسيوية المتعددة بعاداتهم المختلفة تماماً، والتي تصل أحياناً إلى الجلوس سكارى أمام بيوتهم، مما دفع معظم تلك العائلات الإماراتية إلى منع أطفالها من اللعب أمام البيت أو الخروج بمفردهم، كما قام أغلبهم بتعلية السور الخاص بالبيت كي لا يضطروا لرؤية تلك المشاهد.

المهندس منصور الريس رئيس شعبة تفتيش المباني في بلدية دبي، أكد أن كل تلك التصرفات هي مخالفة للقانون، وأن البلدية تحاربها بشتى الطرق وتعمل على إز التها، ليس تضييقاً على العزاب أو العمال أو الأسر ذات الدخل المحدود، إنما لأن التخطيط الحضري للإمارة الذي تعتمده البلدية، مقسم مناطق محددة.

وهي الصناعية، والتجارية، والسكنية بكافة أنواعها، منها مناطق سكن العائلات، وأماكن مساكن العمال، وكذلك العزاب، مؤكداً أن البلدية من خلال مخالفتها لهؤلاء المؤجرين لا تهدف إلا للحفاظ على أمن وسلامة كافة المواطنين والمقيمين أيضاً، والتأكد من أن الجميع يتمتع بحياة مستقرة وسكن آمن كحق من حقوقهم، وضمان عدم اختلاط تلك الفئات، للاحتفاظ بخصوصية كل جنسية وضمان راحة الجميع، إضافة إلى أن تواجد العزاب والعمال في مناطق العائلات أمر يخيف الأهالي، ولهم المبرر في ذلك.

 

حماية السكان

وأوضح أن محاربة تلك الظاهرة أيضاً تأتي من أجل حماية سكان المكان سواء أصحاب العقار نفسه، أو المؤجرين الذين يقطنون في الغرف المبنية في الطرف الآخر من البيت، وذلك من إمكانية حدوث حريق بسبب التمديدات الكثيرة لكل تلك الغرف المؤجرة، وأضاف:

"الكابل المتوفر والمخصص لكل بيت يكون في العادة مناسباً له، لكن زيادة التحميل عليه للتوصيل لكل تلك الغرف المؤجرة كمساكن منفردة يزيد الضغط على الكهرباء وقد يتسبب بخسائر جسيمة، كما أن الضغط على الصرف الصحي واستهلاك المياه في تلك المنطقة يصبح أكبر لذات السبب وهو تصميم المنطقة وبنيتها التحتية بناء على التعداد السكاني لها وطبيعتها أيضاً، إضافة إلى أن البعض يبني إضافات في بيته دون الحصول على رخصة من إدارة المباني في البلدية وتلك أيضاً مخالفة أخرى".

الأسباب

وحول أسباب تواجد هذه الظاهرة ووجود السكان حتى الآن في تلك المنطقة أكد الريس أن البلدية أنذرت أصحاب تلك البيوت قبل فترة، وراجعتهم بعد الفترة المحددة وكانوا قد التزموا إخراج المؤجرين وإزالة الملاحق غير المطابقة لشروط البناء، لكنهم عادوا من جديد بعد تلك الفترة وقاموا بتأجيرها لمستأجرين آخرين، مشيراً إلى أن البلدية تمهل المؤجرين فترة كافية لتعديل أوضاع المسكن، كما أنها تمهل المستأجرين فترة كافية للبحث عن مسكن آخر، لكن تلك المهلة تحددها طبقاً لوضعية وظروف كل مسكن، لكنها لا تتعدى الشهرين.

 

تحايل

من جهته أشار المهندس علي حميد سليمان مفتش مبان في بلدية دبي، إلى أن بعض أصحاب البيوت يحاولون خداع مفتشي البلدية، فتكون واجهة البيت واضحة وأنها فيلا خاصة بعائلة واحدة، لكننا عندما نلقي نظرة على الجهة الخلفية من البيت نجد عدة أبواب، وهذا بالتأكيد دليل على وجود أكثر من مستأجر.

وأضاف: "من خلال خبرتنا في التفتيش على المباني تعلمنا الكثير من الحيل التي تكشف صاحب البيت قبل دخولنا وتفتيش المكان، على سبيل المثال بيت فوقه 5 أطباق لاقطة، أو عدد السيارات الواقفة، وعدد الداخلين والخارجين من وإلى تلك البيوت، إضافة إلى حصولنا على أذون بالدخول في حال الشك في أحد الملاك، وعدم قوله للحقيقة".

وذكر أن بعض الملاك يصرون على البقاء والتحايل على القانون بشتى الطرق، فبعد إنذار البلدية لهم، ومضي فترة المهلة، يصرون على البقاء في تلك المساكن، فتتخذ البلدية الإجراء الأخير وهو قطع الكهرباء والمياه عن المساكن بالتعاون مع هيئة كهرباء ومياه دبي، إلا أن منهم من يعاند ويقوم بمد الكهرباء بطرق غير شرعية عبر البيوت المجاورة مقابل دفع مبلغ لهم.

وكذلك المياه، على الرغم من قيام هيئة كهرباء ومياه دبي بوضع تحذير على تلك البيوت والأنابيب الممددة تفيد بأن سرقة الكهرباء والمياه بالطرق غير الشرعية تعد جريمة يعاقب عليها القانون، وغرامتها تصل إلى عشرة آلاف درهم.

وخلال جولة "البيان" مع مفتشي البلدية، ظلت غرف مقفولة لم تفتح أبوابها أمام فرق المفتشين، ربما لتواجدهم في مقر أعمالهم، لذلك يتم تفويض المفتشين في الوردية المسائية للقيام بالعمل والتأكد من توصيل الإنذار لهم.