"رحم الله أيام زمان" عندما كان الطبيب العام يعالج الأمراض كافة، فطبيب الأسنان كان يعالج مشكلات الفم، والباطنية يعالج الجهاز الهضمي والسكري والضغط والكولسترول وحتى أمراض القلب.
ولكن مع تطور الطب أصبح هناك تخصصات مختلفة، أي بمعنى أن الطبيب عقب التخرج يدرس سنتين أو ثلاث سنوات للتخصص في مجال معين، ثم ظهرت التخصصات الطبية الدقيقة، فأمراض الأسنان مثلًا صار لها تخصصات عدة مثل الجذور والتقويم والتركيبات والزراعة واللثة وهكذا في باقي التخصصات والمريض بات على درجة كبيرة من الوعي ليسأل عن الطبيب المناسب لعلاج مشكلته.
ولم يتوقف الأمر على التخصصات الطبية بل لجأت دولة الإمارات في السنوات القليلة الماضية إلى بناء المراكز والمستشفيات التخصصية ومنها على سبيل المثال لا الحصر مستشفى الشيخ خليفة بن زايد التخصصي في رأس الخيمة، ومستشفى الجليلة بن محمد بن راشد آل مكتوم التخصصي في دبي، ومركز علم أمراض الوراثة ومركز دبي للإخصاب وعلاج العقم ومركز الثلاسيميا وغيرها.
ولكن هذه النقلة النوعية فرضت تحديات جديدة أمام القائمين على قطاع الخدمات الصحية، ففي الوقت الذي وصل به عدد الأطباء المواطنين في الدولة إلى 4200 طبيب، وجد هناك بعض التخصصات لا يوجد بها سوى طبيب واحد كاللثة والتخدير والطوارئ وجراحة قلوب الأطفال وسكري الأطفال والأمراض الجينية، وأخرى لا يوجد بها أي طبيب كالمسالك البولية النسائية.
وبالتالي فإن توفير الكوادر الطبية في التخصصات الدقيقة ليس من السهولة بمكان خاصة وان هؤلاء الأطباء مطلوبون في كل دول العالم، والطبيب الناجح في بلده لا يمكن أن تفرط به دولته، وللتغلب على هذه المشكلة لجأت معظم الجهات الصحية الرسمية في الدولة لابتعاث الأطباء المواطنين لمواصلة دراساتهم العليا واستقطاب الخبرات العالمية لإجراء العمليات المعقدة لتدريب الأطباء العاملين في منشآتها الصحية لإكسابهم الخبرات العملية، ولكن السؤال المطروح اليوم: كيف سيتم توفير الكوادر الطبية في التخصصات الطبية الدقيقة لإدارة مثل هذه المشاريع؟.
مشكلة عالمية
الدكتور علي بن شكر رئيس جمعية الإمارات الطبية، قال: "موضوع التخصصات الطبية الدقيقة مشكلة ليس لدولة الإمارات فحسب وإنما في جميع دول العالم خاصة وان مثل هذه التخصصات بدأت منذ سنوات قليلة، وبالتالي فإن حجم الطلب عليها محلياً وعالمياً كبير، وأمام العرض والطلب ارتفعت أسعار هؤلاء الأطباء ثلاثة إضعاف الطبيب العام"، مضيفاً:
"المجلس الطبي يجب أن يكون لديه دراسة ميدانية شاملة لعشر سنوات مقبلة بالتخصصات الطبية التي نحن في أمس الحاجة إليها، ونحن في جمعية الإمارات الطبية على استعداد تام للمشاركة في هذه الدراسة، ويجب أن يكون هناك حوافز وإغراءات للأطباء الراغبين في هذه التخصصات تختلف من تخصص إلى آخر"، مشيراً إلى أن وزارة الصحة بالتعاون مع وزارة العدل لديهما حوافز لتشجيع الأطباء للالتحاق بالطب الشرعي.
وتابع: "معظم الأطباء يلجؤون إلى التخصصات الأسهل مثل الجلدية وطب الأسرة لأسباب أنها تخلو من المناوبات الليلية، في حين ما زال لدينا نقص حاد جداً في التخصصات الطبية الدقيقة مثل جراحة الأعصاب والقلب والأوعية الدموية والجراحات التجميلية الترميمية والفك والرأس والشبكية وجراحة أعصاب الإذن وطب الأطفال الخدج والأطفال والتخدير والطوارئ.
وأورام الرأس، ومثل هذه التخصصات يجب أن تكون رواتبها أعلى من التخصصات الأخرى، لأن فرص العمل لديهم في القطاع الخاص أقل مما هو متاح للأطباء الآخرين، ومن هنا نلاحظ ان هناك عزوفاً من قبل الأطباء المواطنين للتخصصات الطبية التي يقتصر مجال العمل بها على المستشفيات الحكومية.
وبالتالي لا بد ان تكون رواتبهم أعلى مع مميزات أفضل لتشجيعهم على الانخراط في مثل هذه التخصصات". وأضاف بن شكر: "يجب أن يكون لدينا خطط واستراتيجيات واضحة حول التخصصات المطلوبة، وابتعاث الأطباء يجب أن يتم وفقاً لاحتياجات الجهات الصحية، كما أن سياسات التعيين في هذه الجهات يجب ان تركز على التخصصات الطبية الدقيقة في القطاعين العام والخاص، لأننا وصلنا إلى مرحلة تشبع في بعض المجالات وما زلنا نعاني في مجالات أخرى، للتوقف عن إرسال المرضى للخارج الذي يكلف الدولة سنوياً مئات الملايين من الدراهم".
رفع الرواتب لجذب الكفاءات
وقال المهندس خالد ماجد لوتاه وكيل وزارة الصحة المساعد للخدمات المؤسسية والمساندة بالإنابة: إن وزارة الصحة مثلاً التي رفعت سقف رواتب الأطباء بنسبة 100% وصارت رواتبها تتساوى مع الهيئات الصحية الأخرى لم تشفع لها هذه الخطوة نظراً لأن هؤلاء الأطباء مطلوبون في كل الجهات، حيث وصلت رواتب بعض الأطباء المعروفين في التخصصات الطبية الدقيقة النادرة بين 150_ 200 ألف درهم شهرياً وبالتالي بقي حجم الطلب على هذه التخصصات سيد الموقف على المدى البعيد.
وتابع: وزارة الصحة إلى جانب رفع سقف رواتب الكوادر الطبية تعاقدت مع شركات متخصصة في الهند والأردن ومصر لاستقطاب الأطباء للعمل في منشآتها الصحية، وخصصت موقعاً الكترونياً على موقعها على الانترنت للإعلان عن الشواغر المتوفرة لديها والتخصصات المطلوبة، إضافة للوظائف المتوفرة للكوادر الطبية المساندة.
وقال: لدينا الآن عدد كبير من الأطباء في التخصصات المطلوبة ويتم حالياً التدقيق على شهاداتهم وخبراتهم لاختيار الأفضل منهم للتعيين. وأضاف معظم النقص الذي عانت منه الوزارة لسنوات تم حله وسيتم في غضون الأشهر القليلة المقبلة سد معظم احتياجات الوزارة ولكن هناك بعض التخصصات الطبية الدقيقة مثل جراحة الأعصاب والأورام والطوارئ عليها طلب عالمي كبير.
الابتعاث
الدكتور أمين بن حسين الأميري وكيل وزارة الصحة للممارسات الطبية والتراخيص في وزارة الصحة، قال: إن الوزارة تولي عملية التخصصات الطبية الدقيقة جل اهتمامها خاصة مع التقدم الطبي الكبير الذي طرأ على مختلف المجالات الطبية خلال السنوات العشر الماضية"، لافتاً إلى الحرص الكبير الذي توليه الوزارة للنهوض بالخدمات الصحية، عن طريق التواصل مع دول العالم للاطلاع على ما هو جديد وحديث، والارتقاء بمستوى هذه الخدمات من خلال ابتعاث أبنائنا المواطنين إلى مختلف دول العالم وحضور المؤتمرات والنشاطات العلمية والعالمية.
وتابع: "إن عدد المبتعثين من قبل وزارة الصحة لإكمال دراساتهم العليا في التخصصات الطبية الدقيقة وصل إلى 78 مبتعثاً منهم 7 أطباء إلى السويد و4 إلى كندا وطبيب للولايات المتحدة و11 لبريطانيا و12 إلى استراليا وطبيب لماليزيا و16 إلى ألمانيا وواحد إلى نيوزلندا و4 للمملكة العربية السعودية و11 لجمهورية مصر العربية وطبيب لقطر و6 للمملكة الأردنية الهاشمية وواحد لكل من الهند وجنوب إفريقيا وفرنسا.
فيما بلغ عدد المبتعثين للدراسة داخل الجامعات والمعاهد الطبية المتخصصة في الدولة حوالي 144 موزعين على كليات الطب والصيدلة والتمريض والأشعة والطب الشرعي والصحة والرعاية الصحية وغيرها من التخصصات التي تحتاجها الدولة بشكل عام ووزارة الصحة بشكل خاص.
وأشار الدكتور الأميري إلى أن التعاون والتنسيق الكامل بين وزارة الصحة ووزارة التعليم العالي لا يقتصر فقط على تسهيل الإجازات الدراسية والابتعاث خارج الدولة، وإنما هناك متابعة حثيثة لسير الدراسة ومتابعة التقارير الأكاديمية لأبنائنا المبتعثين، وذلك التنسيق المستمر مع الجامعات من خلال الزيادة المستمرة لأعداد المبتعثين والإجازات الدراسية والتي هي في مختلف التخصصات الطبية والفنية والإدارية
برنامج متميز لتطوير وتأهيل الكوادر الطبية
أكد الدكتور خليل قائد مدير إدارة التعليم الطبي بهيئة الصحة بدبي ان الهيئة تنتهج برنامجاً متميزاً لتطوير وتأهيل كوادرها الطبية بهدف الارتقاء بمستوياتهم العلمية والمهنية وبما يساهم في دعم وتطوير القطاع الطبي في الإمارة، لافتاً إلى أن الهيئة تعكف منذ زمن طويل على تطبيق برنامج الابتعاث الخارجي للأطباء لمواصلة دراساتهم العليا في التخصصات الطبية الدقيقة وإتاحة الفرصة أمام الراغبين منهم لتطوير علومهم ومهاراتهم الطبية وصقل خبراتهم العملية.
وقال: ان الهيئة ابتعثت منذ عام 2005 وحتى العام الماضي أكثر من 112 طبيباً إلى 9 وجهات عالمية منهم 26 طبيباً لا يزالون على مقاعد الدراسة لمتابعة دراساتهم العليا بمختلف التخصصات والعلوم الطبية المتعلقة بمجالات طب الأطفال وتخصصات الباطنية والإصابات والعظام والنفسي والجراحة العامة والمسالك البولية والطوارئ والأشعة والنووي وغيرها من التخصصات الطبية والطبية المساندة.aوأشار الدكتور قائد إلى وجود 9 أطباء من المبتعثين حالياً يدرسون في الجامعات الكندية و2 في الولايات المتحدة الأميركية و6 أطباء في ألمانيا و6 في المملكة المتحدة وأيرلندا و4 أطباء في المملكة العربية السعودية.
وطبيب واحد في كل من فرنسا والسويد، لافتاً إلى أن 86 طبيباً أنهوا سنوات الابتعاث في التخصصات المطلوبة من قبل الهيئة مثل سكرى الأطفال وجراحة قلوب الأطفال وجراحة القلب وغيرها والتحقوا بالعمل في مختلف المستشفيات والمراكز الصحية التابعة للهيئة، موضحاً ان عدد الأطباء الخريجين في عام 2005 بلغ (17) طبيباً وفي عام 2006 (8) أطباء وفي عام 2007 كان عدد الخريجين (9) أطباء وفي عام 2008م (21) طبيباً وفي عام 2009 (14) طبيباً وفي العام الماضي (14) أطباء في حين بلغ عدد الأطباء الخريجين حتى شهر سبتمبر من العام الجاري (7) أطباء.
وأوضح الدكتور قائد آلية ومنهجية برنامج الابتعاث المبنية على إتاحة الفرصة للكوادر الطبية والطبية المساندة والإدارية لتطوير قدراتها للنهوض بمستوى الخدمات الطبية المقدمة للمرضى وتقديمها وفق المعايير الصحية العالمية لمواكبة التطورات المتسارعة في المجال الطبي وبما يساهم في دفع وتعزيز ورفع وتحسين الخدمات الصحية المقدمة لمجتمع الإمارات.
ولفت مدير إدارة التعليم الطبي إلى الاهتمام والمتابعة التي توليها الهيئة بالتعاون مع وزارة التعليم العالي لتسهيل شؤون المبتعثين وتحصيلهم العلمي وحثهم على الاستفادة القصوى من سنوات الابتعاث المقررة انطلاقاً من اهتمامها بالكوادر المواطنة وتسخير طاقاتها لخدمة الوطن ومواطنيه، مشيراً إلى الدعم اللامحدود الذي تقدمه الهيئة لتطوير قدرات موظفيها من المواطنين وصقل معارفهم وتجاربهم بمختلف المجالات الطبية للاعتماد عليهم والاستفادة من طاقاتهم في النهوض بالواقع الصحي وخدمة مجتمع الإمارات.
دراسة: التخصصات الطبية والفنية الأكثر طلباً
كشفت دراسة أعدتها الهيئة الاتحادية للموارد البشرية الحكومية أن التخصصات الأكثر طلباً من الجهات الاتحادية هي التخصصات الطبية والطبية الفنية والتخصصات التعليمية للذكور هي المحاسبة وإدارة وتطوير الموارد البشرية والقانون وشبكات الحاسب الآلي والإحصاء. وبينت ان أعداد الخريجين المواطنين المتوقعة لكل من جامعة الإمارات وكليات التقنية العليا وجامعة زايد خلال الفترة من 2011 وحتى 2015 في الطب والعلوم الصحية هو 869 خريجاً والزراعة 187 والقانون 696.
وبينت الدراسة إن العدد المتوقع للخريجين من كليات الهندسة 5812 وتقنية المعلومات 3548 والاتصال 1623 وإدارة الأعمال 10179 والتربية 1882 والعلوم 1057. وأشارت الدراسة إلى أن معظم الخريجين يتخصصون في تخصصات إدارة الأعمال والهندسة وتقنية المعلومات والآداب.
ووجه المجلس الوزاري للخدمات مؤسسات التعليم العالي لتلبية احتياجات الجهات الاتحادية من التخصصات الفنية المستهدفة، وكلف الهيئة الاتحادية للموارد البشرية بناءً على البيانات التي توفرت حول واقع التوطين في القطاع الحكومي الاتحادي في الفترة من 2010-2013 بإعداد خطة تشغيلية لخطة التوطين المقترحة.
ووضع أولويات لتوطين الوظائف في الجهات الحكومية التي تقل نسبة التوطين لديها عن 60%، وذلك بالتنسيق مع مكتب رئاسة مجلس الوزراء ووضع مستهدفات التوطين كجزء من برنامج الأداء الحكومي من خلال وضع آلية عمل تنظم قيام الوزارات والجهات الاتحادية بالتنسيق مع هيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية الوطنية لشغل الوظائف لديها.
وأشار مسؤولون في قطاع الرعاية الصحية إلى أن القطاع هو حالياً الأكثر طلباً للوظائف، ويقدر هؤلاء المسؤولون احتياجات الإمارات من الكوادر الطبية والفنية بأكثر من 5000 وظيفة، إلى جانب 500 وظيفة احتياجات وزارة الصحة. ولم يخف هؤلاء المسؤولون تخوفاتهم من عدم الحصول على الخبرات والكفاءات خاصة وان معظم المستشفيات التي سيتم استلامها هي مستشفيات تخصصية وتحتاج إلى خبرات وكفاءات عالية في التخصصات الدقيقة مثل قلوب الأطفال والأورام والأعصاب وغيرها.
ويرى بعض المسؤولين ان الحل الأمثل والأفضل لإدارة المستشفيات التخصصية يتمثل في تسليمها لشركات عالمية لإدارتها أو الدخول في شراكات وتعاقدات مع بعض المستشفيات والمراكز العالمية لاستقطاب بعض الكفاءات والخبرات لعدد من السنوات لتدريب وتأهيل الكوادر الوطنية لمسك زمام الأمور في المستقبل.
وقالوا: إن الحاجة للكوادر الطبية والفنية لن تتوقف طالما هناك نمو سكاني وتوسع جغرافي وأمراض مزمنة ومستعصية تستنزف الطاقات والإمكانيات، وهو ما يحتم على القائمين على التخطيط توجيه أبنائنا وبناتنا للالتحاق بالكليات الطبية في الدولة، وتشجيعهم على مواصلة مسيرتهم التعليمية في التخصصات الدقيقة التي أصبحت مطلوبة في كل دول العالم، فطبيب الأسنان الذي كان يعالج في السابق جميع مشكلات الأسنان لم يعد مقبولًا هذه الأيام، فهناك متخصصون في اللثة والجذور والتقويمات والتركيبات وكذلك الحال مع باقي التخصصات الطبية.

