كانوا على شفا الهاوية، ينتظرهم مصير مظلم مجهول، وتتربص بهم عصابات تحترف الإتجار في البشر، لولا أن العناية الإلهية، ويقظة رجال الجوازات في شرطة دبي، تدخلت فوضعت نهاية سعيدة، لمأساة محدقة مرتقبة.
وقف الزوجان أمام موظفي الجوازات يتلعثمان، ومعهما أربعة أبناء، تتراوح أعمارهم ما بين الحادية عشرة والسادسة عشرة، لكنهم جميعاً لا يتكلمون نفس لغتهم، ومن هنا بدأ الشك يقرع بقوة في رأس موظفي الجوازات.
كان الزوجان يقودان الأطفال بلا رحمة، يتعاملون معهم كالخراف، وليس البشر وقد انتقلا بهم من دولة إلى أخرى، إلا أن القدر خبأ مصيراً آخر لهؤلاء الضحايا.
في دبي كانت اللحظة الحاسمة، لحظة تغيير المصير، بعدما شك موظف أرسلته العناية الإلهية في جوازات السفر وبدأت علامات الارتباك على الزوجين وباتت وجوههما تحمر خوفاً من افتضاح الأمر.
دقق الموظف في الجوازات وفي الزوجين وفي وجوه الأبناء الأربعة فلمح شيئاً خفياً وحلقة مفقودة في هذه الأسرة الغريبة.
وبالفعل كانت المفاجأة، فقد ثبت أن الجوازات مزورة وأن الأبناء ليسوا إخوة وأن الزوجين لا يمتان إليهم بصلة.
وبدأت رحلة البحث عن الحلقة المفقودة.
اصطحب رجال الشرطة الزوجين، إلى مكتب التحقيقات في مطار دبي، وساد الصمت المكان، فالأطفال لا يتحدثون مع بعضهم، وفجأةً شرعت الزوجة في البكاء. أما الزوج فلم يجد طريقاً، غير الانصياع، والاعتراف بأن الأربعة، ليسوا أبناءه، فسرد قصة لم تبدُ مقنعة لرجال الشرطة موضحاً أنه ليس أباً لهؤلاء الأطفال وإنما هو مكلف بتوصيلهم إلى أحد أقاربهم في دولة أوروبية، وأنه تقاضى 2000 دولار مقابل كل طفل. ولكن تلك الرواية لم تكن مقنعةً رجال الشرطة، خاصة أن الأطفال مختلفون في الملامح ولا يتحدثون مع بعضهم طوال الوقت، وتبدو عليهم ملامح الرعب والخوف الشديد.
حاول رجال الشرطة التحدث إليهم ففشلوا، ولم ينبس أي من الأطفال بكلمة واحدة، وظلوا يتبادلون النظرات الحزينة الممتزجة بالضعف والتسليم بالمصير.
من داخل مركز الشرطة بينت التحقيقات أن رواية الزوجة أو الأب المزعوم غير صحيحة، وباتت المهمة في معرفة القصة ومعرفة أسر هؤلاء الضحايا الأربعة. أحضرت الشرطة العديد من المترجمين بلغة الأطفال الأصلية، إلا أن عقبة أنهم يتحدثون لهجة محلية، ظل عائقاً دون الكشف عن تفاصيل خطيرة في عملية بيعهم هؤلاء الأطفال.
ورجح العقيد محمد المر مدير الإدارة العامة لحقوق الإنسان أن أعمار الأطفال لا تسمح ببيعهم للتبني، وإنما لأغراض أخرى قد تكون بغرض بيع الأعضاء، أي إن هؤلاء الضحايا معرضون للقتل بصورة بشعة.
لم تيأس الشرطة في محاولتها ورغبتها في تعرف القصة الكامنة خلف الأطفال الأربعة، فأعمارهم المتقدمة نسبياً لا توحي بالتبني، وتم إحضار مترجم آخر استطاع اقتناص بعض الكلمات من أحد الضحايا الذي أكد انه لا يعرف أباه أو أمه، وأنه فقد أسرته منذ أن كان عمره 6 سنوات، وأن هذا الرجل قال إنه سيوصله إلى أهله في دولة أوروبية.
ومن هنا اتضحت معالم جريمة الاتجار في البشر، وتم تحرير محضر بالواقعة ضد الزوجين، وحولا للنيابة العامة، فيما تم اصطحاب الأطفال إلى دار إيواء النساء والأطفال في دبي بعد الاتصال بقنصلية بلدهم وتسليمهم إليها وإرجاعهم إلى بلدهم الأصلية بعدما تم إنقاذهم من براثن تجار بشر لا يعرفون الرحمة.
