النمو السكاني والتطور العمراني الذي شهدته دبي خلال السنوات القليلة الماضية والضغط المتزايد على الخدمات الصحية الحكومية واستقطاب هيئة الصحة لعدد من الأطباء المتميزين في بعض التخصصات الطبية، أدى إلى حدوث ارباك في الخدمات المقدمة، فالحصول على سرير في مستشفى راشد يتعذر في كثير من الأحيان.
كما هو الحال في الحصول على موعد مع الطبيب الاختصاصي يحتاج ثلاثة أشهر لا بل إن بعض العيادات التخصصية التي يحظى أطباؤها بسمعة جيدة محجوزة لمدة أربعة أشهر وبعضها يصل إلى ستة أشهر، كما يقول محمد البلوشي الذي يعاني من دسك في أسفل الظهر وحاول أخذ موعد في عيادة الأعصاب.
لكن اقرب موعد حصل عليه بعد أربعة أشهر، ويتساءل هل من المعقول أن أتحمل الألم لمدة 120 يوما؟، ويتابع البلوشي: راجعت في ثلاث عيادات خاصة والكل له رأي ووجهة نظر مغايرة عن الأخرى طبعا بعد دفع مبالغ كبيرة، أضف على ذلك أن أحد الأصدقاء وصف لي طبيبا ذا سمعة جيدة في اختصاص الأعصاب في مستشفى راشد ولكن فوجئت أن اقرب موعد بعد أربعة أشهر .
في حين زميله عبد الرحمن قد يكون أفضل حالا إذ حصل على موعد لفحص عيونه بعد شهرين، أما الطفل الذي انتظر فترة طويلة لإزالة سيخ من يده بعد فترة طويلة من الحرمان من اللعب مع اقرانه في المدرسة والحي الذي يقيم فيه فقد حضر إلى المستشفى بموعده المحدد فاعتذروا من والدته لعدم وجود سرير شاغر ! فحمل الأب ابنه الصغير مكسور الخاطر على أمل الاتصال به لتحديد موعد جديد حالما يتوفر السرير.
ولكن قوائم الانتظار على العيادات التخصصية في هيئة الصحة أصبحت من اكبر التحديات التي تواجه القائمين على قطاع المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية، وقوائم الانتظار قد تتفاقم أكثر وأكثر خاصة مع وجود رغبة وثقة لدى الغالبية العظمى من المواطنين والمقيمين في المستشفيات الحكومية خاصة في المسائل المعقدة التي قد يستنزف القطاع الخاص ما في جيوبهم دون التوصل إلى حل شاف للمشكلة، كما يقول المريض راشد عبد الرحمن الذي شك أطباء القطاع الخاص بوجود مرض خبيث لديه، ويتابع: "
خضعت لكافة التحاليل وصور الأشعة المعروفة منها وغير المعروفة وكلما اراجع مركز يطلب مني إعادة الكرة من جديد (تحاليل وصور أشعة مقطعية وسينية وتصوير ثلاثي الإبعاد وأشياء لم اسمع بها من قبل) ، عشت على أعصابي لمدة ثلاثة أسابيع متخوفا من انتشار المرض حتى توسط لي أحد الأصدقاء لإجراء التحاليل والفحوصات في قسم الأورام في مستشفى دبي ولم يكن هناك ورم ولا شيء من هذا القبيل وإنما كل ما هناك التهاب حاد في الرئة".
عدم الالتزام
من جهته الدكتور محمد سليم العلماء المدير التنفيذي لقطاع خدمات المستشفيات في هيئة صحة دبي لم يخف وجود مشكلة على بعض العيادات بسبب تزايد عدد السكان ولجوء أعداد كبيرة من المواطنين والمقيمين لمستشفيات الهيئة ، لكنه بنفس الوقت حمل المراجعين مسؤولية الإرباك الحاصل في عملية المواعيد إذ يشير الدكتور العلماء إلى أن نحو 30% من المرضى لا يحضرون لمواعيدهم المحددة مسبقا بل يأتون للمطالبة بمواعيد جديدة، علاوة على ذلك أكثر من 55 % من المتردين على المستشفيات يفترض ان يراجعوا في مراكز الرعاية الصحية الأولية أو أطباء الأسرة المتواجدين في المراكز ، قائلا: " من غير المعقول مثلا أن يأتي مريض بحمى بسيطة إلى مستشفى متخصص أصلا للحالات الطارئة والعمليات ويترك المركز الصحي المجاور لمسكنه ، فهذه الثقافة يجب أن تتغير" .
وقال العلماء إن عدم حضور المرضى في مواعيدهم يكلف هيئة الصحة مبالغ مالية طائلة مشيرا إلى أن هناك أكثر من عشر مرضى أعطوا مواعيد لزراعة القرنية التي تزيد كلفتها عن 100000 درهم ويتم طلبها من بعض الدول وفقا لاتفاقيات مبرمة ويجب أن تزرع خلال ثلاثة أيام حالها في ذلك حال اي عضو آخر في الجسم إلا أنهم لم يحضروا لمواعيدهم وأدى ذلك إلى تلف القرنيات والمواد المشعة ، وعادوا بعد فترة لأخذ مواعيد جديدة !
أولويات
وقال العلماء إن حل مشكلة الضغط على بعض العيادات التخصصية هو في سلم أولويات الهيئة وقد أعدت لذلك خطتان الأولى قصيرة المدى تتمثل في فتح عيادات تخصصية في مراكز الرعاية الصحية الأولية وتنظيم حملة تحت شعار سلامتك بالدنيا " لتوعية المرضى بأهمية الالتزام بالمواعيد، وخطة طويلة المدى تتمثل في بناء مجمعات للعيادات الخارجية في كافة مستشفيات الهيئة .
وأوضح أن معدل الانتظار للحصول على موعد في عيادات الاختصاص في مستشفيات الهيئة هي على النحو التالي : متوسط انتظار موعد للمريض الجديد في مستشفى راشد هي على سبيل المثال الحوادث 20 يوما وجراحة عامة 27 يوما وجلدية 19 يوما وعلاج طبيعي 5 أيام .
وفي مستشفى الوصل الحمل 24 يوما وأمراض النساء 19 يوما وهذه تعتبر منافسة لبعض الدول فمثلا معدل الانتظار للحصول على موعد في المستشفيات التي تتبع للنظام الصحي الحكومي في بريطانيا هو 126 يوما ، غير أن الهدف الذي ترغب الهيئة في تحقيقه هو أن لا تزيد فترة الانتظار للحصول على موعد في العيادات التخصصية عن 60 يوما في المرحلة الأولى خلال العام 2012 لتصل إلى 30 يوما في العام 2013 ثم يتحسن بشكل تدرجي مستمر.
لا مبالاة
ويشير الدكتور العلماء إلى نقطة في غاية الأهمية إذ يقول: "هناك نسبة من المرضى للأسف لا يلتزمون بالمواعيد ولا يكلفون أنفسهم حتى بالاعتذار عن الموعد علما بان مراكز المواعيد تبعث للمريض برسالة بذلك وتقوم بتذكيره مرة ومرتين بالموعد، لافتا إلى أن هناك أعدادا محددة لكل طبيب، وعدم حضور المريض يخرب على المريض الآخر.
ووفقا للإحصائيات والأرقام المتوفرة لدى الهيئة هناك نسبة 32%من المرضى لا يلتزمون بالحضور في الموعد المحدد وهذا بطبيعة الحال يؤثر على معدل فترة الانتظار للحصول على موعد في اي من العيادات التخصصية ، كما أن عدم الالتزام بالحضور في الموعد المحدد يؤثر على فترة الانتظار للدخول إلى الطبيب مما يكون له الأثر أحيانا في تقليل عدد المواعيد في اليوم الواحد للعيادة التخصصية المعنية وذلك نظرا لالتزام الطبيب بتقديم الاستشارة التخصصية ضمن وقت الدوام الرسمي المحدد في الفترتين الصباحية والمسائية .
إضافة لوجود سبب آخر للمشكلة إذ ان هناك رغبة دائمة من قبل بعض المرضى لزيارة عيادات الاختصاصيين في المستشفيات وعدم الاكتفاء بزيارة عيادات الرعاية الصحية الأولية أو عيادات الأسرة المنتشرة في أكثر من 12 مركزا تنتشر في مختلف مناطق دبي تتبع هيئة الصحة .
الحلول
قال الدكتور محمد العلماء هناك حلول قصيرة الأمد تشمل إطلاق حملة مكثفة في دبي تحت شعار " عساك بخير " تهدف إلى زيادة التزام الناس بمواعيدهم للحضور إلى عيادات الاختصاص حسب ما هو مقرر وفي حال عدم رغبتهم في الحضور في الموعد المحدد عليهم الاعتذار قبل ثلاثة أيام على الأقل هاتفيا بمراكز المواعيد في مستشفيات هيئة الصحة ومركز السكري لإتاحة الفرصة أمام عدد اكبر من المرضى .
كما تهدف الحملة إلى زيادة نسبة التزام المرضى بالحصول على تحويل من عيادات الرعاية الصحية الأولية وعيادات الأسرة قبل طلب موعد في عيادات الاختصاص بمستشفيات الهيئة والالتزام بالموعد وقت الحصول علية والحضور في الوقت والمكان المناسب.
ويضيف المدير التنفيذي لقطاع المستشفيات " الحل الثاني فتح عيادات تخصصية في مراكز الرعاية الصحية الأولية وذلك كإحدى المبادرات الهادفة للتوسعة في تقديم خدمات العيادات التخصصية مما سيكون له الأثر في تقليل عدد أيام الانتظار للحصول على موعد حيث سيتم اختيار بعض العيادات التخصصية التي يكثر عليها الطلب على أن يتم تقييم هذه التجربة بعد ستة أشهر من اجل الاستفادة منها وتحسينها وتعميمها على العيادات التخصصية ا لأخرى.
وقال الحلول الطويلة الأمد تشمل إنشاء مجمع للعيادات التخصصية في كل مستشفى لزيادة الطاقة الاستيعابية لهذه العيادات وذلك لتلبية احتياجات المرضى المتزايدة في العيادات التخصصية ، خاصة في ظل النمو السكاني والتطور العمراني والتوسع الجغرافي الذي تشهده إمارة دبي .

