دأبت الكثير من الأعمال الدرامية على تقديم مهنة المحاماة، بصورة تتنافى مع واقعها وكونها مهنة نصرة المظلوم ومؤازرته، وكثيراً ما قدمت شخصية المحامي بوصفه "بهلواناً" يتراقص على كل الحبال، ويمارس الغش والنصب والتدليس، من أجل تحقيق مآربه ومصالحه الشخصية.
وثمة أعمال أثارت غضب المحامين أنفسهم، الذين سارعوا إلى رفع قضايا ضدها، معتبرين أنها تشوه سمعة مهنة سامية هدفها العدالة في المقام الأول.
وأياً ما يكون تعامل الدراما مع مهنة المحاماة، ومهما بدت بعض النماذج فجة ومعتمدة على المبالغة، تبقى حقيقة أن مجتمع المحامين، شأنه شأن أي مجتمع في الحياة، فيه صالحون وطالحون، فيه من يرون أن عليهم مناصرة المظلوم، ومن يرون أن هذه هي قوانين السوق، فإن رفضوا تولي قضية، سيتولاها آخر.
فما الذي يكفل التزام المحامين في الدولة بالقواعد الأخلاقية والمهنية السليمة؟
أليس المحامي شأنه شأن أي صاحب عمل، يريد تحقيق المكسب المادي، الذي يكفل له الحياة الكريمة؟
يقول المحامي سعيد جمعة السويدي: إن الضمير الذاتي وحده الذي يضمن أن يؤدي المحامي دوره كما ينبغي، فالعلاقة بين المحامي والموكل أو المتهم، تقوم في الأساس على الثقة، فالمحامي أولاً وقبل أي شيء رجل قانون، هدفه الأسمى هو إقرار العدالة، وهو حينما يوافق على الترافع في قضية ما، يضع أمام عينيه أولاً أنه لسان المظلوم الذي يسعى للتعبير عنه.
ويضيف: قد يستلم المحامي أحيانا قضايا يغلب الظن عنده أنها خاسرة بدافع الحرج، كأن تكون القضية لأحد أقربائه أو صديق، وفي هذه الحالة يسعى الدفاع للتقليل من الخسارة أو الحكم الذي قد يصدر ضد موكله مع الأخذ بعين الاعتبار أنه لا يوجد هناك قضية مضمونة النتائج بالكامل ولا يوجد محام يستطيع أن يتكهن بشكل قطعي بنتيجة القضية لاحتمال أن تطرأ بعض الظروف أو تظهر بعض الأدلة على أحداث القضية وتغيير من مجراها، وبالتالي تغير من الحكم الذي قد يصدر ضد الموكل.
ويشير السويدي إلى أن هناك قضايا يُلزم المحامون باستلامها كأن تكون قضية المتهم قضية جنائية ويكون غير قادر على توكيل محام فيُنتدب المحامي من قبل المحكمة وعليه الامتثال لطلب المحكمة والدفاع عن المتهم والنظر في القضية.
ويقول إن توقع خسارة القضية أو كسبها يتعلق بشكل ما بنوع القضية فإن كانت دعوى جزائية فإن للقاضي سلطة تقديرية أكثر من سلطته في الدعاوى المدنية بموجب الأدلة المقدمة، وكذلك الأمر فيما يخص بالخصومة، ففي القضايا الجزائية فإن الخصم هو النيابة العامة أما في القضايا المدنية فإن الخصم عادة ما يكون شخصا أو شركة وليست النيابة العامة، ويكون دور القاضي في القضايا المدنية مُقيد بلائحة الدعوى المقدمة من المدعي، وما يخص قضايا أحوال النفس فإن معظمها يعتمد على التسويات ويتم الفصل فيها بسرعة، والوصول لتسوية فيها يكون محتملا، لافتا إلى إن المحامي الذي لن يستلم إلا القضايا التي يجزم أنه سيفوز بحكم لصالح موكله فيها فإنه سيُغلق مكتبه دون أدنى شك.
ويلفت السويدي إلى أن من المُعوقات التي تواجه المحامين هي أن الموكلين لا يدلون بالمعلومات الصحيحة والتفاصيل الحقيقية، وأن المحامي يتوصل لتفاصيل القضية أثناء دراستها، فبالتالي لا يستطيع التكهن من البداية بمدى فوزه بالقضية أو لا وعلى المحامي بذل الجهد الكافي أثناء دراسة القضية للوصول للتوقعات فيما يخص حكم القضية، وتحديد الأتعاب تكون بموجب الجهد الذي يبذله.
من جهته يقول المحامي مختار غريب إن مجتمع المحاماة كأي مجتمع بشري فيه من يخاف على اسمه ويكون صادقا في عمله وأمينا على أخلاقيات مهنته وفيه من لا يعطي أي اعتبار لأخلاقيات المهنة ويسعى لجمع المال ولا تهمه سمعته ولا سمعة مكتبه، ولا يرفض أي دعوى حتى لو كان متأكدا بأنها خاسرة، ويعد موكله بالبراءة وهو يعلم أنه لن يحصل عليها.
ويشير إلى أن الوعود التي تُعطى من قبل المحامين للموكلين هي وعود كاذبة، وكثيرا ما سببت الإحراج للمحامين عندما يصدر الحكم بخلاف الوعود، منوها إلى أنه قبل عدة سنوات اعتدى أهل أحد الموكلين بالضرب على محام ومندوب كانا قد رافعا عن ابنهم ولكن الحكم صدر ضدهم فاعتدوا على المحامي ومندوبه في المحكمة أمام أعين الجميع.
المحامي علي محمد بن تميم قال إن أول ما يفعله المحامي عندما يطلب منه الموكل استلام قضيته هو عمل استشارة قانونية له، وبعد الانتهاء من الاستشارة القانونية يتضح للمحامي إمكانية نجاحه في القضية من عدمه، ويحصل على أتعابه مقابل الاستشارة التي يُقدمها.
ويؤكد أن المحامي الذي يخشى على اسمه وعلى سمعته لا يرضى أن يتولى المرافعة عن قضية يعتقد أنها خاسرة لأنه بذلك يخسر اسمه وسمعته، وعلى الصعيد المادي لن يجد بعد فترة من يقصده ليدافع عنه لأن السمعة الطيبة أهم ما يحافظ عليه المحامي وهي أكثر الطرق التي تجلب له القضايا.
