القاضي يحكم بأدلة ووقائع يبرئ أو يجرم حسب الدفوع والادلة وبالمقابل هناك صحافي سلطته أوسع كونه يخاطب كل شرائح المجتمع ضمن وسيلته الاعلامية. فالقضية داخل اروقة المحاكم لا يسمع بها الا صاحب الشأن ولكن عندما يصل الامر لقلم الصحافي تصبح القضية قضية رأي عام , كم من قضية على مستوى العالم راح اصحابها ضحية حكم واودعوا السجون الا ان الصحافة محصت وجعلتهم رأي عام والكل يدافع عنهم، فهل عمل السلطتين الثالثة والرابعة يكمل بعضه بعضا ام ان القضاء يعتبر نفسه في قلعة حصينة يمنع الاقتراب منها او التصوير.
ضمان
تعاون القضاء والإعلام ضمان لدولة القانون وتحقيق الديمقراطية كونهما قادرين على الدفع بقيم العدالة والحرية والمساواة وإعلائها فكل منهما يتصدى للتجاوزات ويشير إلى مكامن القصور ويقوم على تقويم السلوك فإذا كان القضاء يستند إلى مواد القانون لمعاقبة المتجاوزين المخالفين فان الإعلام من خلال الحرية الملتزمة المتاحة له بأن يؤشر إلى التجاوزات والمتجاوزين ويكشفها أمام الرأي العام وبذلك يعتبر عين القضاء داخل المجتمع ، أما القضاء فهو اليد الطولى للإعلام , فالحقوق والواجبات التي هي من حقوق الأفراد يقوم الإعلام بإشاعتها والدعوة إليها وجعلها جزءا من ثقافة المجتمع , كما أن التناول الإعلامي للقضايا بصورة مبالغ فيها قد يكون سببا رئيسيا لمنع تحقيق العدالة.
حيث يتحول القاضي الذي ينظر في قضية ما من حاكم إلى مدان في نظر الرأي العام الشيء الذي يضع على عاتق الإعلام مسؤولية توخي الحذر من اختيار الطريقة المثلى للتعامل مع القضاء على خلاف تعامله مع جهة أخرى لان مثل هذه التحليلات قد تؤدي إلى التشكيك في القضاء والقضاة ونزاهتهم وعملهم وقد يشكل عليهم ضغطا كبيرا عند خلوهم للمداولة ونتيجة اهتمام الرأي العام بما يدور داخل ساحات المحاكم وأروقة النيابة، أصبحت العلاقة بين السلطتين في حاجة إلى توفير الحدود والفواصل لتصل الحقيقة إلى المستمع أو المشاهد أو قارئ الصحيفة من دون أن تؤثر على عمل القضاء.
اتهام
ويتهم البعض وسائل الإعلام والصحافيين في التدخل في الشأن القضائي، ويأتي ضمن استفسارات الشارع عن حيادية الإعلام انضباط وسائل الإعلام بقانون المطبوعات والنشر ودراية الصحفيين به وهنا نسترجع نتائج استبيان أجرته مجلة «المعهد» التي يصدرها معهد دبي القضائي شملت 32 صحافياً من مختلف المؤسسات الصحافية العاملة في الدولة، أظهرت أن نسبة 57,2٪ منهم لم يطلعوا على القانون، مقابل 42,8٪ قالوا إنهم اطلعوا عليه منذ فترة طويلة لا تقل عن عشر سنوات بالنسبة لمعظمهم.والمتعارف عليه أن القاضي عندما يصدر حكمه يعتمد على دلائل ومستندات أمامه يستمدها من ملف الدعوى التي يتناولها، لذلك فإنه يجتهد في فهمه للصورة الحقيقية للدعوى، سواء كانت جزائية أم مدنية، واجتهاده يستمده من كافة الأدلة المطروحة أمامه.
لذلك فإن المدعي يجب عليه أن يثبت دعواه ولا يكتفي بالادعاء بأن له الحق، فالقاضي يحكم بالدليل حتى ولو كان صاحب الدليل جائراً في دعواه، وعلى الإعلام أن يتناول القضايا المنظورة أمام المحاكم بمهنية مرتبطة بمعرفة بالقانون بحيث لا يكون هناك تأثير على إصدار الأحكام وبالتالي تأثر الرأي العام بما يصدره القاضي في حالة أن الأحكام لا تصادف هوى العامة، على اعتبار أن العامة كونوا صورة عن القضية من خلال تناول الإعلام لها.
دور القضاء والاعلام
وفي هذا الصدد قال الدكتور جمال السميطي مدير عام معهد دبي القضائي إن مهمة القضاء إصدار أحكام نهائية بينما مهام وسائل الإعلام نشر الحقائق، لكن تدخلها واستباقها لأحكام القضاء وتنصيب بعضها «محاكم إعلامية» على قضايا مازالت منظورة أمام القضاء هو أمر يمس باستقلالية القضاء، بل ويدق ناقوس خطر خاصة إذا كان التناول الإعلامي لتلك القضايا غير موضوعي. وأشار إلى أن الجميع عليهم معرفة أن القاضي في النهاية بشر يؤثر ويتأثر بما يجري حوله من أحداث.
وبما أن القضاة لا يعيشون في جزيرة منعزلة ولا في مجتمع الفضيلة فهم بلا شك يتابعون وباهتمام ما يكتب ويـُنقل في وسائل الاعلام المختلفة التي تتناول قضاياهم، ويجب أن نعترف أن التأثر بما يبثه الإعلام ويشحن به الرأي العام يمكن أن يؤثر في قرار القاضي بشكل أو بآخر. وأضاف إنه عند شحن مخيلة الرأي العام لاتجاه قد يكون مغايرا لما ينطق به القاضي من حكم بعد ذلك، فإن هذا من شأنه أن يزعزع الثقة في القضاء والقضاة ويحولهما إلى مدانين، وهو ما لا نقبله على من يمثلون السلطة الثالثة في الدولة.
وأوضح أن كون الإعلام يشار إليه على أنه سلطة، يفرض ذلك على الممثل له أن يكون رقيبا على نفسه في تناول القضايا الحساسة، من دون التدخل في عمل القاضي أو التأثير عليه، فوعي الإعلامي بالقانون وامتلاكه لأدواته المهنية، يجعلانه أكثر إدراكا لحساسية التعامل مع الرأي العام والقيام بدوره بشكل مهني ومحايد من دون الضغط أو التأثير على سير العدالة.ولفت إلى أن مهمة القضاء إصدار أحكام نهائية، بينما من مهام وسائل الإعلام ألا تؤثر على صانعي القرار والمسؤولين الحكوميين، لكن تدخلها، واستباقها لأحكام القضاء، وتنصيب بعضها «محاكم إعلامية» لتحليل وتفنيد الحكم على قضايا ما زالت منظورة أمام القضاء، هو أمر يمس باستقلالية القضاء، فضلاً عن الخوف من أن تؤثر طريقة التناول على الرأي العام.
لقد تناول الإعلام العديد من القضايا مثل قضية عابد البوم وقضية طفل العيد، وقضية لاعب الكرة الشهير وقضية القتل، كما لا ننسى قضايا الفساد التي كان من أهم أبطالها أحد الوزراء.وقال إن التناول الإعلامي للقضايا قد يكون له تأثير على الأحكام خاصة وأن القضاة بشر يتابعون ما يكتب في وسائل الإعلام، فنحن لا نعيش في مجتمع الفضيلة ولا نستطيع أن نقول: إن القضاة لا يتابعون وسائل الإعلام التي تتناول قضاياهم، ولو تابعوها لن يتأثروا بها. إن التأثير السلبي للتعاطي الإعلامي للقضايا الماثلة أمام القضاء يرتبط أكثر بالرأي العام، الذي يكون في حيرة شديدة، بعد أن يصدر حكم القضاء في اتجاه آخر، بعيداً عن الاتجاه الذي شحن الإعلام اتجاهات الرأي العام فيه، لذا فإنه في حالة صدور الحكم مغايراً للحكم الذي ارتسم في مخيلة العامة فإن ذلك من شأنه أن يزعزع الثقة في القضاء والقضاة ويحول الآخرين إلى مدانين.
موضوعية القاضي
من جهته قال الدكتور عبد الله الشامسي القاضي في محكمة الاستئناف إنه يفترض أن القاضي لا يتأثر بما ينشره الإعلام ويكون موضوعيا وحياديا فيما يتخذه من قرارات من دون المساس بالأطراف المتنازعة، ولكن الحقيقة أن الإعلام يمارس ضغوطات قد تكون في غير صالح المتهم الذي يعد في نظر القانون بريئا حتى تثبت إدانته، بل ويبالغ في حكمه على بعض الحالات ويتناولها بعاطفية غير مبررة مطالبا دائرة القضاء بتوقيع أقصى عقوبة من دون الالتفات أن القاضي لا تعنيه سوى الأدلة والبراهين المتوفرة في ملف الدعوى.
وأضاف إن التناول غير الموضوعي للقضايا المتعلقة بالسمعة والشرف تمس بأعراض البعض الذين ساقتهم أقدارهم للوقوع في مشكلة قد يكونوا بريئين منها، فمثلا من يتم إدانته أمام الدرجة الأولى وينشر الخبر متبوعا بالصور في جميع الوسائل المختلفة، ثم يُبرأ بعد ذلك في درجة الاستئناف، من يرد الضرر النفسي والمعنوي الذي وقع على هؤلاء بعد التشهير بهم وبسمعتهم ومن يمحو ما أفسده الإعلام نتيجة التسرع ، وحرصا على ذلك لابد من إيجاد أطر يتم من خلالها تقنين مسألة النشر بما يخدم مصلحة أطراف القضية ولا يضر بها.
عدم وضوح الرؤية
وحول رأي وسائل الإعلام أشار محمد يوسف رئيس جمعية الصحافيين يجب أن تكون العلاقة بين الإعلام والقضاء نموذجية ومتكاملة، لأن هدف الطرفين في النهاية الصالح العام ، ولكن ما نلمسه على أرض الواقع هو وجود فجوة بينهما السبب فيها عدم وضوح الرؤية لدى الطرفين، فالمشكلة تبدأ من الدوائر المحلية المسؤولة عن المحاكم التي لا تعطي للإعلام بشكل عام والصحافة بصفة خاصة الفرصة لتغطية ما هو منظور أمام المحاكم، مما يضطر معه الإعلامي للبحث عن المعلومة بوسائله الخاصة، كمحامي أحد المتنازعين، المدعي أو المدعى عليه والذي بالتبعية يُسير القضية لما يخدم مصلحة الطرف الذي يمثله، وهو ما يخل بوضوح الرؤية نتيجة عرض وجهة نظر واحدة.
ويضيف: نحن كمعنيين بالأمر ناقشنا تلك القضية مع دائرة القضاء بأبوظبي وعقدنا اجتماعاً رسميا بالطاولة المستديرة، حضره رؤساء تحرير بعض الصحف وممثلين عن الدوائر القضائية والنيابية وتم التوصل إلى شبه اتفاق يحدد فيه قواعد إرشادية يتم صياغتها في كتيبات ليتبلور لدى الطرفين ما هو مسموح وغير مسموح وما يجب نشره في جلسات المحاكم المرتبطة بقضايا تهم الإعلام والرأي العام وما لا يجب نشره، وحتى يكون واضحا أمام الدوائر القضائية وممثليها ما يجب أن يحصل عليه الصحفي من معلومات طالما لا يوجد قرار بحظر النشر.
نقل الخبر لا توجيهه
وأوضح أن دور الصحافيين نقل الخبر وليس توجيهه، بمعنى أن الصحافي ينقل ما يصل إليه من معلومات قد يكون مصدرها كما أوضحت طرف واحد، وهو هنا مغلوب على أمره لأنه أغلقت في وجهه باقي الأبواب ومنع من التواصل مع من يبوح بالمعلومات بشكل محايد ومنصف، وهو ما يؤدي بدوره لسير القضية في اتجاه قد يؤثر على مخيلة الرأي العام ويرسم له حكماً معيناً، في حين أن القاضي يستند إلى الأدلة التي تفرض عليه حكما آخر وهو بالطبع الحكم العادل، وإذا استعرضنا الأمر من زاويته الصحيحة وهي أن يحصل الصحافي على معلومات متكاملة فسيتبعه خبر يتركز على رد الدفاع ورد النيابة ورد المدعى عليه وغيرها من جوانب القضية وبالتالي لن يكون هناك توجيه بل سيستشف الرأي العام حكم القاضي الصحيح من دون أن يتولد أي خلل يتبعه زعزعة الثقة.
التحدث بشفافية
وقال: كي تكون العلاقة قوية والعرض سليم يجب أن يتحدث جميع الأطراف بشفافية، وعلى الصحافي ألا يصدر أحكاما ولا يتدخل في الخبر الذي ينشره فهو ليس طرفا في القضية، كما أنه لا يجب أن يختار الألفاظ التي لا يجوز نشرها حتى وإن ذكرها المصدر الذي يعتمد عليه في جلب المعلومات، فالصحافي لابد أن يكون على قدر من المسؤولية التي شُرف العمل بها وأن يكون مساندا لسير العدالة وليس معوقا لها.
السلطة الرابعة والمحاماة
ويشير يوسف حماد محام ومستشار قانوني قائلا: اعتماد الصحافي على المحامي كمصدر لا يتبعه بالضرورة نشر معلومة مغلوطة، فلا يوجد دوافع لدى الطرفين في إخفاء الحقيقة أو الظهور بالشكل غير اللائق لأخلاقيات المهنة، ولكن قد يحصل الممثل للسلطة الرابعة على المعلومات بناء على ما يتوفر لدى المحامي من تفاصيل متعلقة بالشخص الموكل للدفاع عنه، وبالتالي عندما يذكر الصحافي أو غيره أن ما يقال إنما هو على لسان المحامي فهو دليل للشفافية وليس للتضليل، وإن كنت ضد فكرة الحصول على المعلومات المتعلقة بالقضية من طرف واحد.
فالصحافي الجيد هو من ينوع في مصادره ولا يعتمد فقط على الرسمية منها.وأوضح أن هناك حلقة مفقودة قد تسبب هذا الخلط وتصبح وسائل النشر بمثابة محكمة أخرى تصدر الأحكام على المتهمين، ألا وهي فقدان الصحافي إلى الثقافة القانونية أو ملكة الكتابة في المسائل القانونية وهو ما يجعله يخطئ في صياغة بعض المصطلحات المتداولة، فعلى سبيل المثال قد يذكر المحامي كلمة مثل سبق الإصرار والترصد فيترجمها إلى القتل العمد ويكتبها كذلك، وهو ما يمكن أن يشحن الرأي العام ضد المتهم والخطأ هنا ليس مقصودا ولكنه يؤدي إلى مشكلة حقيقية، ولابد هنا من التخصص بحيث يتفرغ الإعلامي إلى تغطية مكان بعينه كي يتمكن من معرفة كل المصطلحات المتعلقة به وهو ما لا يؤدي إلى خلط الأوراق والتلاعب بالألفاظ في غير محلها.
دراسات عالمية
في دراسة حديثة أجراها الخبير في علوم الاتصال الألماني هايتاس كيبلينجر أكد أن التقارير الإعلامية التي تنشر حول القضايا التي ينظر فيها القضاء تؤثر على سير إجراءات المحاكمة، وقال في دراسته الحديثة حول تأثير الإعلام على إجراءات المحاكمة في ألمانيا إنه رصد في استطلاع شمل (447) قاضياً و(271) وكيل نيابة و(35) محامياً تنامياً ملحوظاً، حيث إنَّ أكثر من ثلث المحامين يعطون معلومات لوسائل الإعلام بهدف أن يؤثر الإعلام على قضاياهم، كما اعترف 25% بأنهم يعملون على تحسين وضع موكليهم في القضية عبر نشر معلومات عنها (عن عمد).ورغم أن الدستور الألماني ينص على حيادية القضاء فإن كيبلينجر قال: إن الواقع غير ذلك.
حيث ذكر أكثر من 50% من القضاة وممثلي الادعاء أن التقارير الإعلامية تؤثر على إجراءاتهم، ووفقاً لنتائج الدراسة إن اعترف 42% من ممثلي الادعاء بأنهم قد يفكرون في صدى الرأي العام عند المطالبة بحجم عقوبة معينة.كما اعترف ثلث القضاة الذين شملهم الاستطلاع بأن التقارير الإعلامية تؤثر على حجم العقوبة، وقال نحو 25% منهم، إن الإعلام يؤثر أيضاً على الموافقة أو رفض حبس المتهم مع إيقاف التنفيذ. وفي المقابل ذكر 5% فقط من القضاة أن للإعلام تأثيراً على الحكم ببراءة أو إدانة المتهم، كما اعترف 76% منهم أنهم يتأثرون بإفادات الشهود.


