دبي معجزة، لكنها ليست كذلك لأن يدا خارقة امتدت إلى هذه الجغرافيا من العالم وصنعتها وجعلتها على ما هي عليه من حسن وجمال وتنظيم وإدارة وأمان، بل لأن ثمة أشخاص بشحمهم ولحمهم وأسماء بعينها جعلت من الارتقاء بأوضاع هذه الإمارة شاغلها اليومي وبؤرة اهتمامها على مدار الساعة، حيث ما كان لهذه المعجزة أن تحقق شروط وجودها لولا تلك الأيدي البيضاء والعقول المتنورة والأشخاص الذين بذلوا ولا يزالون كل في ما في وسعهم في سبيل رفعة دبي، في مقدمتهم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله. ارتبط اسمه بمنجزات أمنية تحاكي بآليات عملها وأساليب تحققها آليات وأساليب أعتى أجهزة الشرطة والأمن في العالم، والتي كان آخرها الوصول إلى الجناة الذين ارتكبوا جريمة اغتيال القيادي في حركة حماس الفلسطينية محمود المبحوح، أما البداية فكانت دائما مع الناس، الذين شكلوا بؤرة الرؤية السديدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، التي شكلت المنارة التي سار ولا يزال على هديها معالي الفريق ضاحي خلفان تميم القائد العام لشرطة دبي.

رؤية خالية من أي تعقيد وبعيدة كل البعد عن السفسطائية، وربما يمكن اختزالها بعبارة واحدة هي الناس، ومن غيرهم جدير بكل هذه الاهتمام الذي توليه شرطة دبي لحمايتهم وتسيير أمورهم بأبسط الإجراءات الروتينية أو حتى بدونها أحيانا؟ ألا يصب ذلك بالفعل لا بالقول في صلب الشعار المعهود (الشرطة في خدمة الشعب)، في محاولة لتخفيف أعباء الحياة على الناس وتأمين أفضل سبل العيش الكريم لهم، حيث تزاوج شرطة دبي بين متطلبات الأمن وحاجيات الإنسان.

إذا، نحن بصدد رجل شرطة مشهود له ورجل دولة غني عن التعريف وجهاز يشهد له القاصي والداني بنزاهة وكفاءة يعز نظيريهما في كثير من بلدان العالم، رجل راحت تجربته تكبر تدريجيا، مشكلا تجربة أكاديمية وميدانية تستحق أن تدرس في أكاديميات الشرطة العالمية وكذلك في الجامعات والكليات التي تعنى بالعلوم الانسانية والاجتماعية وحتى الفلسفية، تجربة تستحق التوقف عند كل خطوة فيها وعند كل منعطف تمر به دبي ودولة الإمارات، تجربة كان لا بد من الإضاءة عليها حتى تعم الفائدة.

هذا الجانب الأخير المتعلق بالفائدة، تكفلت به مكتبة جمال بن حويرب للتراث، التي دأبت على استضافة شخصيات مخضرمة لها باع طويل مع التأسيس لإمارة دبي بغية التوثيق والتأريخ، لماض لا يزال مستمرا، في حاضر يبشر بمستقبل مشرق لأبناء هذه المنطقة من العالم، فكانت استضافتها لمعالي القائد مساء أول من أمس في مقر المكتبة في منطقة الجميرا بدبي، في محاضرة تحت عنوان (تاريخ شرطة دبي) حضرها عدد من المسؤولين والمهتمين من بينهم المستشار إبراهيم بو ملحة مستشار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للشؤون الثقافية والإنسانية واللواء محمد المري مدير دائرة الإقامة وشؤون الأجانب في دبي، واللواء خميس مطر المزينة نائب القائد العام لشرطة دبي، والمؤرخ بلال البدور الوكيل المساعد لقطاع الثقافة والفنون بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع والأديب عبد الغفار حسين عضو مجلس أمناء مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية.

 

تاريخ شرطة دبي

بداية، نوه خلفان إلى أن عمر تجربة شرطة دبي قد بلغ 55 عاما، قضى 42 عاما منها في خدمة هذا السلك الحيوي، متدرجا بصرامة الغيور على أمن وطنه ومواطنه، أما بداية الحكاية فتعود إلى مشهد سياسي مختلف تماما عما هو عليه الآن وإلى تاريخ الأول من يونيو 1956، وحيث كانت بواكير شرطة دبي قد تأسست على يد ضابط انجليزي يدعى بيتر كلايتن، والذي كان يطلق عليه بدو المنطقة لقب (قليطن)، الذي كان يعمل تحت لواء قوات ساحل عمان وكان عدد ذلك التشكيل متواضعا لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، حيث كانت الحظيرة تتكون من 6 ـ 10 أفراد، ثلاثة منهم مواطنون وثلاثة مقيمون تم تدريبهم في ديرة تحت قيادة كلايتن نفسه.

وأكد القائد العام لشرطة دبي أن التحريات في دبي ولدت قوية وأنها تخوض منذ بداية عملها تجربة ناجحة في الكشف عن الجرائم ومرتكبيها، إذ شاءت الصدف بعد تشكيل أول مجموعة من الشرطة سنة 56 بعشرة أيام أن يتعرض محل اسمه (جاشنمال) للسطو، حيث قام اللصوص بثقب سقف المتجر وتمكنوا من سرقته، لكن سرعان ما تمكن رجال التحريات من القبض عيلهم بعد ثلاثة أيام فقط وتبين أن أفراد تلك العصابة تنتمي لإحدى الجاليات المقيمة في دبي.

 

تشكيلات تطور القيادة العامة

واستعرض معالي الفريق ضاحي خلفان ستة تشكيلات مرت بها مراحل تطور القيادة العامة لشرطة دبي، بدءا من مرحلة التأسيس أو التشكيل الأول لقيادة شرطة دبي بقيادة بيتر كلايتن واستمر هذا التشكيل من عام 1956 إلى 1957، منوها إلى أن الشرطي المواطن رقم واحد كان الرقيب أول محمد سعيد بوحيمد، الذي التحق بالشرطة بتاريخ 20 أغسطس 1956 ، وكان يعمل في المقر القديم للشرطة، وأن الشيخ محمد بن حشر كان مشرفا على الضابط الانجليزي في بداية الأمر، بينما كان أفراد الشرطة يقيمون في خيمة نصبت لهم بجوار قلعة نايف وأن كلايتن كان محبوبا من قبل مرؤوسيه والناس لأنه كان دمث الأخلاق ويتكلم اللغة العربية ويتفاخر بذلك، وكان من نتائج هذه المرحلة تعيين أول مواطنين في الشرطة والقبض على أول عصابة وتصميم أول شعار للشرطة.

 

انخراط المرأة الإمارتية

وبما أن المحاضرة تدور حول تاريخ شرطة دبي، كان لا بد من ذكر جانب آخر مشرق منه يتعلق بانخراط المرأة الإماراتية في العمل فيه، حيث أشار خلفان إلى المواطنة تفاحة سالم الحامض، التي تعد أول امرأة إماراتية تنضم إلى سلك الشرطة حيث عملت في محاكم دبي وفي السجن النسائي والشرطة النسائية منذ عام 1960، الأمر الذي يسجل لإمارة دبي بالمقارنة مع الكثير من بقية دول العالم التي خطت هذه الخطوة في مراحل متأخرة من عمرها.

أما التشكيل الثاني، فكان في عام 1957 بقيادة الضابط الانجليزي يدعى بيتر جورج لورمير، الذي كان تعسفيا وقاسيا ولا يحبه الناس، ما ألقى بظلال قاتمة على سمعة الشرطة بين المواطنين الذين رأوا فيها آنذاك مكانا لا يجوز العمل فيه، وكان أحمد راشد الغيث ممن عملوا تحت قيادته في هذه الفترة، وشهدت هذه المرحلة أول كارثة بحرية عام 1961 والتي وقعت قبالة سواحل أم القيوين، حيث تعرضت السفينة (دارا) للغرق، بينما كانت من بين أربع سفن تابعة لشركة الملاحة البريطانية الهندية وأودى ذلك الحادث بحياة 238 شخصا اختناقا او غرقا بعد أن وقع انفجار كبير على متنها أدى إلى احتراقها وتعطل محركها، وكان لشرطة دبي رغم ضآلة إمكانياتها آنذاك دورا كبيرا في تنظيم عملية انقاذ 330 شخصا آخر كانوا على متن السفينة وإخماد الحريق، فاعتبرت تلك أول مشاركة لشرطة دبي في مجال الانقاذ البحري.

وشهد التشكيل الثالث عام 1966، الذي كان مكونا من جاك بريكس وهامفيرز مساعده وباركلي ومارشال ومحمود مصطفى وأوبري وأوملي، قفزة نوعية في آليات عمل الشرطة، بعد أن وضع جاك بريكس أول هيكل تنظيمي لها وأول قانون للشرطة، وهو أول من أصدر أمرا مكتوبا، كما أسس جاك نادي الضباط وأدخل الطب الشرعي في البحث الجنائي.

 

نقلة نوعية كبرى

في 15 فبراير 1968، شهدت مسيرة الشرطة في دبي نقلتها النوعية الكبرى، عندما صدر مرسوم بتعيين صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم رئيسا للشرطة والأمن العام في دبي، والذي أدى إلى تطوير عمل الشرطة من حيث بداية الأوامر المكتوبة ثم ابتعاث البعثات إلى الخارج، وكان خلفان أحد الذين ابتعثوا للدراسة في العاصمة الأردنية عمان عام 1970 ضمن بعثة ضمت إليه كل من إسماعيل عبدالله القرقاوي وجمعة عبيد الصايغ وحارب خليفة بن حاضر من بين آخرين، حيث شاءت الصدف أن تندلع حرب أيلول الأسود أثناء وجود البعثة هناك، لكنها لم تغادر مقاعد الدراسة رغم المخاطر الجدية التي تعرض لها أفرادها، ما دفع أعضاء بعثات عربية أخرى إلى مغادرة عمان والعودة إلى بلدانهم.

كما شهد التشكيل القيادي الثالث الإعلان عن قيام اتحاد دولة الإمارات عام 1971، حيث تم تكليف خلفان بتولي مسؤولية تأمين حراسة قصر الضيافة في منطقة الجميرا.

التشكيل القيادي الرابع عمل تحت مظلة الاتحاد وشهد عودة عدد من الضباط المواطنين من دورات في الخارج، كما حل القائد المساعد للواجبات العامة عبدالله بالهول محل الضابط الانجليزي أوبري ومحمد سعيد الغيث محل باركلي، وسجل بذلك عام 1974 أول عملية توطين جزئية للقيادات، كما شهدت هذه المرحلة بعض التبديلات في مواقع الضباط المواطنين أنفسهم، فحل الضابط ضاحي خلفان بديلا للقائد المساعد عبدالله بالهول، وأجاز صاحب السمو ترقية رتب القادة المساعدين إلى رتبة مقدم.

أما التشكيل الخامس في عام 1975، حيث عين عبدالله بالهول قائدا عاما للشرطة وكان محمد سعيد الغيث نائبا له، وتحول بريكس مستشارا، وفي عام 1977 أصبح معالي الفريق ضاحي خلفان نائب القائد العام لشرطة دبي وناصر عبد الرزاق مساعدا للقائد العام. وفي سنة 1979 عين معالي الفريق ضاحي خلفان قائدا عاما بالإنابة ثم صدر المرسوم رقم واحد لعام 1980 في الثاني من مارس والذي قضى بتعيينه قائدا عاما للشرطة، وبذلك أصبح خلفان أصغر قائد شرطة في العالم.

وهكذا انطلقت مرحلة نوعية جديدة في عمل شرطة دبي، وضع خلالها خلفان سلما للأولويات تقوم على ارساء العدالة الاجتماعية والابتعاد عن الممارسات التعسفية، وتم خلالها انشاء مختبر الأدلة الجنائية وفصل الادعاء العام عن الشرطة والتأكد من صحة المخالفات، كما سعت القيادة الجديدة إلى البحث عن الأذكياء لتطوير جودة عمل الشرطة وتم وضع برنامج لهذا التوجه حمل عنوان «برنامج البحث عن الأذكياء» من المواطنين الذين كانوا يدرسون الهندسة الإلكترونية والكيمياء والفيزياء في الجامعات عموما وفي بريطانيا والولايات المتحدة على وجه الخصوص، وكان يشترط بأولئك النخبة من الطلبة أن يكونوا قد اجتازوا السنة الثانية بتقدير لا يقل عن جيد وبأن لا تقل درجاتهم في الثانوية العامة علمي عن 80%، ويقول خلفان في هذا السياق «وهكذا بدأت البعثات بينما كانت الدوائر من حولي في غفلة من أمرها».

موضوع السجون شكل على الدوام مصدر اهتمام قيادة شرطة دبي، حيث يؤكد خلفان أن سجون دبي مرت بعهدين متباينين، عهد الانجليز وعهد المواطنين، حيث كانت في عهد الانجليز خالية من المكيفات ولا تلتزم معايير حقوق الانسان، بينما أصبحت تلك الحقوق مكفولة في عهد القيادة المواطنة، حيث يؤكد خلفان أن العبرة في السجون تكمن في تقييد حرية الانسان وليس في الترفيه.

وأشاد خلفان بزملائه من الضباط الذين تقاسم معهم مهمة توفير الأمن لأهالي دبي، وفي مقدمتهم القائد العام لشرطة دبي السابق عبدالله بالهول، وسعيد الكمدة وناصر عبدالرزاق وغيرهم، مؤكدا على أن بالهول كان محبا وجادا في عمله، وأنه كان أول من أدخل الكاميرات وأول من أدخل البرقة الالكترونية وأول من نقل خدمات المرور وكشف الحوادث المرورية إلى مراكز الشرطة، وأول من أدخل الترفيه في السجون.

وعقد خلفان مقارنة بين غرفة عمليات شرطة دبي التي تركها الانجليز، التي أخفقت كل محاولات تطويرها، وغرفة العمليات التي شيدتها القيادة الجديدة وخصصت لها مبنى خاصا بها والتي مرت بمراحل عديدة ومتنوعة من التطور، وتم اعتماد التقنيات الحديثة في دورة عملها ولا سيما التصويرية منها، ومنها ما يعرف بالنظام (اللورانسي) المتطور والذي يغطي دائرة قطرها 50 كلم، بينما كان النظام القديم لا يغطي أكثر من كيلومتر واحد، بحيث أصبحت هذه الغرفة تثير اعجاب الجميع إلى أن دخل نظام الأقمار الاصطناعية للخدمة.

 

إنجازات

ومن الانجازات التي تمكنت من تحقيقها شرطة دبي عبر تاريخ عملها الطويل والمضني؛ التعامل مع كارثة جوية متمثلة في سقوط طائرة تابعة لطيران الخليج في منطقة (سيح الدحل) عام 1983، حيث برزت مهارات العديد من رجال الشرطة وفي مقدمتهم سعيد سالم بن طوق الذي أظهر مهارة فائقة في التعامل مع الحوادث.

خلاصة القول، إن ما قدمه الفريق من معلومات وما استعرضه من قصص كانت البطولة فيها لرجال شرطة دبي ما هي إلى نقطة في بحر ما تقوم به عناصر هذا السلك الساهر على أمن المواطن والوطن، حيث كشف جمال بن حويرب أن المكتبة ستعقد مزيدا من الجلسات حول تاريخ شرطة دبي في الفترة المقبلة.

 

إدراك

 

الخطوة الأهم في مراحل تشكل شرطة دبي كانت بتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، الذي أدرك مبكرا أهمية التصدي لعملية توطين سلك الشرطة ولا سيما في مستوياته القيادية، فأمر بابتعاث المواطنين للدراسة في الخارج لتأهيل القيادات الشابة، حيث أكد معالي الفريق ضاحي خلفان أن البعض يعتقد بأن هذا الفكر وهذه الرؤية جديدين، لكن الواقع يشي بأن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد كان أول من قام في عام 1970 بتأهيل قيادات مواطنة لتحل محل القيادات الأجنبية.