لم يكف عقل أحمد الصغير عن التفكير في سؤاله المحير ماذا يوجد خلف هذه الأسوار العالية؟ ولماذا نرى نفس الوجوه كل يوم؟ فعندما كان يسأل أمه تتنهد في حسرة وتذرف دموعا دموية وتجيب كل مرة إجابة مختلفة ولكنها جميعا لم تكن مقنعة لعقل الطفل الصغير.
أحمد يبلغ من العمر الآن الرابعة وأصبح يستكشف البيئة المحيطة به فشكل المكان مختلف بعض الشيء وملابس المحيطين به موحدة تماما ما عداه فملابسه تحمل ألوانا متعددة غير اللون الأبيض الذي يملأ المكان باستثناء مجموعة من النساء يرتدين الزي العسكري ويمرون يوميا ليلقوا بالتعليمات المهمة حول السلوك السوي ومواعيد النوم والذهاب إلى المشغل وتنظيف الغرف وترتيب الأسرة وغيرها من الأمور الاعتيادية اليومية.
عالم آخر يشاهده احمد يوميا عبر التلفاز حيث يرى الناس يرتدون ملابس عادية ويركبون السيارات ويمشون في الشوارع الفسيحة ويذهبون إلى المطاعم أو الحدائق الفسيحة بصحبة آبائهم أما هو فلم ير سوى وجوه نساء فقط.
الرائد سعاد مديرة سجن النساء في دبي تمر يوميا لتلقي بالتحية وتستطلع أحوال المسجونات وتداعب احمد وأصدقاءه الخمسة وتوزع عليهم الشيكولاته اليومية والحلويات كعادتها وتعد الرائد سعاد أحمد أنها ستقيم له عيد ميلاده وستحضر له كيكة كبيرة شريطة أن يتعلم كيف يكتب اسمه، يفرح احمد كثيرا ويخبر الرائد سعاد انه يعرف كيف يكتب اسمه ولكنه يسأل عن اسم أبيه كيف يكتبه فهو لم يره مطلقا، تحاول الرائد سعاد الهروب من الموقف وتستأذن منه لتتجه إلى صديقه علي الذي يختبئ خلف والدته كلما اقترب منه احد.
لم تقف الأسئلة الفضولية في ذهن علي عن العالم المحيط بهذا المكان ولماذا يشعر ان هناك عالما آخر خلف هذه الأسوار العالية التي يتطلع عليها كل يوم من الحديقة الصغيرة التي يلعب فيها يوميا مع أصدقائه المختلفين في الملامح واللغة والشكل.
يفرح احمد كثيرا وهو يشاهد التلفاز ويتابع أفلام الكارتون ويضحك بشفتيه الصغيرتين ولا يلبث أن ينطلق فكره إلى ما هو ابعد من محيط المكان الذي يعيش فيه، فأمه دائمة التفكير والسرحان وقليلا ما تنجح في إقناعه عن سبب وجوده في هذا المكان، وهل هناك عالم آخر بخلاف ما يعتقد؟.
لا يمر يوم على احمد إلا ويرى امرأة أو أكثر نزيلة جديدة على المكان ويسمع القصص والحكايات عن القتل والسرقة والعقوبة والحزن الذي يخيم على الجميع، فهذه سيدة تبكي واخرى منطوية في ركن وثالثة لا تبارح سريرها ورابعة تمسك ببعض الصور الشخصية لتتصفحها وهي تبكي الجميع هنا مختلف، ويبقى الندم سيد الموقف.
يحاول احمد أن يخمد فضوله لمعرفة أسباب ما يحدث حوله خاصة أثناء زيارة اللواء خميس المزينة نائب القائد العام لشرطة دبي الى المكتبة التي يلعب فيها ببعض المكعبات ويحاول قراءة بعض القصص، وقف احمد وهو ينظر اليه ويمد يده ليسلم عليه ويبتسم حينما يبادله اللواء خميس نفس الابتسامة ويسأله عن حاله وهل ينقصه شيء؟ يتراجع احمد الى الوراء وهو يرى لجنة التفتيش تعود الى الباب الكبير وتختفي خلف هذه الاسوار ولسان حاله يقول اريد الحرية والخروج من هنا.
لم يرتكب احمد وعلي واصدقاؤهم ذنبا ليكونوا خلف القضبان فجريمة الام كانت السبب الرئيسي في وجودهم هنا في عالم ضيق لا يعرف الانطلاق سوى انطلاق الفكر، ينتظر احمد وعلي انتهاء عقوبة الأمهات او استلامهم من قبل احد الاهل لينطلقا الى العالم الحقيقي عالم الحرية والسماء المفتوحة دون حدود، ولكن هل ستمحو الايام ذكريات ذلك المكان؟.