تنشر البيان بهذا العدد الحلقة الاخيرة من قصة جريمة بعد منتصف الليل والتي تمثلجانبا من الأسلوب الجديد الذي أطلقته القيادة العامة لشرطة دبي

في توعية أفراد المجتمع من الجريمة، والذي يعتبر الأول من نوعه عالميا، كأسلوب مبتكر وحديث اعتمد الشكل الأدبي في التوعية، وذلك لتحقيق غاية هامة تتمثل في الاحتياط والحذر من الوقوع ضحايا للجريمة فيما لو واجهوا نفس الظروف التي وقع فيها ضحايا القصص التي أوردها الكتاب الأدبي الذي أصدرته شرطة دبي . وفي منزل السيدة عوشة. التقت العائلة على الغداء.

السيدة عوشة: طمني يا ناصر هل من أخبار من الشرطة؟

ناصر: إلى الآن لا جديد سوى أنهم حققوا مع المدعو مجيد ــ صاحب الدكان في الحي الثاني.

السيدة عوشة: وما ذنبه المسكين؟

سلامه: دعك من هذه الطيبة يا أماه.. فالناس اليوم ليسوا كما تتصورين.

ناصر: على رسلك يا سلامة.. فأمي لا تقصد شيئاً سوى أننا يجب وفي كل الأحيان أن نتحرى الحقيقة ولا تظلم أحداً.

سلامة: كان من باب أولى أن نهتم بأمور الخدم ونراقبهم.. حتى لا نتعرض بسببهم إلى ما لا تحمد عقباه.

عوشة: معك حق يا ابنتي.. المسكينة قتلت بغير ذنب.

سلامة: أرجوك يا أماه.. سوف نعمل من الآن على تأمين بيتنا.. وسنعمل على حمايته بمراقبة تصرفات الخدم.. حتى ما يجري في الحي لن أغفله أبداً بعد الآن.

سلطان: أنا أحذرك.. فلن تقدمي على دخول مراكز الشرطة بين الحين والآخر.

من أجل ما يجري في الحي.

ضحكت سلامة. ثم قالت: لسنا بحاجة لدخول مركز الشرطة للإبلاغ عن الأمور المثيرة للشك فهناك ما نستعيض به عن ذلك.

ناصر: وكيف ذلك يا صاحبة الأفكار النيرة؟

سلامة: الأمين.. الأمين هو من سيحل الأمر.

السيدة عوشة: أمين.. أين هو أمين مما نحن فيه.. دعيه يحل ما نحن فيه.

ابتسمت سلامة وأضافت: لا يا أمي.. الأمين هو نظام استحدثته شرطة دبي للإبلاغ عن الأحداث المريبة عن طريق المكالمات وبسرية تامة.

ناصر: اها.. خيراً فعلوا بإيجادهم لمثل هذا النظام.. لابد وأنه يحقق نتائجه المرجوة بالشكل المطلوب.

سلامة: وأكثر.. ولكن يجب علينا المساهمة بكل ما أوتينا من جهد في الحفاظ على أمن مساكننا ومن فيها.. سوف نعمل على التأكد من إغلاق جميع الأبواب قبل أن نخلد للنوم وكذلك التأكد من وجود الخدم في غرفهم.

ناصر: دعي لي المهمة الأولى. وتكفلي أنت بالثانية.

سلامة: كما تشاء يا أخي.. ولكن يجب أن أطمئن مسبقاً على الأجر الذي سنتقاضاه من أمي الكريمة.

السيدة عوشة: أها.. الآن فهمت ستقومين بكل هذه المهام مقابل زيادة مصروفك.. أيتها المشاكسة.

وراح الجميع يضحك وكأنهم فعلاً كانوا بحاجة إلى الضحك للخروج مما هم فيه.

رن جرس الهاتف المحمول لدى الرقيب سالم. وحال إجابته جاء صوت النقيب راشد ليقول له: أين أنت..؟

الرقيب سالم: نعم سيدي.. أنا الآن في طريقي إلى البيت.. هل استجد شيء؟

النقيب راشد: في الحقيقة.. ينتابني هاجس غريب بضرورة العودة إلى

 

موقع اكتشاف الجريمة.. ومنزل السيدة عوشة.

الرقيب سالم: هل نستطيع أن نقول بأننا قد اقتربنا من القاتل؟

النقيب راشد: بإذن الله.. أتمنى أن يكون الموقع كما تركناه.

الرقيب سالم: من المؤكد فقد تم تطويق المكان وتأمين حراسته حسب أوامرك.. لا تقلق يا سيدي.

النقيب راشد: إذاً فلنتوجه إلى هناك ومن ثم يمكننا أن نعرج على السيدة عوشة لاستكمال أخذ بعض المعلومات.

أنهى النقيب المكالمة وأطرق يستعيد في ذهنه ما توصلوا إليه إلى الآن.. حسناً إن كانت ياسمين تكذب فمن الضروري مواجهتها ببعض الأمور كي تظهر ما تخفيه.

تزامن وصول النقيب إلى الموقع مع وصول الرقيب سالم، وطاف كل منهما حول المكان بحثاً عن أي معلومات جديدة، ومن ثم عبرا الشريط الذي يطوق المكان.. واقتربا من المكان الذي وجدت فيه الجثة.. وراح كل منهما ينسج في خياله سيناريو للواقعة.

النقيب راشد: إذاً ماذا لدينا الآن.. القتيلة تواجدت في هذا الموقع، حيث تم الاعتداء عليها بآلة حادة أفقدتها توازنها.. ومن ثم تم خنقها من قبل الجاني ليودي بحياتها.. دون أن يترك أي بصمات تدل عليه.. ولكن هل من الممكن أن تحدث كل هذه الأمور هكذا.. دون أن..

الرقيب سالم: ماذا تقصد.. اها لقد فهمتك دعني أخمّن.

النقيب راشد: يبدو أن الحاسة السادسة بدأت تؤتي ثمارها معك.. تفضل فأنا أسمعك.

الرقيب سالم: من غير المعقول أن تتم مراحل الجريمة هكذا وببساطة في هذا الحي دون أن يلاحظ أحد شيئاً ما.. ماذا لو أن الجريمة وقعت في مكان ما بالقرب من هنا؟

النقيب راشد: كنت على علم بأنك سوف تخمن كالعادة بأبعد مما هو متوقع.. نعم قد تكون الجريمة وقعت في مكان آخر قريب من هنا.

 

حماس

ازداد الحماس لدى كل منهما وهبّ الرقيب من مكانه كي يتخيل السيناريو الجديد.. القتيلة قبل وقوع الجريمة كانت في مكان آخر.. ولِمَ

لا يكون.. ونظر إلى النقيب راشد والذي وافاه بالإجابة مبتسماً: منزل مخدومتها.. السيدة عوشة.. لمعت عينا الرقيب سالم، وراح يجول ببصره في المكان.. إذن القاتل لا محالة هو أحد الموجودين هناك.

النقيب راشد: وإن لم يكن كذلك، فمن المؤكد أننا قد اقتربنا منه كثيراً.. اطلب العريف شيخة لمرافقتنا إلى منزل السيدة عوشة.

وصلوا إلى منزل السيدة عوشة، بعد دقائق قليلة، وبعد الاستئذان وإبقاء العريف شيخة في غرفة الجلوس، بدأ كل منهما في تفحص الفناء الخارجي له إلى أن وصلا إلى الباب الخلفي.. نظر كل منهما للآخر نظرة سريعة قبل أن يفهم الرقيب ما يدور في خلد النقيب.. يبدو أن هذا الباب يوصل إلى.. وفتح الرقيب الباب ونظر كل منهما خارجاً.

النقيب راشد: حسناً، فقد تأكدت شكوكنا بشأن أن الطريق من هنا يؤدي إلى موقع اكتشاف جثة القتيلة.

الرقيب سالم: نعم يا سيدي، فالمسافة من الباب الأمامي بعيدة، ولكنها من هنا قريبة.. ولكن ما الذي أوصلها إلى هناك في مثل تلك الساعة؟

النقيب راشد: هذا ما سنكتشفه قريباً.. يبدو أننا سنحتاج إلى من يدون اعترافاً.. قريباً..

دلف كل منهما إلى داخل الفيلا.. وصولاً إلى غرفة الجلوس، حيث كانت العريف شيخة تتجاذب أطراف الحديث والسيدة عوشة، والتي استهلت اللقاء بقولها: أهلاً وسهلاً.. كيف حالكم.. أتمنى أن تكونوا قد وفقتم في العثور على الفاعل.

النقيب راشد: قريباً إن شاء الله.. وقد كنا نتساءل إن بمقدورنا التحدث قليلاً مع ياسمين.

السيدة عوشة: بكل تأكيد.. اعذروني لحظات.

هل من الممكن أن تكون ياسمين على معرفة بقاتل راني، ظلت هذه الفكرة تجول في بال النقيب خلال اللحظات التالية.. وقطع حبل تلك الفكرة صوت ناعم كانت صاحبته واقفة بالقرب من باب الغرفة:

كيف حالكما؟

النقيب راشد: الحمد لله، من المؤكد أنك.. سلامة..

سلامة: نعم، وتشرفت بوجودكم معنا.. ولكنني أريد معرفة شيء ما.. ولا أدري إن كان بمقدوري ذلك، أم هو من أسرار العمل المحظور التعامل بها إلى حين التعرف على القاتل.

تبادل الاثنان نظرات الاستغراب والدهشة..

النقيب راشد: تفضلي.

سلامة: هل تعرفتم على القاتل؟

اكتفى النقيب بإخفاء ابتسامة خفيفة وهو ينظر إلى مساعده، ثم قال: إننا ما زلنا نبحث عنه.. ولكن يمكن القول بأننا قد اقتربنا منه كثيراً.

سلامة: أتمنى ذلك، حتى تستطيع ياسمين العودة إلى طبيعتها..

النقيب راشد: ياسمين؟.. وماذا حلّ بها؟

سلامة: المسكينة منذ وقوع الحادث وهي تتصرف بغرابة..

الرقيب سالم: هل باستطاعتنا معرفة مدى غرابة التصرفات التي تقوم بها.

 

مخاوف

التفتت سلامة حولها وكأنها تترقب ظهور أحد ما، ومن ثم تابعت حديثها: منذ وقوع الحادث وهي تتوسل إلى والدتي في أن تنهي إجراءات سفرها لبلدها. والغريب أنها كانت دوماً ترتعب لمجرد تخويف زوجة أخي لها بإبعادها إن أخطأت في عملها.. ولكنها اليوم باتت ترجو والدتي إقناع أخي بالإسراع في تحقيق طلبها بحجة أنها حزينة لوفاة صديقتها راني.

النقيب راشد: اها.. وشمس الدين..؟

سلامة: شمس الدين.. لا أعرف عنه شيئاً، ولكنني تذكرت شيئاً ربما يساعدتك في تحقيقاتكم لطالما رفضت ياسمين التنظيف في الفناء الخلفي للمنزل، ولكنها في صباح اليوم الذي تم العثور فيه على جثة القتيلة.. قامت بذلك.

النقيب راشد: هكذا إذن، وتبادل كالعادة النظر مع الرقيب سالم..

سلامة: لقد لفت نظري تصرفها في ذلك اليوم.. وقد اكتشفت مؤخراً أنها..

هنا سمعوا صوت أقدام متوجهة إليهم.. إنها ياسمين تهم بالدخول إلى الغرفة.

انحنت سلامة قليلاً لجهة النقيب وهي تهمس إليه قائلة إنها تحتفظ بهاتف راني منذ ذلك اليوم رغم ادعائها اختفاءه باختفاء صاحبته.

جلست ياسمين وقد بدت منهكة ومتعبة.. بقيت للحظات صامتة إلى أن بدأ النقيب بالحديث: حسناً يا ياسمين.. هل ما زلت مصرة على ما لديك من أقوال؟

ياسمين: نعم.. أنا لم أفعل شيئاً.. وليس لي أي علاقة بأي شيء يخصها.

النقيب راشد: أتعتقدين ذلك فعلاً؟

ياسمين: لم كل هذا.. لقد أخبرتكم بما لدي.. ماذا عساي أن أفعل كي تصدقوني؟

النقيب راشد: ببساطة يمكن أن تخبرينا عن سبب قيامك بتنظيف الفناء الخلفي صباح ذلك اليوم؟

هزت رأسها ياسمين فجأة وهي تقول: لا.. أنا.. أنا.. وما الغريب في ذلك؟ لقد اعتدت على أن..

النقيب راشد: والهاتف المحمول الذي يخص القتيلة هل اعتدت على اخفائه؟

ياسمين: ماذا.. هاتفها؟.. كنت سأسلمه لسيدتي اليوم، ولكنني نسيت، سوف أحضره الآن.

ودخلت فجأة سلامة ومعها أخوها ناصر، حيث بادرها ناصر قائلاً: لقد وفرنا عليك عناء إحضار الهاتف، تفضل يا حضرة الضابط.

النقيب راشد: لقد تصورت لوهلة أنك الأذكى وأنك سوف تخفين الحقيقة للأبد.. ولكنك لم تقدري أن يراك أحدهم في تلك الليلة وأنت..

هنا هبت واقفة وهي تصرخ: لم أفعل شيئاً.. لم أقصد إيذاءها.. لقد سئمت إزعاجها لي.. وعندما واتتني الفرصة.. أقدمت على..

النقيب راشد: على ماذا.. قتلتها؟

صمتت لوهلة والجميع مترقب ما ستقوله، بدت مجهدة تحاول التحكم

بأعصابها.. وفجأة جاء ردها: في تلك الليلة خرجت كعادتها خلسة ولكنها عادت بعد دقائق وهي غاضبة.. كانت تكيل لشمس الدين الشتائم، وقد بدت وكأنها قد تشاجرت مع شمس .. ولم تمض سوى لحظات قضتها في الوعيد والتهديد بأن تخبر السيدة بضرورة وضع حدلتصرفات شمس الدين.. حتى كانت تستعد للخروج من الغرفة مرة أخرى.. حاولت ثنيها عن الخروج في تلك الساعة المتأخرة من الليل، لكنها دفعتني بقوة وخرجت.

لحظات مضت وياسمين تحاول التقاط أنفاسها بصعوبة، والجميع يصغي لها باهتمام:

تبعتها وقد بلغ الخوف مني الكثير.. فلقد خفت أن يعود أهل البيت والذين كانوا يلبون دعوة لحضور أحد أفراد العائلة في إمارة أخرى إلى البيت باكراً وينكشف المستور.

الرقيب سالم: وما هو هذا المستور؟

كان الكل يستمع لها باهتمام وشوق إلى سماع الجملة الحاسمة..

ياسمين: لقد اعتدنا أنا وراني على الخروج ليلاً بعد أن ينام الكل.

النقيب راشد: اها.. أعتقد أن الأماكن التي كنتم ترتادونها غنية عن التعريف.. أليس كذلك؟ ولكن ما علاقة شمس الدين بكل هذا؟

ساد الصمت المكان فجأة، تنهدت ياسمين بقوة لتكمل قائلة: لا شك بأن ما كنا نقوم به يعتبر تهوراً وسبباً كافياً لقطع أرزاقنا.. وقد فوجئنا بشمس الدين في أحد المرات وهو ينتظرنا في الفناء الخلفي للمنزل حال دخولنا. وفي الحقيقة قضينا قرابة الساعة نتوسله في عدم إخبار السيدة حيث إننا وعدناه بعدم تكرار ذلك، ليوافق على مضض.

توقفت للحظات وكأنها تستميحهم عذراً في أن تسترسل أكثر.. وأومأ النقيب لها بالإيجاب، وأكملت قائلة: منذ تلك اللحظة لم أعد أخرج إلا مع سيدتي، أما راني فقد ظلت على عادتها وهو سبب الشجار بين الحين والآخر بينها وبين شمس.

 

عراك

ليلتها خرجت منزعجة إلى الفناء الخارجي، ولم أتجرأ على الخروج إلى هناك، فقد فاجأها شمس الدين وأمسك بها محاولاً ثنيها عن الخروج..

وبدأ العراك بينهما.. هنا كان لا بد أن أوقف هذا العراك قبل أن يتسبب في ما لا تحمد عقباه.

بدأت بتهديده بإخبار السيدة بكل شيء.. حاول إسكاتها بوضع يده على فمها.. ولما طالبت محاولة إسكاتها سقطت مغشياً عليها.. ذكر شمس الدين.. وأخذ يجول بنظره بأرجاء البيت.. لم يكن هناك أحد..

وفجأة ركض باتجاه الباب الخلفي وهو يقول: لا أريد أن أسجن.. يجب أن تتحملوا نتيجة أفعالكم.. ولن أتحمل مصائب غيري.

وفجأة وجدت نفسي لوحدي.. ماذا لو كشف أمري.. ماذا لو عرف موضوع زيارتي لطبيبة الأمراض النسائية وإجرائي للعملية.. لا لا يمكن أن أسمح لها بكشف أمري.. فقد تبت الآن وعاهدت نفسي على الإخلاص لهذه العائلة.. ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أسرع إلى المطبخ الخارجي لأضع القفاز الخاص بالتنظيف.. واقتربت منها لأطبق على عنقها.. غير عابئة بأنينها ومحاولتها للتخلص من بين يدي.. وما هي إلا لحظات حتى فارقت الحياة.

تنفس الجميع الصعداء، فقد اعترفت بارتكابها للجريمة لتوها.. وبعد موجة من نوبات البكاء المتتالية.. أردفت قائلة: أصبت بذهول كبير.. لم أعد قادرة على التفكير.. يجب أن أبعدها من هنا.. لن تتسبب في قطع رزقي.. ولم يكن من الصعب عليّ حملها إلى خارج المنزل.. وقتها خلا المكان من المارة وهو ما ساعدني أيضاً على التخلص منها وتركها هناك.

صدقوني.. لا أعرف لم تصرفت هكذا؟

النقيب راشد: وعليه عدت إلى البيت. وفي الصباح الباكر قمت بتنظيف الفناء الخارجي ومحاولة طمس الآثار الخارجية.. لكن شيئاً لم يكن.. ولكن ماذا عن شمس الدين لم لا يعترف؟

ياسمين: عندما عاد في الصباح استفسر مني عما حصل فأفهمته بأنها عادت إلى وعيها وقد خلدت إلى النوم.. ولكنني استيقظت في الصباح كسائر من في البيت على اختفائها.. وقد انطلت عليه الخدعة على مضض.