تمثل قصة هذه الجريمة، جانبا من الأسلوب الجديد الذي أطلقته القيادة العامة لشرطة دبي
في توعية أفراد المجتمع من الجريمة، والذي يعتبر الأول من نوعه عالميا، كأسلوب مبتكر وحديث اعتمد الشكل الأدبي في التوعية، وذلك لتحقيق غاية هامة تتمثل في الاحتياط والحذر من الوقوع ضحايا للجريمة فيما لو واجهوا نفس الظروف التي وقع فيها ضحايا القصص التي أوردها الكتاب الأدبي الذي أصدرته شرطة دبي .
استيقظ صباحاً كعادته والكسل يداعب أجفانه وأخذ يحاول التذكر بصعوبة وتمنى لو أن هذا اليوم يصادف يوماً من أيام الإجازة الأسبوعية أو أي يوم عطلة رسمية. المهم أن لا يغادر فراشه المريح وغرفته الباردة كالثلاجة والخروج للتوجه للعمل في يوم أشد أيام أغسطس حرارةً. إلا أن أمنياته تحطمت على صخرة تسمى يوم الخميس وهو آخر أيام الأسبوع الوظيفي.
حارس هذا اسمه وليست وظيفته التي يعمل بها في أحد البنوك الشهيرة بالدولة منذ ثلاثة أعوام. تدرج في سلم الوظيفة خلفاً لوالده (أرشد) الذي أفنى عمره في خدمة نفس البنك لمدة ثلاثين سنة كرئيس للمحاسبين. عُرف عنه الصلاح ديناً ودنيا دمث الأخلاق. بشوش الوجه لم يحتك مع أحد من موظفي البنك بسلمه الوظيفي وهيكله. إلا أثر فيهم بحسن تعامله وعفويته غير المتكلفة. أطلق عليه لقب مطارد الحسابات الخفية. حيث إنه متخصص في كشف تلاعب محاسبي البنك من ضعاف النفوس الذين يعتقدون أنهم يستطيعون الاستيلاء على بعض الفتات من حسابات العملاء عبر تحويلها في حسابات وهمية قاموا بإنشائها.
شاب طموح
حارس بن أرشد تم تعيينه في البنك بنفس يوم تقاعد والده، وهو يكاد يكمل من العمر عقده الثاني. شاب طموح مندفع تتراقص أمامه أحلام الثراء والمشاريع الخارقة. تعجبه السيارات الفارهة. الواقفة أمام واجهة مكتبه الصغير المحشور في زاوية المدخل الرئيسي للبنك، يمتلك عيوناً زائغة تتبع الجنس الناعم أينما يكون. لديه تجارب فاشلة للتقرب من زميلات العمل رغم اختلاف جنسياتهن. ليس لديه صديق مقرب في العمل لكون معظم الموظفين في الأساس هن موظفات بما فيهن مديرة البنك «أميرة»، وهي مواطنة عاصرت العمل مع والد حارس «أرشد». وكان ذلك السبب الرئيسي لعدم طرده من الوظيفة بسبب بعض من أيام الغياب. وبعض الشكاوى الصادرة من الجنس الناعم كما أسلفنا.
كلما دخلت أميرة من باب البنك صباحاً تتبعها نظرات حارس الحاقدة المتمنية سقوطها أو تعثرها في المسيرة، يتذكر كلمات والده عن الأمانة والنزاهة في العمل فيتأفف ويتذكر راتبه الشهري الذي لا يسد جوع أحلامه الثرية، فترجع نظراته للسيارات المارة أمامه مرة أخرى ويشد انتباهه وجود العملاء أمام فتحة مكتبه وهم يعدون مئات الألوف من الدراهم تمهيداً لإيداعها في حساباتهم السمينة، الذي يأتي دوره فقط في لمسها دخولاً وخروجاً. هوايته في وقت الفراغ وضع رزم النقود على آلة العد الأوتوماتيكية ورؤية أجمل خدعة سحرية شاهدها في حياته باختفاء الرزمة من جهة وبروزها من الجهة الأخرى. وهو خصم المتعة، تذكر دور والده عندما كان يداهم المحاسبين في أيام الوعيد «كما كان يطلق عليه» للتدقيق وجرد العهدة المالية لكل محاسب، وهم يتصببون من العرق، حتى وصلت به الدقة لكشف عجز يبلغ دراهم قليلة عند أفضل محاسبي البنك، ورجع بتفكيره للوقت الراهن. حيث انه كما قلنا سابقاً يعمل بوظيفة محاسب منذ ثلاث سنوات لم يتخللها إجراء تدقيق على عهدته ولو لمرة واحدة، حتى أصبح هو لا يليق بنفسه في وجود عجز من عدمه. هوايته الثانية كانت في ارتياد نوادي الانترنت، وبالأخص الذي يقع بالقرب من مسكنه والمملوك لأحد أصدقائه من نفس جيله يدعى «لطيف»، وهو رجل يحب المواقع الإباحية التي يمكن الولوج إليها بدون إزعاج الأخ «البروكسي»، وكثيرا ما كان يتجاذب أطراف الحديث مع صديقه حارس عن أحلام الثراء ونيته الهجرة لإحدى الدول الأوروبية الجاذبة للشعوب ومنح الجنسية.
اتفاق الشر
ولإبراز أهميته في وظيفته كان حارس يبوح لزميله لطيف بما يجري في مقر عمله من أحداث يومية.. تحركات الحساب والأمور الإدارية وبعض الإجراءات الأمنية البالية التي تتبعها إدارة البنك في حمايته من الدخلاء، وهنا تلاقت نظرات الاثنين لثوان معدودة، وصدرت لمعة خفيفة بأعينهما لا تبشر بخير ولا تحمد عقباها.
في ذلك الخميس نهض أخونا حارس مبكراً على غير عادته ولم يدع تفكيره ينشغل في حسبة أيام الأسبوع، كما كان يفعل سابقاً، وارتدى ملابس العمل الأنيقة وتوجه سيراً لمحطة الحافلات التي اعتاد ارتيادها متأخراً، وركب راحلته التي أنزلته بالقرب من مقر عمله. وبخطوات واثقة وسريعة وصل لمدخل البنك ليجد عامل النظافة المدعو «كبير» يرحب به ويلقي عليه تحية الصباح، مذيلة باستغراب الوصول المبكر للعمل. لم يعره أي اهتمام واكتفى بإصدار تمتمة خفية المعاني، المجسدة للمثل القائل «وما خفي كان أعظم»، تتابع وصول الأخوات الموظفات وتتابعت معه نظرات الاستغراب التي تلاحق حارس لوصوله قبلهن، في مشهد قل مثيله ودارت عجلة العمل اليومية بهدوء معتاد وبإقبال كثيف من العملاء لكونه آخر أيام الأسبوع. ومرت الدقائق تتبعها الساعات وصولاً للساعة الثانية عشرة ظهراً، وهو الموعد المخصص لإغلاق الخزنة ومغادرة معظم العملاء، ليتفاجأ جميع الموظفين بذلك المقنع الذي يدخل عليهم من باب الطوارئ حاملاً بيده مسدساً ضخماً أسود اللون، ويقوم بإطلاق عدة أعيرة لأعلى من باب التهديد. اعتقد الجميع في البداية بأن ذلك مشهد من أحد الأفلام الهوليودية أو البوليودية، إلا أن ذلك الاعتقاد لم يدم طويلاً عندما توجه المقنع لمكتب مديرة الفرع «أميرة» وقام بتسديد لكمة قوية «تايسونية» ألقت بها في حالة إغماء فورية، حينها قام المقنع بإطلاق عيار آخر للأعلى طالباً من جميع الموظفات الانبطاح أرضاً بأسرع وقت، أو أن هناك عقوبة صارمة تنتظرهن. وعلى الفور تملك الهلع والذعر الجميع وانصعن للأمر مكرهات. إلا أن هناك شخصية بطولية برزت من العدم تسمى حارس، الذي واجه المقنع المسلح وطلب منه الهدوء وعدم إيذاء أي من الموظفات، وأنه سيلبي جميع طلباته، والذي كان يحمل على كتفيه حقيبة جلدية سوداء كبيرة ناولها لحارس طالباً منه تعبئتها بالرزم النقدية الموجودة بقسم المحاسبين، وما هي إلا دقيقتان من بدء الهجوم حتى كانت الحقيبة محملة بما يبلغ الأربعة ملايين درهم، وصاحبها خروج المقنع من المكان الذي دخل منه واختفاؤه من الوجود على عجل، ثم قام بطلنا بإطلاق زر الإنذار المربوط بغرفة عمليات الشرطة وبعدها سارع للاطمئنان على زميلته المسجاة بأرضية مكتبها، والدماء تنزف من أنفها بغزارة، وما هي إلا دقائق حتى عجّ البنك بعشرات من أفراد الشرطة والإسعاف القادمين لنجدة المستصرخات، وجميعهن، وبلسان واحد، يشدن بالتصرف الحكيم الذي أبداه حارس في حماية أرواحهن من ذلك المقنع الخطير.
في نفس الوقت كان ضابط المباحث عادل يقوم بري حديقة منزله الخاصة، التي قام بترتيبها بمشقة كبيرة من بداية الصباح وحتى اقتراب الظهيرة في قيظ قل مثيله. عندما رن هاتفه المتحرك لتزف إليه الأخبار العاجلة التي أجهزت على فرحته بالحديقة الجديدة، ليقوم بأخذ حمام سريع ويتوجه لمسرح الحادث في أسرع وقت ممكن، وبوصوله للمكان هاله المنظر من كثرة أفراد الشرطة والدوريات الموزعة في كل مكان وطائرات الهليكوبتر المحلقة في أجواء المنطقة، واستطاع بشق الأنفس الوصول إلى مقر عمل البنك بعد أن أبرز بطاقته العسكرية لعشرين حاجز طريق تقريباً، وما إن ولج لاستقبال البنك حتى وجد في انتظاره مدير المباحث مبارك، الذي بالفعل قام بتشكيل فريق بحث أكمل عقده وصول الملازم عادل للمكان.
التحقيق
وقام الفريق بمعاينة سريعة لأحداث عملية السطو عن طريق ما تم تسجيله بكاميرات المراقبة الداخلية للبنك، وعقد لسانهم مدى شجاعة وجرأة المقنع الذي صال وجال في استقبال البنك دون أدنى رادع يصده عن فعلته. وعلى الفور اتجه الفريق لمعاينة مكان دخول المقنع من خلال باب الطوارئ الخلفي والمطل على المواقف السفلية للبناية، وانتشر الفريق فيما يسمى بالطوق الأول على مسرح الجريمة لطرح الأسئلة والاستفسار من الشهود الذين قد يكونون متواجدين، والسرعة مطلوبة هنا لإمكانية مغادرة الشهود، وبالتالي اختفاء معلومات مهمة تساعد في سير التحقيق. وسرعان ما بدأت أول الخيوط تنكشف في إفادة حارس البناية، الذي أفاد بوجود سيارة من نوع هوندا سيفيك بيضاء اللون كانت تقف بطريقة ممنوعة، وفي حالة تشغيل بالقرب من باب الطوارئ بداخل المواقف السفلية للبناية، وأنه قام بتسجيل رقمها وهو 11941 تصدير دبي، وهي لوحة زرقاء اللون. وبسرعة انتعشت آمال الفريق في ضبط المتهم، لكنها ارتطمت على صخرة اليأس، حيث اتضح بأن الرقم المذكور تم الإبلاغ عن سرقته قبل أسبوع من تنفيذ جريمة السطو في إحدى الإمارات القريبة، ليرجع الفريق إلى نقطة البداية.
وهنا هب الملازم عادل من جلسته ليعود أدراجه لاستقبال البنك الذي لا يزال يعج برجال الشرطة والخبراء المختصين من إدارة الأدلة الجنائية، الذين يحاولون إيجاد أدنى دليل يوصلهم للمتهم وكشف شخصيته. همّ الملازم عادل إلى غرفة المراقبة التي تتواجد بها القيادات العليا للشرطة، وطلب مقابلة مديره مبارك على وجه السرعة.
وقام الملازم عادل بمراقبة شريط التسجيل مرة أخرى، ولكن هذه المرة قام بحساب الوقت المستغرق لتنفيذ الجريمة ليتضح له أن المقنع ارتكب جريمته في دقيقة و45 ثانية فقط، وهو وقت قياسي وسريع جداً في مثل هذه الحوادث، وبمعاودة الشريط عدة مرات شدّ انتباهه شجاعة أخينا حارس الذي هرع لمواجهة المقنع في وقت كان معظم زملائه ملقون على الأرض من الخوف والهلع، وحاول تتبع كاميرات المراقبة لمكتب المحاسبة الذي يعمل به حارس، إلا أن زاوية التصوير توقفت في مكتبه بمسافة بسيطة، وبالتالي لم يتسن له رؤية ما دار داخل مكتب حارس في أثناء ما كان يضع رزم النقود داخل حقيبة المقنع، وهذه ملاحظة قام بتسجيلها في دفتره الصغير. وبسؤاله عن المبلغ الذي تم السطو عليه من البنك اتضح أنه حوالي أربعة ملايين درهم.
شكوك جديدة
لم يقتنع عادل بما تم مشاهدته اليوم من أحداث درامية للعملية، فقام بطلب غريب وجهه لمسؤول الأمن، وهو استرجاع الأشرطة المسجلة للأحداث اليومية للأيام السابقة كي يقوم بمشاهدتها على راحته بمكتبه في قيادة الشرطة، وهو ما تم تلبيته بسرعة. وأثناء خروجه من الاستقبال الرئيسي شاهد المعجبات مازلن يحطن بالبطل حارس ويشكرنه على إنقاذهن، وهو مزهو كالطاووس يوزع ابتساماته في كل مكان. وما ان تلاقت نظراته مع الملازم عادل، حتى توقفت تلك الابتسامة ورجعت من حيث أتت، يتبعها قسم للولاء الذي عاهد به عادل قيادته بأن يقبل التحدي الذي فُرض عليه، وأنه على قدر المسؤولية في إماطة اللثام عن وجه المقنع وإخضاعه للعدالة. وفي قيادة الشرطة جلس الملازم عادل في مكتبه يرتشف أول فنجان شاي يشربه في ذلك اليوم الشاق، وأخذ يجهز أشرطة التسجيل التي أحضرها معه ليقوم بمشاهدتها، وهي كما قلنا مسجلة لأحداث نفس الأسبوع الذي حصلت فيه جريمة السطو المسلح، حيث إن الجهاز المبرمج للتسجيل من الساعة السابعة والنصف صباحاً حتى الساعة الثانية ظهراً، وهو موعد الإغلاق، ولاحظ عادل أن البنك مزود بأربع كاميرات وجهت أولاها للاستقبال، والثانية لمكاتب الصرافين والثالثة على الخزنة الرئيسية للبنك والأخيرة على جهاز الصراف الآلي الموجود بالقرب من المدخل الرئيسي، وأكثر ما شدّ انتباه الملازم هو اختلاف زاوية التصوير الخاصة بالكاميرا الأكثر أهمية، وهي الكاميرا الثانية الموجهة ناحية مكتب الصرافين، والتي لم تكن ذات فاعلية في صباح هذا اليوم، حيث إن زاويتها مختلفة تماماً ولا تظهر ماذا دار من أحداث بين الصراف حارس، واللص المقنع أثناء تعبئة حقيبته بأموال البنك. قفز الملازم عادل من جلسته واستعرض جميع الأشرطة التي أمامه ورجع يقارنها بشريط اليوم. وعندها اكتشف الفارق وأن حدسه لا يخدعه، وأن هناك شخصا متورطا من داخل البنك.
كشف المستور
توجه حارس بعد يوم من أكثر الأيام روعة في حياته إلى مقر سكنه وهو يتذكّر الإطراء الذي حصل عليه حتى من ألدّ أعدائه وظيفياً، وهو مديرته «أميرة»، التي وعدته بأنها سترفع فيه توصية للترقية نظير ما قام به اليوم من عمل شجاع حافظ على حياة الموظفين جميعاً.
وفي هذه الأثناء لم يخطر ببال حارس أن هناك أربعة أعين تتبعه.. أعين لن تمسها النار بإذنه تعالى، لأنها باتت تحرس في سبيله، وعازمة على كشف ملعوبه. ولج حارس غرفته الصغيرة ولم يخرج منها إلا في منتصف الليل متوجهاً كعادته إلى مقهى الإنترنت، وهو في شوق كبير ليلاقي صديقه لطيف، ليحكي له البطولة المزيفة وتقسيم نصيبه من العملية، وبينما هما غارقان في لذة الثراء السريع ويتفرجان على حقيبة الأموال المنهوبة، داهمهما جند الله من حيث لا يعلمان، وتم شلّ حركتهما، وبإنارة الأضواء تقدّم الملازم عادل من حارس بهدوء وسكينة وقال: لا تعتقد بأن ما قمت به ينطلي علي، فإنك كشفت جريمتك بنفسك.
