تمثل قصة هذه الجريمة، جانبا من الأسلوب الجديد الذي أطلقته القيادة العامة لشرطة دبي
في توعية أفراد المجتمع من الجريمة، والذي يعتبر الأول من نوعه عالميا، كأسلوب مبتكر وحديث اعتمد الشكل الأدبي في التوعية، وذلك لتحقيق غاية هامة تتمثل في الاحتياط والحذر من الوقوع ضحايا للجريمة فيما لو واجهوا نفس الظروف التي وقع فيها ضحايا القصص التي أوردها الكتاب الأدبي الذي أصدرته شرطة دبي .
يستدعي المحقق (حميد) الشرطي لإعادة (أبي محمد) إلى الحجز من جديد. فإن الأمور لا تزال غامضة وليست في صالحه. ليستدعي السيدة سلمى بعد خروجها من المستشفى إلى المركز لإكمال التحقيق:
ــ سيدة (سلمى) ما الذي دفع السيد (أبا محمد) للزواج بك؟
ــ إنه الحب والإعجاب يا سيدي.
ــ ولكنه قال غير ذلك.
ــ ما الذي يمكنه قوله؟
ــ هذا ما أريد سماعه منك.
ــ ليس لدي ما أقوله. غير الذي قلت.
إن إصرار كلا الطرفين على أقواله لم يقنع المحقق (حميد) لذلك لم يكن أمامه سوى تكبير حلقة الاشتباه ليُضاف إليها كلاً من أبناء السيدة سلمى. وشقيق السيد (أبا محمد) وزوجته والجيران والأقارب المقربين من كلا المتهمين. لذلك حقق المحقق (حميد) مع الجميع وأولهم أبناء السيدة سلمى.
ــ ما اسمك وعمرك وعملك؟
ــ سيدي. اسمي مهند أبلغ من العمر ثلاثين عاماً ولدي ثلاثة من الأبناء. وفي الوقت الحالي لا أعمل شيئاً بعد أن كنت مساعداً في ورشة لتصليح السيارات.
ــ أين كنت في يوم الجريمة؟
ــ كنت عند أمي. حيث اتصلت بي لتخبرني بأنها تريد رؤيتي. وعند ذهابي إليها أخبرتني بأنها خائفة ولم تخبرني لماذا. لذلك آثرت النوم لديها.
ــ ومتى خرجت في الصباح من عند والدتك؟
ــ كانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحاً. حيث استيقظت ولم أجد أمي. فارتديت ملابسي ونويت الخروج للبحث عن عمل. ثم أتيت بزوجتي وأبنائي للمكوث عند أمي. لإصرارها على الخوف والقلق الدائمين.
ــ ألم تتعجب لعدم وجود أمك في ذلك الوقت؟
ــ لا أنا معتاد على خروجها منذ الصباح. وهذا ما كان أساس المشكلة بينها وبين أبي المتوفى.
ــ ألم تحاولوا سؤالها عن سبب الخروج باكراً؟
ــ بلى. ولكن كانت تخبرنا بأنها عند الجيران وتارة أخرى لجلب حاجيات للمنزل.
ــ شكراً لك. تستطيع المغادرة.
متابعة
ليكون اللقاء مع الابن الثاني ليس بأفضل من الأول لتشابه الكلام والإجابات. ومع إكمال التحقيق مع البقية كانت النتيجة بأن السيدة سلمى امرأة تحب معرفة كل شيء وغامضة في تحركاتها. فما كان من المحقق (حميد) سوى استدعاء السيدة سلمى ليخبرها ببراءتها المطلقة ليؤكد لها عدم تعرضها لأية مساءلة قانونية بعد اليوم. وعند سؤالها عن السبب أجاب بأن السيد (أبا محمد) اعترف بجريمته التي سيُعاقب عليها أشد العقوبات. لتخرج السيدة وعلامات التعجب تملأ وجهها.
لم تطمئن السيدة (سلمى) لما قاله المحقق إلا بعد مضي عدة أسابيع لتقرأ في إحدى الجرائد عن خبر إعدام (أبي محمد) لجريمته التي صارت حديث الشارع الدائم.
وفي صباح يوم الجمعة حضر مساعد المحقق (سالم) إلى المركز باكراً ليكون في استقبال المحقق (حميد) وحالما دخل المحقق إلى المكتب أسرع إليه قائلاً:
ــ سيدي لقد وقعت السيدة.
ــ ما الذي تقوله؟ ماذا حدث؟
ــ خرجت السيدة بالأمس من بيتها في الصباح الباكر، بعد أن تخلت عن هذه العادة لفترة وجيزة. وعند ملاحقتي لها اكتشفت بأنها تذهب إلى ورشة قديمة ليكون أبناؤها في انتظارها وبعد مضي عدة ساعات على مكوثهم في الورشة يحضر سيد طويل القامة، كثيف الشعر يدل هندامه وسيارته على الثراء الذي يعيش فيه. وعندما تشير الساعة إلى التاسعة والنصف تخرج السيدة (سلمى) وهي تحمل كيساً كبيراً وسرعان ما يتبعها أبناؤها بعد تحية السيد الثري. في البداية كانت الأمور غامضة لدينا ولكن بعد المتابعة والتحري توضح لدينا أن السيدة عندما تدخل الورشة تكون قصيرة القامة. هزيلة الجسم. ولكن عند خروجها فإنها تكون طويلة القامة هيئتها كرجل في منتهى القوة. ليتضح لدينا بأن الأدوار تتبدل في الورشة، فالسيدة ينتحل شخصيتها ذلك الرجل الغامض ليخرج مع أبنائها وهي تعود إلى السيارة لتأخذ دوره.
سالم: يجب عليك أن تتبع ذلك الرجل وسأكلف أحد الرجال ليتبع السيدة لنرى ما يخفيان. يجب عليكم معرفة كل هذه الأمور قبل غروب الشمس غداً. فلدي إحساس بأن الجريمة أكبر من قتل امرأة وطفلين.
ــ حاضر سيدي.
شكوك
لم يكن من المحقق (حميد) إلا الاتصال بالطبيب (راشد) لموافاته بآخر المستجدات بتشريح جثة الأم. لتكون الأخبار كالمعتاد فالمرأة قُتلت بسكين طويل يُستخدم في المطبخ ولكن ما أثار دهشة المحقق هو وجود قطرات من الدم ليس للضحية. وعند خضوع السيد (أبا محمد) للفحص الطبي لم يكن دمه. وعند دخول الطبيب لبعض السجلات الخاصة بالمتهمين لم تكن لأي منهم سوى السيدة سلمى أو أبنائها.
ليصمت المحقق (حميد) لتكون نظرات النصر بادية على وجهه. لينهي المكالمة بقوله:
ــ شكراً لك أيها الطبيب. لقد فهمت الآن.
وفي عصر اليوم التالي تم القبض على السيدة سلمى وأبنائها وذلك الرجل الغامض مرتدي ملابس السيدة (سلمى) وعند التحقيق معهم آثر المحقق البدء بالسيدة سلمى (التي هي بالحقيقة ذلك الرجل).
ــ اخلع هذا الرداء الذي تضعه على رأسك لأوقن أنني أتحدث مع رجل.
ــ ما الذي تقوله، أنا امرأة عجوز ضعيفة. ما الذي تريدونه مني؟
ــ لا تحاول تعقيد الأمر علينا أيها السيد.
ــ أنا لا أعقده، أحضر شرطية ودعها تتحقق من الموضوع.
لتخضع السيدة للتفتيش من قبل إحدى الشرطيات. لتؤكد بدورها بأنها امرأة ولتأكيد الأمر خضعت لفحوص طبية تؤكد كلام الشرطية بذلك.
لم يكن من المحقق (حميد) سوى إخضاع السيدة الأخرى لفحص طبي. لتكون النتيجة بأن السيدة سلمى كانت تنتحل شخصية رجل هو في الأصل امرأة. وعن إكمال التحقيق مع تلك السيدة الغامضة كان ما يلي:
ــ ما اسمك وعمرك. وشخصيتك الغامضة تلك؟
ــ اسمي (شمس) وعمري 45 عاماً وليس لدي عمل محدد، فأنا أعمل بعدة أشياء مختلفة. بمعنى (أعمال حرة).
ـ مثل ماذا؟
ـ ملابس مختلفة وأدوات تنظيف وأشياء أخرى.
ـ ولماذا تنتحلين شخصية رجل؟
ـ تتشبهين. وأنت تحملين أوراقاً مزورة لرجل يدعى «مرزوق». ماذا تسمين ذلك؟
ـ سيدي إن العمل الذي أقوم به يتطلب الشخصية والجرأة. لذلك انتحلت شخصية مرزوق.
ـ دعينا من هذا فتلك قضية أخرى. ما علاقتك بالسيدة سلمى؟
ـ إنها والدتي. وقد كانت تعمل بالعمل الذي أقوم به في الماضي مع رجل يدعى «حسن» المكنى «بأبي محمد».
ـ وما علاقتك بذلك الرجل؟
ـ كانت سطحية وكنت أكرهه عندما كنت أراه يتقرب من والدتي. لحبي الشديد لوالدي الذي لم يكن يعلم شيئاً عما كانت تعمله أمي أو إخوتي.. لقد كان رجلاً طيباً مما ساهم ذلك في ضياع الأسرة بشكل مباشر.
ـ وما الذي تعرفينه عن «زوجته»؟؟
ـ لا شيء سوى أنها امرأة فاضلة. وكثير من الأحيان كنت أغبط أبناءها لأنها أم رائعة.
ـ ومن باعتقادك قد يرتكب مثل هذه الجريمة؟
ـ لقد حزنت حزناً شديداً عندما علمت بمقتلها، ولا أعلم من قد يكون ارتكب مثل هذه الجريمة.
ـ شكراً لك. وقعي على أقوالك.
ـ حسناً سيدي.
غموض
ومع استمرار التحقيق مع البقية، كانت الأمور تزداد تعقيداً فالكل اعترف ببعض الأمور المخالف للقانون ولكن مازال المجرم غير معروف أو ربما يكون قادرا على الصمود بشكل مدروس حيث لم يتأثر بأي ضغوط نفسية أو خوف مما قد توصلت إليه الشرطة.
وبعد مضي عدة أيام أبلغ المركز بمقدرة أحد الأبناء على التحرك والكلام بشكل بطيء. ليتوجه المحقق «حميد» إلى هناك وعند دخوله إلى الغرفة الخاصة بالطفلين. كان المنظر يوحي بمدى قسوة ذلك المجرم الذي كان المحقق «حميد» مستعداً للتضحية بنفسه لأجل معرفته. تقدم المحقق حتى أصبح قريباً من أحد الطفلين ليجلس على سريره. وقد آثر أن يكون بلباس مدني كي لا يفزع الولدين عند رؤيته بلباسه الرسمي.
ـ ليبدأ المحقق حديثه قائلاً:
ـ كيف حالك أيها البطل الصغير؟
ـ بخير يا عم ولكن أرجوك لا تذهب بي إلى المنزل أريد البقاء هنا.
ـ ولكن لماذا يا صغيري؟
ـ لا لا لن أخبرك. لأن أمي إن علمت ستقتلني.
ـ ولماذا؟
ـ لأنها تكره أختي وأبي وأنا أيضاً. فهي تحضر الكثير من الناس في الليل لتسهر معهم وتحبسني أنا وأختي في الغرفة أما أبي فتجعله يعد الطعام ويقدمه للضيوف.
ـ أليس أبوك رجلاً قوياً؟
ـ لا فهو يقول ذلك أمام الناس فقط.
ـ والآن أخبرني ما الذي حدث لك أنت وأختك؟
ـ عند عودتنا من المدرسة كانت أمي غاضبة جداً حيث بدأت تدخن بشراهة. وعند سؤال أختي عن الغذاء قامت بضربها. ثم بدأت بالبكاء لتقويم يحضني وهو تقول «بني لقد صرت رجلاً. حافظ على أختك وأعلم أنني أحبكما بشدة».
ـ ولماذا كانت على هذه الحال؟
ـ لا أعلم. ولكن عند وصول أبي بدأت بالصراخ ولا أعلم لماذا!
اكتفى المحقق بما سمع من الصبي لأن التعب بدا واضحاً عليه حيث قال في نفسه «هناك حلقة مفقودة يجب علي معرفتها. أما الصغيرة فلم تزل في غيبوبة لا يعلم متى تستيقظ منها إلا الله» لذلك بدأ المحقق «حميد» التحقيق مع «أبي محمد» من جديد ليبدأ «أبو محمد» حديثه:
ـ سيد «أبا محمد» ألا تخبرني بحقيقة زوجك «أم محمد» وما السر الذي تخفيه عنا؟
ـ سيدي في الحقيقة لقد كانت زوجتي رئيسة لعصابة تهريب بضائع إلى داخل وخارج الدولة. حيث كانت تخبرني على التعامل مع السيدة سلمى لمصلحة العمل ثم جعلتني أتزوج منها مكرهاً لكي لا تفضح أمرنا. وبعد عدة أيام من زواجنا سمعت السيدة سلمى تتحدث مع ابنتها عن موضوع العمل بمفردهما في هذا العمل غير القانوني. وعندما أعلمت زوجتي بذلك جن جنونها وقررت الانتقام وحزمت أمتعتها في حقيبتي وطلبت مني بعض ملابسي للبسها لم أدر في ذلك الوقت ما كانت غايتها وبعد خروجها. آثرت تهدئة الولدين وإطعامهما لتعود في المساء وهي تحمل الحقيبة بصراحة يا سيدي لم أرها منكسرة كذلك اليوم.
ثم أخبرتني بالذهاب إلى السيدة سلمى والنوم عندها. وهذا ما حدث فعلاً. لأتوجه كعادتي في الصباح إلى بيتي لأعد الإفطار لولدي وعند دخولي الشقة تفاجأت بوجود «أم محمد» مستيقظة وقد أعدت الطعام ثم خرجت مع الولدين. لقد أحسست لأول مرة بأن ولدي سعيدان مع أمهما. وبعد مضي وقت قصير عادت «أم محمد» ليدب الشجار بيننا ولم أعلم سببه لأخرج من المنزل غاضباً ومتوجها لعملي.
ـ وماذا حدث بعد ذلك؟
ـ لا أدري كل ما أعلمه قد اخبرتك به.
بدأ الغموض يتلاشى بعد ما عرف المحقق من «أبي محمد» وبعد ان اتصل الدكتور «راشد» ليخبر المحقق «حميد» بأنه وجد بصمة لأحد الأشخاص في تلك الحقيبة التي وجدوها في الشقة وكانت بالتحديد في علبة المساحيق وقد كانت البصمة للمدعو «عبدالغفور».
وضوح الصورة
حينئذ بدأ التحقيق مع «عبدالغفور» الابن الثاني للسيدة سلمى المعروف بشخصيته الهشة. فما ان جلس أمام مكتب المحقق حتى بدأت أطرافه بالارتعاش.
ـ عبدالغفور لقد وجدنا بصمتك على علبة المساحيق الخاصة بالسيدة «أم محمد» فما قولك؟
ـ لا أعلم شيئاً مما تقوله يا سيدي!
ـ اسمعني جيداً فالإنكار ليس في مصلحتك. وقول الحقيقة لك فأنت الآن المتهم الوحيد.
ـ حسناً. سأعترف بكل شيء ولكن أتعدني ان تحميني من أختي وأمي وأخوتي الآخرين؟
ـ نعم. فذلك واجب رجال الأمن. وأعدك ان قلت الحقيقة ان أساعدك بكل ما استطيع عليه. لأنك ساعدت رجال الأمن في معرفة الحق.
ـ أتت «أم محمد» إلي مقر العصابة في الورشة. وكان الغضب بادياً عليها لتبدأ بالتهديد والوعيد لكل من أمي وأختي. وحالما أخبرتها أختي بأنها ستعمل بمفردها مع أمي جن جنونها. لتقترب منها وتخبرها بأنها ستبلغ الشرطة عنها في حال قامت بأي عمل أهوج.
ـ وماذا حدث بعد ذلك؟
ـ سيدي خرجت «أم محمد» من المكان ولم نرها بعد ذلك. لنسمع بخبر مقتلها في صباح اليوم التالي عند زيارتنا لها في المستشفى.
ـ ولكن لم تخبرني عن سبب وجود بصمتك على العلبة!
ـ لقد طلبتها «أم محمد» مني لحاجتها إليها في التنكر عند خروجها من منزلها متوجهة إلى الورشة فقد كنت استخدمها في تنكر أمي وأختي عند تبادل الأدوار. ولهذا السبب كانت العصابة بحاجة لي. وبعد مضي عدة أسابيع تماثل الولدان للشفاء التام.
وعندما مقابلة المحقق لهما. كان الابن «خالد» قادراً على الكلام بشكل أفضل. ليخبر المحقق بأنه عند عودة أمه قامت بضربهما بعنف شديد حتى فقدا الوعي. وقال أيضاً بأنه شاهدها قبل ذلك تحمل السكين من المطبخ لتتقدم نحوهما وهذا ما زاد من فزعه ولم يشعر بعد ذلك بما حدث.
وبعد سؤال «أبي محمد» أكد بأن أم محمد كانت اذا فقدت أعصابها فإنها لا تدرك ما تقوم به أصلاً فهي تعاني من هذه الحالة منذ زمن بعيد. لينتهي الحقيق بأن أم محمد قامت بقتل نفسها بعد ضرب الولدين. وحكم على السيدة سلمى وأبنائها بعقوبات مختلفة لما قاموا به من فساد ومخالفات غير قانونية ومساهمة في نشر المنكر بين أفراد المجتمع.
أما «أبو محمد» فقد أدرك بأن شخصيته الهشة أمام زوجته كانت السبب في ما حدث لعائلته. ليحمل ولديه متوجهاً إلى مستقبل تمناه ان يكون أفضل. ومحاولاً إعادة الحياة السعيدة التي طالما تمناها لولديه.
في ذلك اليوم تعلم المحقق وجميع من ساهم في تلك القضية أهمية السعادة الأسرية وروعتها.
