تمثل قصة هذه الجريمة، جانبا من الأسلوب الجديد الذي أطلقته القيادة العامة لشرطة دبي في توعية أفراد المجتمع من الجريمة، والذي يعتبر الأول من نوعه عالميا، كأسلوب مبتكر وحديث اعتمد الشكل الأدبي في التوعية، وذلك لتحقيق غاية هامة تتمثل في الاحتياط والحذر من الوقوع ضحايا للجريمة فيما لو واجهوا نفس الظروف التي وقع فيها ضحايا القصص التي أوردها الكتاب الأدبي الذي أصدرته شرطة دبي .

 في صباح يوم الأربعاء، استيقظت السيدة سلمى وهي تتمتع بالنشاط والحيوية لترتدي ملابسها الأنيقة المزركشة بألوان الصيف الصاخبة لتطل كعادتها من شرفة الشقة التي تقطن فيها وحيدة بعد رحيل زوجها في وقت مبكر من حياتها. وعندما نظرت إلى أسفل البناية لم تر أحداً فتفاجأت قائلة بصوت عال:

ــ أين الجميع، أين أم محمد فهي معتادة على الوقوف مع أبنائها كل صباح؟

توجهت إلى باب شقتها علها ترى أم محمد لتسألها عن السبب وحالما وصلت إلى باب شقة أم محمد فإذا بصوت يصدر من الشقة وعراك بات أشبه بمعركة ضارية، لتتراجع بدورها صاعدة السلم المؤدي إلى أعلى، عل أحدا يخرج من الشقة لتنهمر عليه بأسئلتها المعتادة تنظر إلى جيبها المكدس بالحلوى المغرية بألوان الطفولة، سيخرج أحد الأطفال من الشقة سأسأله عما جرى ولن يجيبني إلا بهذه الحلوى المسيلة للعاب أطفال أم محمد، (هذا ما خطر ببال السيدة سلمى) لتتفاجأ بخروج أبو محمد مسرعاً من الشقة بعد تركه الباب مفتوحاً، فلم يكن من السيدة سلمى إلا التوجه إلى الشقة وهي تنادي بصوت منخفض.

ــ أم محمد، أم محمد، أم محمد!

ولكن لم يجبها أحد وعند وصولها إلى باب غرفة النوم صرخت بصوت مرتفع ليأتي أحد الجيران مسرعاً إلى الشقة ويجد السيدة سلمى قد أغمي عليها فما كان منه إلا الاتصال برجال الشرطة.

وبعد مرور عدة دقائق وصلت دورية الشرطة لتتوجه إلى المكان الذي وصفه الرجل، وعند وصولها وجدت ثلاث جثث لطفلين وامرأة في العقد الثالث من عمرها ووجدوا السيدة سلمى ملقاة على الأرض بعد أن أصيبت بدوار من هول ما رأت، لتنقلها إلى سيارة الإسعاف لتلقي العلاج اللازم.

وبعد مضي عدة ساعات من الحصر والكشف عن الشقة وممتلكات أهلها، أمر التحري حميد مساعده (سالم) بإعداد تقرير كامل عن ما وجد في المكان أو عثر عليه.

لم ينم التحري (حميد) تلك الليلة وهو يفكر في ما رآه من مشهد تهتز له الأبدان، من ذلك الوحش الذي يقتل طفلين بدم بارد ليغتصب طفولتهم بكل بساطة، ويمزق حياة امرأة رسم الزمان الوقار على وجهها.

وفي صباح اليوم التالي توجه التحري (حميد) إلى مكتبه وهو في أمل لحل لغز تلك القضية في أسرع وقت ممكن وعندما وصل بادر باستدعاء مساعده (سالم)، وعند دخول (سالم) قال:

ــ سالم ما الذي توصلت له؟

ــ سيدي، لقد قمنا بالتحري عن كل ما في الشقة ولم نجد ما يثير الريبة، أو يدل على السرقة أو الدخول بعنوة. ولكن ما يثير الاهتمام وجود بعض الحاجيات النسائية في حقيبة رجالية سوداء موضوعة على الطاولة الموجودة في الغرفة الخارجية.

ــ وماذا عن السيدة سلمى؟

ــ إنها في المستشفى تتلقى العلاج اللازم.

ــ عندما تتماثل للشفاء أخبرني لأبدأ التحقيق معها.

ــ حسناً، سيدي

 

ترقب وانتظار

كان الوقت يمر ببطء شديد والتحري (حميد) في ترقب وانتظار شديدين لا يعلم بهما إلا الله. وعند الساعة الخامسة عصرا تلقى من مساعده سالم نبأ تماثل السيدة سلمى للشفاء، حيث سيتم استجوابها صباح اليوم التالي:

وفي الصباح توجه التحري (حميد) إلى عمله وهو في نشاط دائم كعادته، وعند الوصول إلى مقر عمله أمر مساعده سالم بإدخال السيدة (سلمى) للتحقيق معها، وما هي إلا ساعة واحدة حتى كانت السيدة سلمى متواجدة في المركز لبدء التحقيق معها.

ــ سيدتي، ما اسمك؟ وما هو عنوانك؟

ــ اسمي سلمى ناصر، أرملة أعيش في الطابق الرابع من بناية الرومان في هذه المدينة.

ــ ما علاقتك بالضحية؟

ــ سيدي، إنها جارتي منذ زمن بعيد.

ــ منذ متى تقريباً.

ــ منذ عشر سنين تقريباً.

ــ وماذا تعرفين عن الجريمة التي حدثت؟

ــ لا شيء، لقد استيقظت كعادتي وعندما لم أر (أم محمد) في الخارج ذهبت للسؤال عنها ولم أجدها إلا ملقاة على الأرض وحولها بركة من الدماء (وما هي إلا لحظات حتى بدأت السيدة سلمى بالبكاء).

نعم سيدي لقد تذكرت، سمعت صوت عراك شديد في الداخل وما هي إلا لحظات حتى خرج السيد (أبا محمد) وهو في غضب شديد.

ــ ألم تستطيعي سماع الحوار الذي دار في العراك؟

ــ أبدا سيدي فالأصوات كانت مرتفعة ولم أستطع فهم الكلام، ثم هدأت فجأة ليخرج بعدها السيد (أبو محمد).

ــ شكرا لك، تستطيعين المغادرة ولكن ربما نستدعيك للتحقيق ثانية.

ــ حسنا، سيدي، أنا في خدمتك.

غادرت السيدة (سلمى) المركز وتركت التحري (حميد) في حيرة لما قالته، فلم يكن منه إلا طلب ملف السيدة سلمى لمعرفة المزيد عنها، ثم طلب من أحد أفراد الشرطة متابعتها ومراقبتها عله يستفيد من ذلك.

وما هي إلا لحظات حتى أتى المساعد (سالم) ولديه تقرير كامل عن الجريمة.

ــ سيدي هذا هو تقرير الجريمة وهو كالتالي الشقة بحالة جيدة فلم تتعرض للسرقة أو أي نوع من الإتلاف، أما جثة السيدة (فاطمة) المعروفة بأم محمد فقد تعرضت للضرب المبرح قبل القتل، حيث تم طعنها بسكين عادي يستخدم في المطبخ، أما الطفلان فهما في حالة خطرة، بعد تعرضهما للضرب والركل حتى فقدا وعيهما تماما، وقد نقلا إلى المستشفى لتلقي العلاج اللازم.

ــ شكراً لك.

 

بحث وتحري

بدأ رجال الشرطة بالبحث عن أبي محمد، ليجدوه في النهاية في مقر عمله ليتم القبض عليه متهما بالقتل العمد وإزهاق النفس التي حرم الله إلا بالحق، وعندما أحيل إلى المحقق (حميد)، حيث دخل إلى مكتب التحري والدهشة ظاهرة على وجهه ليبدأ التحري بقوله:

ــ لم الاندهاش أيها الأب والزوج؟

ــ سيدي، ما الذي تريدونه مني؟

ــ أبو محمد ليس هناك فائدة من الإنكار أو التهرب، عليك أن تعرف جيدا أن اعترافك بدون مشاكل سيساعدك في القضية، والآن أخبرني كيف قمت بالجريمة؟

ــ ما الذي تقصده، أي جريمة تتحدث عنها؟

ــ إن قتلك لزوجك، وضربك لابنيك اللذين هما الآن في العناية المركزة ألا تعتبر جريمة؟! ولو أن هناك مصطلحاً آخر لقلته.

ــ ماذا، ما الذي تتحدث عنه، سيدي أرجوك أوضح قصدك؟

وعندما بدأ التحري يتحدث بشكل تفصيلي، أغمي على أبي محمد لينقل إلى المستشفى لتلقي العلاج وكان تقرير الطبيب ينص على أنه أصيب بانهيار عصبي شديد، ويجب أن يظل تحت العناية لعدة أيام، كانت نتيجة التقرير الطبي صدمة لرجال الأمن، ليصدر التحري (حميد) أمراً بالقبض على السيدة سلمى للتحقيق معها من جديد تحت ظروف أشد من ذي قبل علها تعترف بالحقيقة.

كان رجال الأمن في حيرة كبيرة فالسيدة مصرة على الإنكار، وليس لدى التحري أي سبب لحجز السيدة أكثر من ذلك، أما أبو محمد فقد تماثل للشفاء، ليبدأ التحري (حميد) بالتحقيق معه من جديد، فما كان من أبي محمد سوى البكاء، وعندما سأله التحري عن سبب خروجه من منزله صباح ذلك اليوم وهو غاضب أجاب:

ــ سيدي استيقظت ذلك الصباح متأخراً ولم أجد أم محمد بقربي، بدأت أبحث عنها في كل مكان، ومما زاد غضبي أنها لم تحضر الإفطار كعادتها، فخطر ببالي انها قامت بإيصال أحد الأبناء بسيارة الأجرة المدرسة الجديدة التي تم نقل أبنائي إليها، وعندما قدمت شكوى بذلك أخبروني بأن السائق لم يتعرف على البيت بشكل جيد، وقد اعتدت على ذلك ولكن هذه أول مرة تذهب دون تحضير الإفطار.

ــ ولكن السيدة سلمى أفادتنا بأنك كنت تصرخ بصوت مرتفع وكان هناك صوت غير صوتك فمن ذاك؟

ــ تلعثم أبو محمد وهو يقول: ماذا شخص! ليس هناك أي شخص في الشقة حينها، أما تلك المرأة إنها مجنونة بسبب وحدتها فهي تتخيل أشياء لا وجود لها.

لم يقتنع المحقق بكلام أبو محمد، فكيف يخرج دون أن يلاحظ وجود زوجه وأبنائه بتلك الهيئة، بالرغم من أنه قال: إنه بحث في كل مكان في المنزل تقريبا، لذلك أوقف أبو محمد على ذمة التحقيق.

وبعد مرور عدة أسابيع من سير القضية، ورجال الأمن في تحقيق مكثف مع السيدة سلمى والجيران وأبا علي، وبينما كان مساعد المحقق (حميد) يحقق مع السيدة سلمى بدأت بالبكاء لتنهار وتبدأ بإطلاق عبارات متفرقة مثل (هو السبب، لم أقصد، لكنني أحبه، لقد كذب علي) لتنقل على إثر ذلك إلى المستشفى وهناك أكد الطبيب النفسي أنها مصابة بهلوسة مؤقتة وربما كان ذلك من صدة قوية ألمت بها، ليستدعي المحقق (حميد) مساعده (سالم) ليقول له عبارة واحدة فقط.

ما الذي حدث بينك وبين السيدة سلمى، أذكر لي جميع التفاصيل وبدقة، فرب تفصيل بسيط يساهم في حل القضية.

ــ سيدي، طلبت السيدة سلمى مقابلتي بإلحاح وعند مقابلتي لها بدأت حديثها قائلة:

ــ أنا سيدة وحيدة ولكن جميلة هذا ما يشهده الجميع، ومنذ وفاة زوجي وأنا أهوى مراقبة الآخرين، وأصبت بالفضول فأصبحت أرتدي ملابسي منذ الصباح الباكر وأتبهرج بشكل ملفت، ثم أقف على شرفة الشقة لأرى أم علي تقف مع أطفالها الذاهبين إلى المدرسة، فأسرع إلى باب الشقة بعد فتح شعري، وتمايل حركاتي، لأقف بباب الشقة فيخرج منه أبو علي وهو مسرع إلى عمله في البداية لم يعرني أي اهتمام، ولكن مع سؤالي عن الحال وتكرار الكلام، بدأ يتحدث معي ويسأل عني حين غيابي، ثم توقفت السيدة سلمى عن الكلام لتبدأ بالبكاء وأصيبت بالانهيار.

ــ إذاً هذا ما حدث، إنه أمر جيد، بل إنه طرف الخيط.

كان المحقق (حميد) ينتظر شفاء السيدة سلمى بفارغ الصبر، ليبدأ بالتردد على المستشفى للسؤال عنها.

 

شكوك متعددة

وبعد مضي عدة أيام والمحقق (حميد) يأمل بشفاء السيدة سلمى، ليبادر هو إلى الذهاب إليها والتحقيق معها في المستشفى مراعياً بذلك حالتها الصحية، ليبدأ قائلاً:

ــ كيف حالك أيتها السيدة سلمى؟

ــ بخير يا سيدي.

ــ سيدتي إن مساعدتك لنا ستوفر لك تخفيف الحكم. وربما تؤدي إلى براءتك.

ــ سيدي. نعم أنا أحب السيد أبا محمد منذ زمن وهو كذلك. وقد طلب مني قبل مدة الزواج فرفضت ذلك لأسباب عائلية وطلبت منه التأجيل ولكنه أصر على ذلك. ليكون الحل زواجنا بالسر. وقبل حدوث الجريمة بعدة أيام أخبرني بأنه سيسافر مع زوجته وابنيه وسوف يعود وحيداً. حيث سيتركهم في بلده الأم. كان هذا هو الحل الوحيد الذي يحل كل مشاكلنا وبه سيعلن زواجنا على الملأ.

ــ وما الذي قصدته بمشاكلكم؟

ــ سيدي أم محمد امرأة فاضلة تحب الآخرين وزواجي بزوجها سينتج عن المزيد من المشاكل التي لا داعي لها.

ــ وماذا لديك أيضاً؟

ــ لا شيء هذا كل ما أردت قوله.

ــ وهل من المعقول أن سبباً مثل هذا يؤدي بك للانهيار؟

ــ نعم، فحبي لأبي محمد كبير.

لم يكن من المحقق (حميد) إلا التحقيق مع أبا محمد علّه يفيده أكثر من الذي قالته السيدة سلمى. ليكون الإنكار المفرط من قبل أبا محمد مثيرا للشكوك حيث قال:

ــ سيدي لقد أخبرتك بأن هذه المرأة مجنونة فكلامها ليس له أساس من الصحة. كيف لي أن أتزوج بامرأة مثلها!

ــ سيد أبو محمد لقد دعمت السيدة سلمى أقوالها بوثيقة زواج موقعة من قبلك كما يُقال هذه الأيام (بالزواج بالسر) ماذا تقول في ذلك؟

ــ نعم سيدي لقد تزوجتها بالسر وذلك لأنها كانت تهددني بالفضيحة.

ــ أية فضيحة تقصد؟

ــ لقد كنت أعمل في تجارة مهربة. حيث كنت أضع البضائع في شقتها حتى يحين بيعها. ولكنها قامت باستغلال ذلك ضدي. وطلبت مني الزواج بها مقابل سكوتها فلم يكن مني إلا الرضوخ.

ــ وما هي تلك البضائع التي كنت تبيعها. وتضعها لدى السيدة؟

ــ سيدي لقد كانت ملابس وأحذية وبعض البضائع الأخرى التي ليس لدي ترخيص لبيعها أو العمل كتاجر بها.