تمثل قصة هذه الجريمة، جانبا من الأسلوب الجديد الذي أطلقته القيادة العامة لشرطة دبي في توعية أفراد المجتمع من الجريمة، والذي يعتبر الأول من نوعه عالميا، كأسلوب مبتكر وحديث اعتمد الشكل الأدبي في التوعية، وذلك لتحقيق غاية هامة تتمثل في الاحتياط والحذر من الوقوع ضحايا للجريمة فيما لو واجهوا نفس الظروف التي وقع فيها ضحايا القصص التي أوردها الكتاب الأدبي الذي أصدرته شرطة دبي .

ورد بلاغ في الساعة الثالثة صباحاً، يرن الهاتف وعندما رد أحد رجال الأمن على الهاتف.. سمع صوتاً غريباً يصرخ ويقول «أرجوكم ساعدونا نحن في خطر».

ثم يصمت ذلك الصوت برهة من الوقت وفجأة يعود مرة أخرى لكنه كان متقطعاً وسريعاً لا يفهم منه شيء ثم يصمت ولا يعود وإذا بصوت امرأة تصرخ بصوت عال وكأن أحداً يريد قتلها.. للأسف لم يترك ذلك الصوت أي بيان أو عنوان يؤدي إلى مصدره.

بدأ رجال الأمن بالتحقيق عن مصدر الصوت والتنسيق مع الاتصالات لمعرفة عنوان ورقم هاتف المنزل الظاهر في شاشة غرفة العمليات وقرب إنجاز المهمة اتصل أحد الجيران وأخبرهم عن الجريمة وتحديد المكان وعندها حضرت دوريات الشرطة والتحريات إلى مكان الواقعة. كان ذلك منزلا كبيرا ضخما كأنه قصر ملكي محاط بالأشجار وعندها طرق رجال الشرطة الباب.. فرفضت الخادمة الفتح إلا بعدما أكدوا لها ذلك ورأتهم بعينها. فتحت وهي تبكي.. خائفة من تكرار العملية نفسها وعند دخولهم وجدوا كلباً بوليسياً ممداً على الأرض في حديقة المنزل وقد بدأ عليه التعب.

لفت انتباه عناصر الشرطة وجود دماء فوق ظهر الكلب البوليسي، أما السائق «راجو راجان» هندي الجنسية فقد وجد مقتولاً على الأرض.

وأثاث المنزل مبعثر. أمر رئيس المباحث باستدعاء وكيل النيابة وخبير البصمات والمختبر الجنائي لأخذ البصمات وأخذ عينة من الدم الموجود على ظهر الكلب وتم نقل الكلب للعلاج البيطري كما تم نقل الجثة إلى الطب الشرعي لتشريحها.

بدأ رجال الأمن بسؤال (كماري) من الذي فعل ذلك؟

قالت: كنت نائمة وإذا بصوت (سدني) ينبح وكأن هناك ضيوفا غير مرغوب فيهم وعند خروجي من باب المنزل رأيت (راجو) يتقاتل معهم ويصدهم ويمنعهم من الدخول وإذا بطلقة نارية من أحد المجرمين ألقت (راجو) على الأرض مقتولاً وإذا بهم يدخلون إلى داخل المنزل حاولت منعهم لكنني لم أستطع وقد كان عددهم (سبعة) أفراد وإذا بضربة قوية أفقدتني الوعي وبعدها.. وبعدها..

قال لها (المفتش): أكملي وبعدها ماذا أكملي هيا.

بدأت تبكي قائلة: لم ألحظ شيئاً سوى أنهم أخذوا كل الأموال الموجودة في الخزنة ومجوهرات سيدتي (منال) رددت قائلة تمنيت لو أن سيدي كان موجوداً لما حصل الذي قد حصل.

سألها المفتش: من هو سيدك؟

قالت (كماري): سيدي هو السيد محمود الفاطن.. أكبر تاجر في هذه المنطقة.

سألها المفتش: وأين هو الآن.

كماري: سيدي الآن مسافر في ألمانيا لأن سيدتي (منال) مريضة وهو مسافر من أجل علاجها.

 

قلق وحيرة

هذه الجريمة جعلت رئيس المباحث في قلق شديد وحيرة من أمره ثم أمر بتشكيل فريق للتحري وللبحث عن الجناة، مرت الأيام ولم يعثروا على أثر. وحسب أوصاف الجيران الذين شهدوا الجريمة عن بعد أنهم رأوا (سبعة) أفراد فارين ببعض الأكياس والأدوات المنزلية الفاخرة الثمينة.. من خلال ذلك تم القبض على فرد مشتبه فيه وبعد التحقيق مع المشتبه به تبين أنه بريء من التهمة وتم الإفراج عنه بعدها زادت حيرة رئيس المباحث فعقد العزم وأصر على أن يجد هؤلاء المجرمين. تم التنسيق مع صاحب المنزل (السيد محمود) عبر الاتصال به وقد كان مشغولاً مع زوجته السيدة (منال) المريضة في المستشفى خارج الدولة وقد طلب منه أن يعود في أسرع وقت ممكن لأن وجوده مهم.

ظل رئيس المباحث يفكر بطريقة تخلصه من هذه العقدة وتوصله للمجرمين الحثالة. فكر طويلاً ولم يجد حلاً إلا الكلب البوليسي (سدني).

اتصل رئيس المباحث بصاحب المنزل فور عودته من السفر ونسق معه وأخبره أن سدني هو الحل الوحيد للتوصل إلى المجرمين. قام رئيس المباحث وصاحب المنزل بزيارة إلى سدني فوجده بكامل صحته وعلى وجهه علامات عجيبة وكأن (سدني) يريد أن ينطق بشي عظيم.

عند خروجه من العلاج البيطري. أمر رئيس المباحث أن يخرج صاحب المنزل ومعه سدني ليتجول معه لعله يدله على خيط من خيوط فك الجريمة.

 

إفادة واضحة

وعند إشراقة يوم جديد كان (سدني) في صحة كافية تجعله يفيد في شيء عن الجريمة.

وضع رئيس المباحث كل آماله في (سدني).

وعند تجوال صاحب البيت مع الكلب البوليسي (سدني) كان أفراد الشرطة يراقبون العملية عن بعد حتى لا يزعجون تفكيره جعلوه يفكر بعمق ويتذكر ما حصل حتى أوصل السيد (محمود) إلى مكان خالٍ من السكان مليء بالحشرات لا يسكنه إلا مصاصو الدماء.

منزل كأنه كوخ قديم وعندما اقتربوا من المنزل زاد نباح (سدني) ليؤكد وجود مكان المجرمين، تم محاصرة المكان وطلب المزيد من رجال الشرطة وسيارات الإسعاف تحسباً لكثرة عدد أفراد هذه العصابة وبعدها تمت المداهمة وتم إلقاء القبض على ثلاثة أفراد وجزء قليل من المسروقات وقامت الشرطة بمحاصرة المكان طوال اليوم وتشديد المراقبة دون إحداث أي شك.. حتى يكتمل رجال العصابة.

قام رئيس المباحث بعرض المتهمين الثلاثة والمسروقات المضبوطة على السيد محمود. فصدم عند رؤيته للمجرمين وتعجب رئيس المباحث من الذي رآه سأل رئيس المباحث السيد (محمود) هل تعرفهم قال هل هذا معقول أنت يا (صالح) وأنت يا (يحيى) وأنت يا (عبدالله) ثم سقط على الكرسي وكأن الدنيا تدور حوله سأله مرة أخرى (هل تعرفهم يا سيد محمود) رد عليه كيف لا وهم أعز أصدقائي كما أنني لم أقصر معهم في شيء كيف لا وأنا كنت لهم أكثر من صديق. كيف لا وهم الذين شجعوني على أن أكون تاجراً وكانوا يساعدوني في كل شيء وكل خطوة أقوم بها.

سافروا إلى الخارج لزيارة أسرهم لمدة شهر واحد ثم لم يعودوا.. لكن الذي أراه أنهم قد عادوا وعقدوا العزم على تدميري.

وتحطيمي ثم يوجه الكلام للمجرمين كيف يسمح لكم ضميركم بفعل مثل هذا الجرم ضدي كيف ولِمَ لم تطلبوا ما تريدونه مني، أقسم أني كنت قد وافيتكم. فأنا كنت أتمنى ملاقاتكم ورؤيتكم مرة أخرى. وها أنا لاقيتكم بأبشع الصور، صور مجرمين، أنتم أشخاص منافقون لا تنفع معكم الرحمة. كما أنه تعَّرف على شيء بسيط من المسروقات التابعة له.

 

إنكار التهم

تم أخذ عينة من دمهم لفحصها ومطابقة العينة الموجودة في المختبر ثم أمر رئيس المباحث بإيداعهم داخل السجن ومتابعة التحقيق في القضية.

وفي اليوم التالي من التحقيق. في البداية أنكر المجرمون التهم المسندة إليهم ولم يعترفوا من الجاني منهم في القتل، عندئذ أمر رئيس النيابة بحبسهم خمسة عشر يوماً على ذمة القضية والتحقيق فيها وعند مواجهتهم ببعض الأدلة والمعلومات التي تدينهم بالجريمة اعترفوا بالجناية التي ارتكبوها بالتفصيل الممل وأقروا أن عددهم عشرة أفراد من الجنسيات الوافدة على (دولة الإمارات) ومعلومات عن الأفراد الفارين ومع استمرار المراقبة الشديدة تم القبض على بقية الأفراد كان عددهم (سبعة) وجدوا بحوزتهم مسدسين كما أنهم كانوا مثل زملائهم في البداية أنكروا وعند محاصرتهم بالأسئلة اعترفوا بكل جرائمهم التي كانت مقيدة ضد مجهول ومثلوا عملياتهم بالتفصيل الممل حيث اعترفوا أنهم كانوا يقسمون أنفسهم إلى قسمين ــ سبعة أشخاص يقومون بعمليات السطو والسرقة ــ وثلاثة أشخاص يقومون ببيع المسروقات من الذهب والأواني المنزلية الثمينة في المحلات فهم بمثابة أمناء وحرس وبعدها يتقاسمون الأموال بينهم. وبعدها تم تحويل قضيتهم إلى النيابة. لاستكمال التحقيق مع المتهمين العشرة من خلال فحص المختبر الجنائي تبين أن المتهم الأول هو المتسبب في قتل (راجو راجان) خلافاً لاعترافهم بعد ذلك تم تحويل ملفات المتهمين إلى عهدة محكمة الجنايات حيث باشرت المحكمة باستدعاء شهود الإثبات وتوكيل محامين، كما أن رئيس النيابة طالب بإنزال أقصى العقوبات ضد المتهمين استناداً لاعترافهم، لتكون رادعة لمن تسول له نفسه بالتورط في مثل هذه الجرائم.

 

إدانة المتهمين

رئيس المحكمة: بعد سماع الشهود وأقوال الدفاع عن المتهمين قررت إدانة المتهمين بالتهم المسندة إليهم ومعاقبتهم بسنوات متفاوتة كل حسب دوره في القضية والمتهم الأول المتسبب في القتل أصدر الحكم بإعدامه لما أسند إليه من إزهاق روح بصورة غير مشروعة وتم مصادرة المضبوطات.

قام (رئيس المباحث) بعد صدور الحكم بزيارة إلى منزل (السيد محمود).. بدأ (رئيس المباحث) يتعرف إلى السيد محمود وكان يريد أن يتعرف عليه لأنه أحبه. بدأ السيد محمود بالترحيب برئيس المباحث.

قال السيد (محمود): لو تعلم يا صديقي كم أنا متأسف على المعاملة التي كنت أعاملهم إياها ويقول يا لها من (طبيعة الإنسانية) كنت أظن أنهم سيقدرون هذه المعاملة الحسنة كنت ألبي لهم طلباتهم لكنهم كانوا ضدي وأنا مغفل لا أعلم شيئاً اتفقوا ضدي واستغلوا خروجي المستمر من المنزل لأن زوجتي مريضة لكن في رأيي إنهم يستحقون هذا المصير وكل خسارتي هو (راجو) سأقوم بزيارة إلى أهله لأعوضهم عن فقدان ابنهم.

رد عليه رئيس المباحث قائلاً: ليس هناك شيء يا صديقي يسمى بالطبيعة الإنسانية فكل إنسان يمكن أن يتغير إذا تغيرت ظروفه وتغيرت الأرض التي يقف عليها والمقعد الذي يجلس عليه أو تحته أو أمامه.. ضع أشجع الناس في النار يصرخ كالطفل. فلا أحد خير بطبعه ولا شرير بطبعه ولا شجاع ولا جبان ولا كريم ولا بخيل وإنما الإنسان يصير كريما وشجاعاً وخيراً. فالطبيعة يا (سيد محمود) قماش نقصه ونلونه ونفصله حسب المناسبات. هذه الطبيعة الإنسانية عبارة نقولها تعليقاً على مواقف متناقضة ومع ذلك نقولها إذا حقد الأخ على أخيه فأول جريمة إنسانية ارتكبها الإنسان كانت مع أخيه (قابيل وهابيل) وجريمة (يوسف ــ عليه السلام) ألقاه أخوته في البئر.

ثم يصمت رئيس المباحث.. قليلاً ثم قال يا ليتك كنت مكاني ويصمت.

السيد محمود: لكن لماذا

رئيس المباحث: يضحك ثم يواصل حديثه والله لوقف شعر رأسك من بشاعة الجرائم اليومية التي أصادفها.

السيد محمود: ماذا تقصد؟

رئيس المباحث: أقصد الجرائم التي أواجهها تشيب لها الولدان لبشاعتها جرائم ضد الأم وضد الأب الأخت والأخ وبين الإخوان وبين الزوجين ضد الوالدين وبين أعز الأصدقاء.

رئيس المباحث: دعنا الآن من وجع الرأس، الآن أستأذنك بالخروج وأبارك لك على شفاء زوجتك لكني أريد أن أطلب منك شيئاً يا سيد محمود.

السيد محمود: تكلم آمر ماذا تطلب؟

رئيس المباحث: أشكرك على تعاونك معنا وأريد منك يا محفوظ السلامة أن تؤمن مستقبلا (لسدني) إنه فعلاً شجاع فلولاه لما استطعنا كشف الجريمة ثم ــ يضحك ويقول ــ أقصد الجرائم.

السيد محمود: سمعاً وطاعة يا سيدي (فسدني) سيد الكلاب البوليسية.

وعند خروجه من باب المنزل يقول في نفسه «الحمد لله».

أما عن «كماري» فهي بصحة ممتازة وعادت تعمل في منزل (السيد محمود) و(السيدة منال) كالمعتاد.

عاد السيد محمود ليسرد لزوجته الذي حصل. وبعدها عادت الأيام والحياة والأمان إلى المنطقة من جديد مثل ما كانت عليه في هدوء واستقرار وسكينة.