تمثل قصة هذه الجريمة، جانبا من الأسلوب الجديد الذي أطلقته القيادة العامة لشرطة دبي في توعية أفراد المجتمع من الجريمة، والذي يعتبر الأول من نوعه عالميا، كأسلوب مبتكر وحديث اعتمد الشكل الأدبي في التوعية، وذلك لتحقيق غاية هامة تتمثل في الاحتياط والحذر من الوقوع ضحايا للجريمة فيما لو واجهوا نفس الظروف التي وقع فيها ضحايا القصص التي أوردها الكتاب الأدبي الذي أصدرته شرطة دبي .

 

في صباح أحد الأيام، استيقظ حسن مبكراً علي عجاله لتبادر زوجه بالسؤال عن سبب ذلك ليرد عليها وهو يغلق الباب. هناك عمل مهم يجب انجازه اليوم. وها هو ذا يسرع بخطواته نحو عمله. وعند وصوله تفاجأ بالمهندس أحمد جالساً بباب المصنع ليقف حالما رأى «حسن».

ـ حسن. لماذا تأخرت. ألا تعلم بأن لدي الكثير من الأعمال يجب ان أنجزها اليوم؟

ـ بلى. ولكن لقد أعطيتك إياه بالأمس. هل نسيت حينما حضرت إلي وطلبت المفتاح لأنك ستحضر مبكراً لإنهاء العمل.

ـ نعم فعلت ذلك ولكن عندما مرض ابني خمنت عدم الحضور لذلك أتيت إلى منزلك وسلمت المفتاح لإحدى ابنتيك وأخبرتها بعدم قدومي اليوم. وعند وصولي إلى منزلي كان قد خف المرض على ابني فآثرت القدوم.

ـ إذاً علي العودة لجلب المفتاح قبل قدوم المدير.

عاد «حسن» مسرعاً إلى المنزل وقد تملكه الغضب لعدم إخبار ابنته له بالأمر. ليأخذ المفتاح متوعداً بالعقاب عند عودته من عمله. وحينما وصل كان العمال متجمهرين بباب المصنع. فما ان فتح الباب حتى تدفقوا إلى الداخل كلاً إلى عمله. وبعد مضي ساعة من الزمن توجه حسن إلى مكتب المهندس «أحمد» للسؤال عن المدير فلقد تأخر على غير عادته. فما كان من المهندس «أحمد» إلا أن طمأن حسن بقوله رب عمل قد شغله أو ظرف طارىء ألم به.

 

الأمور طبيعية

بدأت الأمور طبيعية في المصنع كعادتها كلاً في عمله. وبعد مضي بعض الوقت تسلل القلق بدوره إلى المهندس «أحمد» فما كان منه إلا الاتصال بزوج المدير علها تفيده بشيء لكن الأمور كانت غير ذلك لتخبره بعدم قدومه إلى المنزل منذ الأمس. حيث أخبرها بأنه سيمكث لدى المهندس لمناقشة أمور العمل.

ظلت الحال كما هي لا يعلم أحد عن المدير أي شيء وعند حلول الظلام توجه المهندس «أحمد» إلى بيت المدير فزوجه ابنة خاله. حيث أخبرها بوجوب إبلاغ الشرطة عن اختفاء زوجها فما كان منها إلا فعل ذلك. لتبدأ الشرطة بالبحث عنه وبعد مرور أربع وعشرين ساعة لم يجدوا له أي أثر. ظل الوضع على حاله من البحث وترقب الجميع وبعد مضي أربعة أيام. فوجىء المهندس «أحمد» بحسن واقفاً بباب المصنع يأبى الدخول وعند سؤاله عن السبب قال:

ـ لا أدري فهناك رائحة نتنة بالداخل. فحينما فتحت الباب كدت أختنق منها فما كان مني إلا إغلاقه مضطراً.

ـ حسناً. قم بفتح الباب لنبحث عن السبب.

دخل المهندس «أحمد» وهو يضع كم يده على وجهه متفادياً الرائحة. وعندما بدأ البحث عن مصدر تلك الرائحة. أطلق «حسن» صرخة مدوية في المكان. ليسرع إليه المهندس وحين وصوله وجده جالساً على ركبته وهو يتمتم بكلمة واحدة «المدير.. المدير» وحينما نظر إلى المكان الذي كان يشير إليه وجد المدير ملقى على الأرض وتحته بركة من الدماء ليتصل بالشرطة. لتأتي على الفور وحين وصولها بدأ جميع عناصرها بإحاطة مكان الجريمة وجمع الأدلة وعلى رأسهم المحقق «صالح» فما كان منه إلا القول:

ـ يجب عليكم حصر جميع الأدلة المتوفرة في المكان. أيها المساعد «علي» عليك جمع كل ما يفيد التحقيق وإحضار التقرير في صباح الغد.

ـ حاضر سيدي.

وفي صباح اليوم التالي أحضر المساعد «علي» تقريراً عن مسرح الجريمة ليبدأ بقوله:

ـ سيدي يعود مسرح الجريمة لمصنع يدعى «السراب» لصاحبه المغدور السيد «جورج»: وهو مصنع لصناعة الأسمنت والحديد ويعد من أشهر مصانع البلدة. حيث يعمل فيه قرابة ثلاثة آلاف عامل.

ـ وماذا عن الضحية؟

ـ إنه يدعى «جورج مارسيل» إيطالي الجنسية عربي النشأة حيث ترعرع في هذه البلدة وتزوج فيها ولديه طفلة وثلاثة أبناء وجميعهم مازالوا صغاراً بين عمر الثالثة والعاشرة.

ـ وما هي صفاته البدنية؟

ـ يبلغ من العمر أربعين عاماً ويصل طوله إلى مئة وسبعين سنتيمتراً ووزنه ثمانون كيلوجراماً.

ـ وما ملابسات الجريمة؟

ـ سيدي بالنسبة لوقت الجريمة وما إلى ذلك سيوافينا بها الدكتور الجنائي «سعيد» أما في مسرح الجريمة فلم نجد سوى الجثة والدم الذي كان يغطيها. وسكين متوسطة الطول أخذت للفحص أيضاً.

ـ شكراً لك. تابع التحري وفي حال وجود أي شيء أبلغني.

ـ حاضر سيدي. ولكن ماذا عن المهندس «أحمد» والسيد «حسن» المحجوزين لدينا؟

ـ لا عليك سأبدأ التحقيق معهما فور تلقي تقرير الطبيب الشرعي.

كان المحقق «صالح» في حيرة من أمره فالوضع لا يبشر بخير، راجياً أن يكون تقرير الطبيب أفضل مما سمع. وبعد مضي وقت ليس بطويل حضر الطبيب «سعيد» إلى المركز ليلقي التحية على المحقق ثم يبدأ كلامه قائلاً:

ـ سيدي المحقق. لقد أذهلني ما علمته من تشريح الجثة.

ـ وما الذي أذهلك؟

ـ لقد لاحظت وجود بعض الخدوش الطفيفة على رأس الضحية.

كما انه توفي قبل ثلاثة أيام بينما الدم كان حديثاً أي لم يمض على وجوده خارج جسم الضحية سوى سبع ساعات. وأماكن الطعن جافة بعض الشيء مما يوحي بأن الضحية قتلت ثم تركت في مكان ما لتخرج بعد ذلك وتلطخ بالدم الذي تم حفظه في مكان ما.

ـ اذا لم يكن المصنع مكان الجريمة الأصلي.

ـ أبداً كما أنني وجدت بعض المفاتيح القديمة المهترئة في جيب الضحية ومبلغاً من المال قرابة خمسة آلاف دولار أميركي.

ـ شكراً لك أيها الطبيب وفي حال وجدت ما يثير أخبرني على الفور.

ـ حسناً أيها المحقق.

ومع سير التحقيق مع المهندس «أحمد» بدأ المحقق قائلاً:

ـ ما اسمك. وعمرك ووظيفتك؟

ـ سيدي اسمي «أحمد سمير» وعمري ثلاثون عاماً وأعمل مهندساً في مصنع السيد «جورج».

ـ ما علاقتك بالضحية؟

ـ إنه زوج ابنة خالتي ورب عملي، وكذلك صديقي المقرب.

ـ منذ متى وأنت تعرف السيد «جورج»؟

ـ منذ عشر سنين، فقد عملت معه بعد تخرجي من المرحلة الثانوية ثم أكملت دراستي وقد شجعني على ذلك كثيراً لأنه رجل محب للعلم.

ـ أليس لديك ما تقوله، لمساعدتنا في هذه القضية؟

ـ أتمنى ذلك ولكن هذا ما لدي.

أعيد المهندس «أحمد» إلى الحجز ليبدأ التحقيق مع السيد «حسن».

حيث أكد براءته من الجريمة وأنه رجل بسيط ليس له علاقة بما حدث.

ولسبب عدم مقدرة «حسن» على الركود لمساعدة المحقق على إكمال التحقيق أعيد إلى الحجز حتى يهدأ.

بدأ الوضع غير مستقر ليبدأ المحقق «صالح» التحقيق مع زوج الضحية.

ـ سيدة فاطمة. ما قولك لما حدث لزوجك؟

ـ سيدي زوجي رجل طيب القلب. كريم النفس. ويحب مساعدة الآخرين ولا أدري لم حدث له ذلك؟

ـ من برأيك القاتل؟

ـ ليس هناك غيره المهندس «أحمد» فقد أخبرني زوجي بذهابه إليه قبل اختفائه.

ـ ولكنه ابن خالك. ثم ما دليلك على ذلك؟

ـ سيدي رب قريب عدو. كما أنه كان يحبني قبل زواجي من «جورج» ولكن حينما تزوجته جن جنونه وتوعد بتدمير حياتي. ولكي يكون قادراً على ذلك تقرب من زوجي وأصبح صديقاً له.

ـ سيدة فاطمة. هل لديك أقوال أخرى؟

ـ لا ياسيدي

ـ وقعي على قولك. من فضلك.

ـ حسناً سيدي.

خرجت السيدة فاطمة وقد تركت الريبة في قلب المحقق «صالح» حيث بدأ يفكر ليس هناك مشتبه به سوى المهندس «أحمد» ولكن كيف لرجل مثله ان يقوم بذلك ليبادر الى استدعاء «حسن» لإكمال التحقيق:

ـ حسن قل لي ما تعرفه.

ـ سيدي ليس لدي ما أقوله. فأنا لا أعلم شيئاً سوى ان السيد «جورج» رجل فاضل يحبه الجميع.

ـ ما رأيك بالمهندس «أحمد»؟

ـ إنه رجل ذكي ويحب السيد «جورج» كثيرا.

ـ من باعتقادك قد قام بذلك؟

ـ لا أعلم يا سيدي؟

لم يكن من المحقق «صالح» إلا إعادة التحقيق مع المهندس «أحمد» ليبادر المهندس بالإنكار لما قالته السيدة فاطمة بقوله:

ـ سيدي. نعم لقد كنت أريد الزواج بها ولكن عندما تزوجت بالسيد «جورج» غضبت كثيراً، وبعد ان عرفته جيداً باركت زواجهما لأن الزواج مقدر من عند الله. وكل واحد منا لا يأخذ إلا نصيبه من الدنيا.

ـ هل تعلم أنك المتهم الأول في القضية؟

ـ نعم. ولكنني واثق من براءتي فليس لديكم دليل ضدي.

استدعى المحقق الشرطي لإعادة السيد «أحمد» إلى الحجز. وبدأ يفكر معه حق فليس لدينا ما يدينه. سوى كلام زوج السيد «جورج».

لذلك لم يكن من المحقق «صالح» سوى اطلاق سراح كل من المهندس «أحمد» والسيد «حسن» لعدم وجود أدلة ملموسة ضدهما. فلم يكن منه إلا اكمال التحقيق مع بقية العمال وبعض أصدقاء المجني عليه. ورغم ذلك لم ينتج من ذلك التحقيق ما يذكر فالكل أكد براءته. ليتسع التحقيق ويشمل كل العملاء من مدراء الشركات الأخرى.

أمر المحقق «صالح» بمراقبة كل من المهندس «أحمد» و«حسن» على ذلك يفيد بشيء، وبعد مضي شهر من التحقيق والمراقبة توصل رجال الأمن إلى عدة حقائق غيرت مجرى التحقيق. وهي أن المهندس «أحمد» لديه رصيد في البنك يقدر بثلاثة ملايين دولار أميركي. كما أنه يتردد على السيدة فاطمة بشكل يومي. كما أن زوج السيد «جورج» كانت تتردد على إحدى المقابر لزيارة زوجها.

عندما نذهب إلى المقبرة تبدأ بالبكاء وبأنها لن تتردد في الزواج بعد انتهاء العدة، حيث تخبره بكونها سعيدة بعد أن أصبحت الوريثة لكل ممتلكاته.

لم يكن من المحقق (صالح) سوى استدعاء المهندس (أحمد) لسؤاله عن كل تلك الأموال التي يملكها وكونه مهندساً لا يملك إلا راتبه الشهري، لتكون إجابته بأنه رجل قد قام بجمع المال بالتعب والمثابرة. لتصبح القضية تتخبط بين إنكار هذا واتهام ذاك، وبعد مضي وقت ليس بالطويل أقبل السيد (حسن) إلى المحقق مخبراً إياه بان هناك امرأة تدعي بأنها زوج السيد (جورج) وقد آثر الذهاب بها إلى بيته وحضر لإبلاغ المحقق بذلك. وعند إحضار تلك المرأة لمعرفة ما ورائها ليبدأ المحقق بقوله:

ما اسمك سيدتي؟

سيدي أنا (ماريانا) زوج المرحوم (جورج).

وهل عرفت ما حدث له؟

نعم فقد أخبرني بذلك المدعو (حسن).

منذ متى وأنت مرتبطة بالضحية؟

منذ سنتين، حينما حضر إلى إيطاليا لحضور مزاد هناك. حيث تم زواجنا بعد ذلك بعدة أيام.

ولماذا حضر إلى هنا؟

أبداً. سيدي لقد مللت من العيش هناك بعيدة عنه، لذلك آثرت اللحاق به للعيش بجانبه.

وماذا عن زوجه الثانية (فاطمة) ألم يخبرك عنها؟

بلى ولكنه أخبرني بأنه سيخبرها بأمري بعد عودته من إيطاليا

شكراً. وقعي على أقوالك كما أنك ستمكثين في الفندق حتى تستقر الأمور.

غادرت السيدة المركز إلى الفندق. حيث أمر المحقق أحد رجال الشرطة بمتابعتها ومراقبتها جيداً. لم يكن من المحقق (صالح) سوى الذهاب إلى بيت المجني عليه لمقابلة السيدة (فاطمة) علها تفيد بشيء.

 

غموض آخر

وفور مغادرة المحقق المنزل. قامت الخادمة باتباعه لتخبره بأن السيدة تكذب عليه فقد حدثت بينها وبين السيد قبل اختفائه بيوم واحد مشاجرة بسبب ذلك الموضوع. ثم توعدت بطلاقها منه ان لم يترك تلك الإيطالية. يقدمها لنا.

ما قولك فيما سمعت يا (أحمد)؟

سيدي إنني لا أعرف هذا الرجل، كما أنه لا يملك دليلاً ضدي فكيف تصدقونه؟

قدم المدير بعض الأوراق التي تحمل توقيع المهندس (أحمد) وعند رؤيته لها بدت الدهشة واضحة على وجهه. فما كان منه إلا الجلوس على الكرسي لينطق بعبارة واحدة (هكذا إذاً)، بدأت الأمور تتعقد أكثر والمحقق (صالح) يحاول جاهداً معرفة ما يخفيه المهندس (أحمد) فقد آثر السكوت بعد أن تم حجزه لتوافر أدلة ضده. كان المحقق (صالح) على يقين بأن حديثاً عابراً مع المهندس (أحمد) سيكشف الكثير من الغموض، فما كان منه إلا إحضاره إلى المكتب وبدأ الحديث معه بشكل حاول فيه البعد عن الرسمية مدركاً أن رجل الأمن قد يتخذ شخصية الطبيب النفسي إن أراد الدخول إلى عالم المتهم للنبش عن ما في طياته ولذلك بدأ باستقباله مرحباً ثم طلب له الشاي مخبراً إياه بأنه يدرك بأنه ربما يكون بريئاً وحجزه عقاب لا يستحقه. وبأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته فما كان من المهندس (أحمد) إلا إخبار المحقق (صالح).

سيدي، قبل عدة شهور كنت عائداً من عملي لتستوقفني فتاة في مقتبل العمر لديها من الجمال الرباني ما يجعل الرجل مسحوراً بها، لتخبرني بأن لديها مشكلة لا يحلها إلا أنها، بصراحة يا سيدي لم أصدق ذلك فتبعتها إلى مكان كان عبارة عن مطعم بسيط. وفور جلوسنا قالت بأنها تعمل في شركة ومن واجباتها جدولة بعض الملفات بطريقة معينة، منذ ذلك الحين وأنا أقابلها وأقوم بتعليمها بعض المهام المتعلقة بجدولة الملفات والبيانات وشؤون السكرتارية، وبعد مضي وقت ليس بطويل حضرت متأخرة على غير عادتها وهي تحمل بعض الأوراق لتخبرني بأنها ستلتحق بدورة تدريب ولن تراني إلا بعد شهر تقريباً. كما أخبرتني بأنها تريد مني الحضور إلى شقتها لأنها ستقيم حفل عيد ميلادها فوافقت على الفور، وهناك تم الاحتفال. ودون إدراك مني تناولت الخمر حتى لم أدرك ما أقوم به، أنا واثق بأنها قامت بجعلي أوقع وأنا بتلك الحال.

وما دليلك على ذلك؟

لا أعلم.

لم يزد التحقيق مع المهندس (أحمد) الأمور إلا تعقيداً بحيث أضيفت إلى القضية تلك المرأة الغامضة. وفي ذلك اليوم تلقى المحقق (صالح) مكالمة هاتفية من الطبيب (سعيد) أفاد بأن الخدوش على رأس الضحية ناجمة عن أظافر طويلة وبارزة. حيث عثر على جزء منها.

بدأ المحقق (صالح) يفكر بمدى ترابط الأحداث في القضية وعلاقة الخدوش بالمرأة التي تحدث عنها المهندس (أحمد). وبعد مضي عدة أيام حضر الشرطي المكلف بمراقبة السيدة (ماريانا) ليفيد بأن هناك امرأة تقوم بزيارة السيدة على أيام متفاوتة. حيث تستغرق الزيارة بين الساعة والأربع ساعات. وعند التحقيق مع السيدة (ماريانا) أفادت بأنها صديقة لها تعرفت عليها في الفندق وبعد انتقالها إلى منزلها تواصلت معها بالزيارة الدائمة لها. فلم يكن من المحقق سوى الطلب من السيدة جعل إحدى الشرطيات تتواجد في المكان كصديقة لها أو قريبة لم تمانع السيدة في ذلك. وعند قدوم السيدة تلك عادت الشرطية إلى المركز لتخبر المحقق بما يلي:

سيدي إن المرأة في العقد الثاني من العمر تدعى (مريم طلال) وهي تعمل في إحدى الشركات المحلية كمحاسبة.

 

الرسمة تثبت

وبعد أخذ الملامح الخاصة بتلك المرأة من الشرطية. قام الرسام برسمها، لتكون كصدمة مباشرة للمحقق، حيث كانت هي نفسها تلك الخادمة المتعاونة لدى السيدة (فاطمة) وعند استدعاء تلك الخادمة، حاولت الإنكار قدر الإمكان وعند رؤيتها للشرطة اعترفت بأنها قامت بذلك لكي تحصل على بعض المال لتعالج والدها المريض، وقد قامت بذلك بعد إلحاح السيدة (فاطمة) لكي تعلم أخبار السيدة (ماريانا) أولا بأول.

وعندما أخذ المحقق يدقق في الاسم عدة مرات قال بصوت مسموع:

هل أبوك هو (حسن) الحارس الذي يعمل في مصنع (السراب)؟

نعم سيدي

ولماذا لم تخبريني من البداية؟

لم تسألني عن ذلك.

ولماذا كنت متعاونة معنا وقدمت كل خدماتك دون مقابل؟

لقد أمرني والدي بذلك.

بعد ذلك قام المحقق (صالح) بأخذ عينة من كل من زوجتي السيد (جورج) و(مريم) وإرسالهما إلى الفحص والتأكد من عدم مطابقتهما للجزء الذي وجد في رأس المجني عليه، لتفيد النتائج بأن ذلك الجزء هو (لمريم) وعند سؤال المحقق لوالد مريم (حسن) قال:

سيدي، لقد رأى ابنتي حينما حضرت إلى المصنع عند مرض زوجتي فأبدى إعجابه بها وعند رفضي لذلك هددني بالطرد فوافقت مجبراً.

ولِمَ الرفض أليس مثل هذا الارتباط سيحسن من أوضاعكم المادية؟

نعم، ولكن ابنتي كانت مخطوبة لشاب كانت تحبه كثيراً. ولرفضها الدائم للسيد (جورج) لم يكن مني إلا رفض ذلك الشاب، وإجبار ابنتي على السيد.

حسناً، قم بتدوين اسم ذلك الشاب وعنوانه.

حسناً سيدي.

وبعد أن أحضر الشاب إلى المركز للتحقيق معه وافى بأنه كان سيتزوج مريم لولا جحود عمه الذي فضل المال على سعادة ابنته. وجد المحقق بأن الجميع يحاول جعل القضية غامضة ولا تحل. فأخضعت (مريم) لتحقيق مكثف علها تعترف بشيء ولكن كانت مصرة على ما قالته من قبل، وبعد عدة أيام من هذه الأوضاع الصعبة ووفي المحقق (صالح) بمكالمة أفاد صاحبها بأنه يملك دليلاً قوياً يدل على الجاني.

فما كان من الشرطة إلا تحديد مكان المتصل ليكون من هاتف منزل السيدة (فاطمة) وحال التحقيق معها أجابت بأن منزلها فيه خدم وزوار دائمين فكيف لها أن تعلم بمن استخدم الهاتف ولكن هناك شاباً وسيماً حضر للمنزل كمندوب مبيعات حيث طلب التحدث في الهاتف مع السائق لنفاد بطارية الهاتف المحمول، قام المحقق بأخذ البصمات والتحقيق مع أصحابها ممن يعملون في المنزل ولم يكشف ذلك عن شيء، تيقن المحقق بأن المجرم يحاول قدر الإمكان تضليل العدالة وجعل السيدة (فاطمة) القاتلة.

وفي مساء يوم الجمعة بعد أن ظل المحقق (صالح) يقوم بقراءة بعض الملفات الخاصة بالمتهمين في القضية، دخل عليه أحد رجال الأمن مخبراً إياه بأن هناك فتاة تريد مقابلته بإلحاح، وعند دخول المرأة كانت تحاول قدر الإمكان تغطية وجهها لغاية في نفسها، لتجلس ثم دب الصمت لفترة وجيزة في المكان قبل أن يبادر المحقق (صالح) بالسؤال عن سبب الزيارة فتجيب:

سيدي، إنني امرأة أتت إلى هنا لطلب الحماية منكم.

كما تعلمين إن الشرطة في خدمة الشعب، وبإذن الله ستكونين في أمان.

سيدي، إنني أريد تحقيق العدالة في قضية (السيد جورج).

وكيف ذلك؟

إن من قام بتلك الجريمة هو (المهندس أحمد) بمساعدة السيدة (فاطمة).

وما هو دليلك؟

لا شيء، ولكن قد رأيتهما وسمعتهما بأذني.

سيدتي، من تكونين؟

أنا بنت السيد (حسن) الثانية (زهور).

لم يكن المحقق واثقاً من كلام تلك السيدة خاصة وأن أختها وأباها في السجن ولابد من التحقق لذلك أرسل المحقق من يراقبها.

كانت القضية تزداد تعقيداً وخاصة بزيادة المتهمين وقلة الأدلة.

وإيماناً من الجميع بأن الحق سيظهر يوماً ما. وبعد مضي وقت ليس بطويل اتصل الطبيب (سعيد) ليخبر المحقق بوجود شعرة سوداء وجدت في دم الضحية وبالتحديد في إحدى فجوات طلقات الرصاص، وبعد فحص المتهمين وجد أنها تعود للمدعو (فيصل)، وعند إحضاره حاول الإنكار وعند مواجهته بالأدلة الدامغة قال: اعترفوا بذنبهم

وأحيلت القضية للمحكمة للحكم على المتهمين.