ناقش رؤساء وقضاة المحاكم العليا في الدولة خلال ملتقاهم الذي عقد يوم الخميس الماضي في أبوظبي إشكالية تداخل اختصاصات كل من المحاكم الاتحادية والمحلية وكيفية التحويل بينهما والإجراءات الواجب اتباعها عند الحكم من قبل احداها بعدم الاختصاص، كما ناقش القضاة اختلاف الأحكام والمبادئ القانونية الصادرة حول المسؤولية القانونية لكل من التابع والمتبوع، وأوصى الملتقى في ختام الملتقى بتأجيل مناقشة المسألتين إلى الملتقى المقبل الذي تقرر انعقاده في نوفمبر المقبل ، مع المطالبة بعمل دراسات كافية حول الاشكاليتين، ونظراً لأهمية هذه الملتقيات ودروها في صياغة الحلول للتحديات المشتركة التي يواجهها القضاء في الدولة فقد أوصى المجتمعون أن يكون انعقاد الملتقى مرتين سنوياً وليس مرة واحدة كما هو قائم حالياً. كما تضمنت التوصيات إصدار مجلة قضائية متخصصة بالمحاكم العليا في الدولة تكون بمثابة منبر فكري قانوني قضائي يسهم القضاة وسائر المتخصصين في المجال القانوني من خلاله في إثراء الفكر والممارسة القضائية مما سيكون لها بالغ الأثر في الحد من نسبة التضارب في المبادئ المقررة من قبل هذه المحاكم، كما أوصى بتشكيل لجنة تنسيق مشتركة بين هذه المحاكم للقيام بمهام التنسيق على مستوى التحضير لهذه الملتقيات و سائر الأمور الأخرى ذات الصلة.

 

تنظيم

وكانت دائرة قضاء أبوظبي قد نظمت يوم الخميس الماضي في أبوظبي أعمال الملتقى التنسيقي الرابع لرؤساء وقضاة المحاكم العليا بالدولة والتي تضم المحكمة الاتحادية العليا، ومحكمة النقض إمارة أبوظبي، ومحكمة التمييز بإمارة دبي، بالإضافة الى محكمة التمييز في إمارة رأس الخيمة، ، وذلك في اطار الملتقيات التي تعقد سنويا بين المحاكم العليا لتدارس التحديات المشتركة وتنسيق آليات العمل بما يخدم العدل والعدالة.

 

مواجهة التحديات

وأكد المستشار علال عبدالسلام العبودي رئيس محكمة النقض في أبوظبي أهمية الملتقى في الارتقاء بالمعايير القضائية واعتماد أفضل الممارسات وتطوير النظام القضائي بما ينسجم مع الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية التي حققتها الإمارات في الآونة الأخيرة، مشيرا إلى أن الملتقى يعد مركزا لتجمع رؤساء المحاكم الاتحادية والمحلية في الإمارات لمناقشة القضايا الرئيسية ودراسة سبل التعاون لإيجاد الحلول المناسبة للتحديات الناشئة في العمل القضائي، كما أشار العبودي إلى التطور الكبير الذي شهده القضاء على مستوى الدولة خلال السنوات القليلة الماضية، مؤكدا أن الدوائر القضائية بدائرة القضاء في أبوظبي سجلت معدلات عالية في نسب الفصل في القضايا المعروضة عليها، وهو ما يعود إلى النظم الحديثة والتقنيات المتقدمة، وحرص القيادة في الإمارة على الارتقاء بالقضاء بما يتناسب مع النمو الحاصل في كافة القطاعات الأخرى بالإمارة.

 

محاور الملتقى

وحول المحاور التي يطرحها الملتقى، أكد العبودي على أهمية توحيد تفسير القانون وتفادي التضارب الذي يحصل أحيانا بين المبادئ التي تقررها المحاكم العليا بالدولة اتحاديا ومحليا، و ذلك في سبيل التطبيق الموحد للتشريعات النافذة في الدولة حتى يكون الأفراد على بينة مما هو جائز قانونا وما هو غير جائز، مشيراً إلى مركزية قطاع القضاء في تحقيق تنمية حقيقية ومستدامة من خلال فاعليته في حماية الحقوق والحريات.

وأضاف: (ان احترام القوانين لا يقف عند تسبيب الأحكام والالتزام بنصوص ومواد القوانين فقط، وإنما هو مستمر ومتواصل بالمثابرة والاستمرار في التعلم والتدريب على كل ما هو جديد من نظم وتشريعات والاطلاع على ما يكتنف عالمنا من متغيرات ومستجدات تتداعى آثارها ونتائجها على ما يعرض علينا من قضايا ومشكلات، ومن ثم فان الملتقى الرابع يصب في نفس الهدف للوصول بآلية عمل وصيغ قانونية موحدة على مستوى محاكم النقض بالدولة).

 

تعزيز التواصل

واكد العبودي على أن الملتقى يعد جزءاً من المبادرة الرامية إلى تعزيز التواصل بين مختلف محاكم الإمارات ودعم النظام القضائي في الدولة، كما أنه يأتي في ظل تحديات عالمية ذات تداعيات محلية تضع أمام جميع القيادات القضائية في الدولة مسؤولية وضع وتنفيذ استراتيجيات قضائية تلبي الاحتياجات الحالية للمجتمع في ظل الظروف الاقتصادية الاستثنائية التي يمر بها والعالم وذلك كله لضمان استقرار العدل وحماية الحقوق والحريات.

من جانبه، أكد المستشار الدكتور عبدالوهاب عبدول رئيس المحكمة الاتحادية العليا على ضرورة استمرار عقد مثل هذه الملتقيات بهدف التنسيق والتعاون وتبادل الخبرات بين القضاءين الاتحادي والمحلي ودراسة المشكلات والتحديات المشتركة واقتراح الحلول المناسبة لها لمواكبة ما تشهده الدولة من نهضة شاملة في مختلف المجالات، مشيراً إلى دور هذه الملتقيات في تشجيع البحث الفقهي القانوني المشترك بين الجهات القضائية بالدولة لمواكبة التحديات الناجمة عن الوتيرة المتسارعة في كافة المجالات تحقيقا لوحدة تفسير القانون وسلامة تطبيقه وتيسيرا على المتقاضين ومنعا للتضارب بين المبادئ القانونية التي تستند إليها المحاكم العليا في الدولة على أن يكون ذلك بشكل مدروس يراعي في نفس الوقت حاجات المجتمع الفعلية والتطبيق السليم للقوانين.

وحول محاور الملتقى، قال الدكتور العبدول: (ان القضاء في الدولة ينقسم إلى قضاء محلي واتحادي، وهناك المحاكم الدستورية وهي محكمة تسري أحكامها على الجميع والمبادئ التي ترسخها هي ملزمة لجميع المحاكم لأنها متعلقة بدستور الدولة، أما في القضايا الأخرى فلا تعتبر أحكام المحكمة الاتحادية العليا ملزمة كمبدأ قانوني إلا للمحاكم الاتحادية الأدنى وكذلك فإن كل محكمة محلية عليا تلزم بمبادئها المحاكم المحلية الأدنى في نفس الإمارة، ولكن هذا لا يمنع أن يستضيء كل قضاء برأي القضاء الآخر).

وحول المحاور التي يناقشها الملتقى الرابع، قال الدكتور الإمام: (ان هناك تضاربا في الرؤية بين المحاكم المختلفة حول المسؤولية القانونية لكل من التابع والمتبوع في حال حدوث خطأ ما، مثال على ذلك لو فرضنا أن سائقا يعمل في احدى البلديات أو الشركات تعرض لحادث كان هو المتسبب فيه ونتج عنه وفاة تستلزم دية، السائق هو التابع والبلدية أو الشركة هي المتبوع وفي هذه الحال هناك اختلاف في تحديد المسؤولية وشخصية الخصم في القضية هل هو السائق أم البلدية أم يجب اختصام الطرفين معاً).

وأضاف أن محكمة تمييز دبي وكذلك (الاتحادية العليا) تقران بوجوب اختصام التابع والمتبوع معاً، التابع باعتباره هو من تسبب بالحادث والمتبوع باعتباره هو من شغله وأعطاه السيارة ومسؤولا عن مراقبة أدائه وعمله، مشيراً الى أن هذا لا يتعلق بمن يقوم بالتعويض فهذا محسوم بأن الجيب المليء وهو عادة المتبوع هو الذي يلزم بالدفع والفرق بين محاكم دبي والمحاكم الاتحادية أن محاكم دبي تلزم المدعي باختصام التابع والمتبوع معاً ولا ترفض القضية نهائياً كما تقوم به المحاكم العليا.

وقال المستشار الصديق أبو الحسن محمد قاضي في محكمة نقض أبوظبي ونائب رئيس مجلس القضاء: (ان أحكام القضاء تتضمن عددا من الاختلافات في قضايا عدة وعلى سبيل المثال الدية اعتبرت في محاكم دبي دية الأنثى كدية الرجل وحتى الآن تعتبر المحاكم الاتحادية دية المرأة نصف دية الرجل ويعود ذلك إلى تفسير كلمة شخص في القانون، فهل شخص يقصد بها صفة اعتبارية للانسان سواء كان ذكرا أو انثى أو انه ينحصر في الإشارة إلى الذكر وهنا يكمن الاختلاف فالنصوص واحدة ومحاكم الدولة جميعها تخضع لقانون واحد موحد في معظم جوانب قوانينها وبالتالي فالخلافات عادة تكون في تفسيرات جزئية للقوانين المعمول بها).

من جهة أخرى، قال المستشار عبدالعزيز يعكوبي الأمين العام لمجلس القضاء في أبوظبي: (ناقش الملتقى عددا من الموضوعات المهمة والتي تأتي تجسيدا للدور الذي يضطلع به مجلس التنسيق القضائي في سبيل تفعيل التعاون والتنسيق وتبادل الخبرات والتشاور في كافة الأمور المتعلقة بالقضاءين الاتحادي والمحلي حيث تم مناقشة التوصيات الصادرة عن الملتقيات السابقة ، إضافة إلى عرض خطة عمل مستقبلية للزيادة من رفع درجة التنسيق و التعاون بين المحاكم العليا بالدولة، وذلك من خلال تعميق آليات التواصل بين المكاتب الفنية لهذه المحاكم تسهيلا لعملية المواكبة الفورية من قبل كل محكمة للاجتهادات القضائية الصادرة عن المحاكم الأخرى. كما تم تدارس موضوعين اختلفت توجهات المحاكم العليا بالدولة بشأنهما، يتعلق أولاهما بمدى جواز قبول الدعوى في حالة اختصام المتبوع دون تابعه، وثانيهما يرتبط بالإحالة بين الجهات القضائية بالدولة وحدود نطاق تطبيق المادة ‬85 من قانون الإجراءات المدنية).