تمثل قصة هذه الجريمة، جانبا من الأسلوب الجديد الذي أطلقته القيادة العامة لشرطة دبي في توعية أفراد المجتمع من الجريمة، والذي يعتبر الأول من نوعه عالميا، كأسلوب مبتكر وحديث اعتمد الشكل الأدبي في التوعية، وذلك لتحقيق غاية هامة تتمثل في الاحتياط والحذر من الوقوع ضحايا للجريمة فيما لو واجهوا نفس الظروف التي وقع فيها ضحايا القصص التي أوردها الكتاب الأدبي الذي أصدرته شرطة دبي .
البدايات
كان حمد مع أسرته الصغيرة في سيارته يشق طريقه نحو الحقول. وكلهم أمل أن يجدوا من الفاصل القصير متعة تساعدهم على نسيان هموم يومهم، لأنهم لا ينتمون إلى من تبقى لهم من أعمال يومية. ولا هم من العاشقين. وفي الطريق إلى الحقول اعترضت سيارته سيارة لسائق مخمور. أودت بحياته مع زوجته هدى وأولاده أحمد وعلي ومريم، وظلت أمل ذات 21 ربيعاً تصارع الموت حتى نقلت إلى المستشفى فاقدة الذاكرة. وحالتها ميؤوس منها. من هي أمل؟ هي تلك الفتاة الجميلة التي نجت من حادث مروري، ولم يبق لها أهل في الدنيا غير جدتها التي تعيش في منطقة فقيرة على أطراف المدينة الشاسعة. ظل الأطباء يهتمون بها حتى بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئاً فشيئاً..
وها هي تعود بذاكرتها إلى سابق عدها لكنها دائماً كانت شاردة الذهن. تتذكر أحبتها الذين ذهبوا إلى جوار ربهم، مرت الأيام وأمل بين أحضان جدتها والفقر المدقع يلازمها، والناس حولها يئنون من الفقر وأهواله إلا القليل منهم، الذين تمكنوا من الاستفادة من بيع وشراء الأراضي مستغلين فقر الناس وحاجتهم إلى المال وفي خضم هذا الفقر نشأت أمل وترعرعت وتميزت عن غيرها من البنات بالجمال الفائق وأصبحت حلماً جميلاً يراود كل شاب من أهل الحارة ومن غيرها، غير انها لم تكن تعر اهتمام المعجبين بها ولا بنظراتهم، لقد كان الاهتمام الأكبر لديها هو الاعتناء بجدتها المريضة، وبينما كانت أمل تسير بين أزقة البيوت المهجورة في حارتها الفقيرة لجلب الماء من بئر بعيد عن منزل جدتها، وأثناء ذلك سقطت في حفرة عميقة مع قربتها الخالية.
وحول جسدها الرمال وكادت أن تغطيها لولا صراخها الذي استقر في أذن عبدالله والذي كان عابراً من نفس الطريق. فهرع إلى مصدر الصوت ليجد أمل وقد أكتسى جسدها بالرمال الناعمة.. مد يده المفتولة إلى داخل الحفرة فوجدتها أمل الطريقة الوحيدة لبقائها حية. حيث تلامست أصابعها الخائفة بأصابع عبدالله. وشدها بقوة إلى الأعلى. لكن القربة ظلت في قاع الحفرة شاهدة على مأساة أمل التي لا تنتهي منذ نعومة أظافرها. وعند وقوفها على حافة تلك الحفرة بدأت تزيح من حول جفنها التراب. ولم يستطع عبدالله ان يتركها لوحدها حيث شرع بإزالة الرمال الناعمة من على شعرها المتدلي وأثناء ذلك لمحته عجوز من خلف باب منزلها المتهالك. وما هي إلا لحظات حتى نسجت لأمل أقاويل وشاع هذا الخبر في الحارة كالنار في الهشيم.
إندحار الأمل
عادت أمل إلى جدتها وقد اشتد عليها المرض وتجمع من حولها النساء وملك الموت يحوم حولها مأمور بأمر الله بخطف روحها. وما هي إلا برهة حتى لفظت آخر أنفاسها اجهشت أمل بالبكاء وكيف لا وجدتها هي آخر شخص من أقربائها كان لايزال على قيد الحياة.
نظرت أمل إلى الأفق البعيد وشعرت بالخوف من الأيام المقبلة والعيش وحيدة في جو لاتزال فيه متهمة في نظر الآخرين بعلاقة مع عبدالله. والذي قد اختفى عن أعين الناس حتى لا يزيد الطين بلة ، وتقدم إليها عدد من شباب الحارة فرفضتهم لعل عبدالله يعود ويتقدم لها وترتبط به لكنه تأخر كثيراً وما كان لحسن البالغ من العمر 67 سنة أغنى رجل في الحارة إلا التقدم لها طمعاً في جمالها الأخاذ كيف لا وهو المعروف في الحارة باصطياد الجميلات والزواج منهن ثم تركهن بعد مرور الوقت. حاولت أمل رفضه لكنها في نهاية المطاف وافقت بسبب غياب عبدالله الطويل. وتم الزواج وبدلاً من الفرح كان كابوساً عليها وها هي تدخل في نفق مظلم من جديد. مرت الأيام في بيت زوجها الذي كان يعشقها لكن هذا العشق من جانب واحد. وفي يوم ضبابي غائم ككل أيامها خرجت أمل في الصباح الباكر من بيت زوجها وفي يدها قربة لجلب الماء، شقت طريقها نحو البئر وبعد ان ملأت قربتها تابعت خطواتها باتجاه البيت شعرت بالتعب والغثيان.
الفرح الحزين
فلجأت إلى منزل صديقتها ريم الواقع على جانب الطريق وعرفت منها ان هذا الغثيان سببه الحمل.. فرحت أمل كونها ستصبح أماً بعد أشهر قليلة واتجهت مسرعة نحو منزل زوجها فوجدت الباب مفتوحاً على مصراعيه وزوجها على سرير نومه حاولت ايقاظه لتعلمه بخبر حملها فوجدته جثة هامدة والدماء الغزيرة تتدفق من صدره. صرخت صرخة عالية وصلت إلى مسامع الجيران الذين هرعوا نساء ورجالاً إلى المنزل وشاهدوا أمل تجهش بالبكاء وتندب حظها العاثر فكيف لا وهي التي تربت يتيمة واحتضنتها جدتها الفقيرة لتعيش معها زهرة شبابها في فقر مدقع.. أدركت في مقتل زوجها أن ابنها سيكون يتيماً لا محالة وأن حياتها قد تغيرت بوفاة زوجها ولكن السؤال الذي يطرح نفسه أمام أمل وتردده على مسامع الحاضرين هو.. من الذي قتل حسن؟ حضرت الشرطة إلى المنزل وقاموا على الفور بتحديد مسرح الحادي والبحث عن دليل يقود إلى الجانب.
شوهدت الجثة ملقاة على السرير في وضع شخص نائم والدماء تتدفق بغزارة من صدره، أدرك المحقق علي بأن لكل جريمة أسلوبها وان الجريمة التي أمامه تحتاج إلى بذل جهد كبير للوصول إلى الجانب مدعماً بالأدلة المادية، وعلى الفور أمر بأن يغادر الجميع غرفة المجني عليه، وفور مغادرتهم طرأ على ذهنه الكثير من الأسئلة التي تحتاج إلى أجوبة شافية لا لبس فيها. نظر إلى باب الغرفة فوجده مفتوحاً على مصراعيه ولم يتعرض لأية عنف ثم نظر إلى محيط الغرفة المكونة من 4 في 4 متر فوجد نافذتها الوحيدة محكمة الإغلاق. تقدم ناحية الجثة فوجد الدماء لاتزال طرية وهناك القليل من القطرات تتساقط من بين الفراش ناحية الأرض. خرج من الغرفة ناحية مركبة الشرطة لإحضار كاميرا التصوير والأوراق لتسجيل البيانات والمعلومات المتوفرة أمامه وعلى عتبة الغرفة وهي عتبة خشبية لاحظ قطرة دم ثم عدد من القطرات على الرمال خارج بوابة الغرفة.
مسيرة التحقيق
وعلى الفور قام بوضع حماية لتلك القطرات من عبث العابثين ثم دخل الغرفة من جديد وشاهد الكثير من بقع الدماء في زاوية الغرفة.
تقدم مرة أخرى نحو الجثة وقام بتفحصها ووجد شعرة لونها أسود عالقة تحت ظفر المجني عليه لليد اليمنى وهي شعرة تشبه الشعر الأكرت قصيرة الحجم حيث قام بتحريزها بداخل كيس بلاستيكي شفاف. وبدأت الأسئلة تنهمر على مخيلة المحقق علي من كل ناحية وهي أسئلة بديهية لكنها مهمة جداً تنحصر في أشياء حية وجدت في مسرح الحادث وتحتاج إلى أجوبة من قبل الخبراء. سأل نفسه من الذي فتح باب الغرفة بعد مغادرة أمل لجلب الماء وبأي وسيلة فتح بالغرفة؟ هل الشعرة التي وجدت تحت ظفر المجني عليه هي من شعر رأسه أم لشخص آخر؟ من الذي ترك قطرات دمه في زاوية الغرفة وعلى العتبة وخارجها هل هي للجاني أم لشخص آخر؟
أين أداة الجريمة؟ وما هو الوقت الذي قتل فيه حسن؟ أسئلة كثيرة تنهال على ذهن المحقق علي بحجم الجريمة. خرج من الغرفة بخطوات حذرة واتجه ناحية برميل قمامة موجود على قارعة الطريق لعله يجد أداة الجريمة، كما تعود في جرائم أخرى، ولم يجد بداخله إلا هرة نحيلة الجسم تبحث عن لقمة بداخل برميل خال من أية مخلفات. نظر إليها المحقق علي وأدرك بالفعل ان هذه الحارة فقيرة لدرجة ان الهرر قد هجرتها إلا من لم يستطع مقاومة الهرر الأخرى في حارات أخرى مما يعني ان القتل بالأساس كان للحصول على المال.
عاد إلى مسرح الحادث وطلب الخبراء لعلهم يساعدونه في فك غموض هذه الجريمة. وقد أفاد الطبيب الشرعي بضرورة نقل الجثمان إلى ثلاجة الطب الشرعي لمعاينتها وإصدار تقريره الخاص بنتيجة المعاينة. نقلت الجثة وعند نقلها صرخت أمل وبكت لحالها نساء كثيرات كن قد تجمعن خارج المنزل. كيف لا تصرخ وهو الأمل الباقي لها بعد ان فقدت أهلها وضاقت عليها الدنيا ووسط الصراخ تحرك في أحشائها الطفل الذي تحمله فأدركت أن هناك أملاً في الحياة تحاول التشبث به وسط نكباتها المتتالية. حاول المحقق علي ان يهدئ من روعها للحصول منها على أجوبة على أسئلة كانت تدور في ذهنه.
وحرصاً منها على كشف الحقيقة. تمالكت نفسها وسردت للمحقق كل ما تعرفه وما يطلب منها من معلومات، حيث سألها المحقق علي عن الفترة الزمنية التي غادرت فيها لجلب الماء؟ وأشارت له بأن الوقت كان في حدود الساعة الخامسة والنصف صباحاً. وهو الوقت الذي تعودت ان تغادر فيه الغرفة ثم ذكرت بأنها وعند مغادرتها قامت بإحكام إغلاق باب الغرفة من الخارج وهي متأكدة من ذلك وأثناء سرد الحديث الذي يتخلله البكاء أحياناً أخرى كانت تكظم غيظها لكنها تذرف الدموع بغزارة. وهنا تقدمت نحوهما امرأة تدعى زينب قطعت حديثهما وقالت للمحقق علي ان لديها معلومات تفيد مقتل حسن على يد عبد الله لكونه كان يحب أمل حباً شديداً اشتهر به في الحارة.. سأل المحقق علي عن عبدالله والعلاقة التي تربطهما فقالت بأن ما تدعيه زينب كان قبل سنة تقريباً. وأن العلاقة ما هي إلا علاقة بريئة، كنا نسعى أن نتزوج غير ان القدر غير اتجاه حياتنا وأنا راضية كل الرضا بما قدره الله لي. غير ان المحقق علي بدأ يعطي موضوع عبدالله جزءاً من اهتمامه لدحر كل الشبهات بأن عبدالله قد ترك الحارة قبل عام وهو يعمل وسط المدينة في مجال البناء. لهذا كان من الضروري الوصول إليه والتأكد من علاقته بالحادثة.
في ضوء العلاقة المزعومة وبعد أسبوع وردت للمحقق علي تقارير خبير الآلات والذي يؤكد بأن كالون بوابة الغرفة قد فتح بواسطة مفتاحه الأصلي من الخارج. وأفاد تقرير الخبير البيولوجي بأن بقع الدماء التي عثر عليها في زاوية الغرفة وعلى عتبة الغرفة وخارجها هي بقع دماء حيض امرأة تبين لاحقاً بأن تلك البقع لامرأة حضرت بعد حادثة القتل مباشرة مع أخريات حين سمعن صراخ أمل على مقتل زوجها. وأفاد تقرير خبير البصمات بأن البصمات المرفوعة من على باب الغرفة من الداخل والخارج هي بصمات أصابع أمل. وأفاد تقرير الطبيب الشرعي بأن المغدور قد تعرض لحادثة طعن من خلال سكين طولها 10سم، مما يعني بأنها قد مزقت القلب تماماً وأن الجاني قد أحكم طعنته في القلب مباشرة. وأفاد تقرير الخبير البيولوجي بأن الشعرة التي عثر عليها تحت ظفر المجني عليه هي شعرة آدمي. وهنا وقف المحقق علي يتحسس بين تقارير الخبراء والمعاينة وأقوال أمل أية أدلة تقوده إلى الجاني فأدرك بأن الشعرة ربما هي الدليل الوحيد الذي عثر عليه في مسرح الحادث على الأقل في هذه المرحلة وعلى ضوئها يمكن بناء قنوات افتراضية قد يسير عليها، فضل المكوث في مكتبة يقرأ التقارير. وأدرك بعد التمعن في القراءة ان الجريمة هذه ليست من الجرائم البسيطة بل جريمة تحتاج إلى مزيد من البحث والتعاون مع فريق عمل نشيط ومتمكن.
تم البحث عن عبدالله لدرء الشك باليقين ووجد انه يعمل في شركة مقاولات. وبعد أن سمع من المحقق علي بأن امل قد تزوجت وان زوجها قد وجد مقتولا بواسطة سكين وان الشكوك تحوم حوله في جريمة القتل وهنا اندهش عبد الله مما سمعه كيف لا... سرد قصته كاملة للمحقق علي بأن قال : إنه كان يحبها حباً فاق حب الكثيرين من العشاق. وقد قرر أن يعمل ويكسب من عرق جبينه ثم يعود إليها ليتزوجا ويعيشا معاً في مسكن ملائم ثم ذرفت عيناه الدموع وتدحرجت من مقلتيه وكأنها السيل العارم. تجمع من حول المحقق علي الكثير من العمال وسألهم ماذا يعرفون عن عبدالله؟ فأجابوا بنبله وبكرمه وأردف المحقق علي ان كان عبدالله قد ترك عمله ليلة الحادثة؟ وتبين بأنه كان متواجداً مع زملائه في مقر سكنهم وسط المدينة ورغم ذلك تم جلبه إلى قسم الأدلة الجنائية وتبين للخبير البيولوجي بأنه وبعد مقارنة الشعرة المرفوعة من تحت ظفر المجني عليه لا تنطبق مع الشعر المرفوع من شعر رأس عبدالله. مما يعني بأنه خارج نطاق الشكوك.. عاد عبدالله إلى الحارة يتلمس ذكرياته ويندب حظه العاثر. ثم رحل عنها سريعاً فلا سكن في المنطقة بدون أمل في الحياة ولا أمل الانسانة التي عرفها.. إذاً ما العمل الذي يجب على المحقق علي القيام به للوصول إلى الجاني؟
قرر التواجد في المنطقة في زي مدني والتجول فيها والتقرب من أحاديث الناس ونفذ ذلك وبدأ يستمع عن كثب لأقاويل الناس عن حادثة القتل لعله يسجل في ملاحظاته مقولة من هنا أو خبراً من هناك تفيد مجريات التحقيق. وعلى حين غرة سمع من أحد المارة أن مقتل حسن قد جلب للحارة الهدوء والسكينة وكانت هذه العبارة كالسهم اخترقت أذن المحقق علي. كيف لا وهي عبارة قوية جداً قد تكون من ورائها قصة. لهذا تتبع المحقق علي ذلك الشخص إلى منزله وهو يدرك ان لكل مقولة في التحقيق فائدة حتى وإن كانت عابرة ولعله يجد في هذا الإنسان الجسر الذي يقوده إلى الحقيقة.
وأصر المحقق علي بينه وبين نفسه أن يحصل من هذا الإنسان على أية معلومة و تتبع أثر ذلك الشخص حتى وصل إلى مقر سكنه في تلك الحارة التي يقطنها المجني عليه حسن واستأذن منه دخول المنزل. وعرفه بنفسه وقال له بأنه قد سمع منه عبارة أن الحارة قد هدأت بعد مقتل حسن وطلب منه توضيح هذه العبارة. هل ان حسن كان في حياته مجرماً لدرجة أن سكان الحارة قد تنفسوا الصعداء في مقتله؟
أجابه أحمد أن المجني عليه حسن كان ظالماً من خلال أفعاله الشاذة فقد كان يستغل فقر العذارى من صغيرات السن ويتزوجهن بحكم انه كان يمتلك المال بعكس سكان المنطقة كلها ثم يتركهن بعد فترة زمنية ليتزوج أخريات، كما انه كان يشتري من الفقراء الأراضي بأبخس الأثمان مستغلاً حاجتهم للمال ولهذا فإن مقتله قد أسعد من تبقى من البنات ولمن لا يزال يمتلك أراضي في الحارة، واستدرك قائلاً بأنه على المسلم ان يحب لأخيه الخير ويعينه عليه لا المكروه والظلم لكن هذا الإنسان ويقصد حسن وهو الذي لم يترك لنا شيئاً حسناً من سيرته لنترحم عليه على الإطلاق، وهذا الحديث الذي أقوله هو قول سكان الحارة لا قولي أنا فقط ولو سألت أمل لأخبرتك بما يجول في خاطرها غير أنها وقد أصبحت زوجته فإني لا أعتقد أن يكون رأيها نفس رأي الآخرين لماذا؟
الآن في أحشائها طفل لزوجها حسن. وهنا أدرك المحقق علي بأن الناس كافة يكرهون حسن وبأن الجريمة ربما تكون انتقامية من شخص تعرض للإيذاء من قبل حسن، وبالتالي انتقم إما لنفسه أو لعرضه ولكن من هو؟ هرع المحقق علي إلى منزل المجني عليه حسن للاستفسار أكثر من أمل عن المفاتيح التي بحوزتها. فأخبرته بأنها وعندما تزوجت المذكور وجدت مفتاحين واحدا ظل معها معلقاً على صدرها تستخدمه عندما تغادر الغرفة والثاني معلقا على مسمار خلف الباب يستخدمه زوجها المغدور عندما ينوي الخروج في غيابها، أما المفتاح الثالث فقد قال لها زوجها بأنه قد فقد منذ زمن طويل. والغريب أن المفتاح الثاني. الذي كان على مسمار خلف الباب غير موجود. مما يعني بأن اختفاءه قد ترك علامة استفهام كبيرة لدى المحقق علي، وعلى ضوء هذا ركز في عملية بحثه على المفتاح الثاني وخصوصاً ان تقرير خبير الآلات قد ذكر بأن الباب فتح بواسطة مفتاحه الأصلي ولكن أين اختفى المفتاح وكيف؟ سؤاله هذا ردده على أمل والتي ذكرت بأنها لا تعرف أين ذلك المفتاح غير انها تتذكر بأنها شاهدته آخر مرة قبل مقتل زوجها بأربعة إلى خمسة أيام. مما يعني ان الجاني قد وصل إليه بطريقة ما ثم إعداد العدة وحضر إلى المنزل في وقت مغادرة أمل منزل زوجها في صباح كل يوم لجلب الماء.
وهذا يعني بأنه شخص على اطلاع واسع على أدق تفاصيل حياتهما، وبالتالي فكيف وصل إليه المفتاح الذي استطاع من خلاله فتح الباب وقتل المجني عليه. إن هذا الرأي هو الأرجح الذي توصل إليه المحقق علي من خلال عملية بحثه والاستنتاجات التي توصل إليها من خلال أقوال بعض ممن قرر السماع لأقاولهم وتقارير الخبراء. ومن هذا المنطلق قرر أن الجاني قريب جداً وربما يكون من أهل الحارة وأن مفتاح الباب ربما لا يزال بحوزته. ولكن من هو؟ عاد المحقق علي بأسئلته لأمل وطلب منها تحديد من زارهما خلال الخمسة أيام التي سبقت مقتل زوجها حسن. فردت عليه بمن تتذكرهم ومنهم إمرأة قالت بأنها زارتها ليلة الحادث وتدعى سميرة وتسكن في منزل قريب من منزل جدة أمل المتوفاة. وهي امرأة كانت متزوجة من حسن وقد طلقها كما طلق غيرها من قبل. وهنا أدرك المحقق علي بأن هذه المرأة هي البداية لكشف غموض مقتل حسن . وفي منزلها وجدها جالسة تعد الطعام وهي في العقد الثاني من العمر جميلة بما تحمله الكلمة من معنى حيث عرفها بنفسه وبالمهمة التي جاء من أجلها وسألها عن ما تعرفه عن حسن فردت بالقول انه كسائر الناس. وكنت ذات يوماً زوجته لكنه طلقني. ثم سألها إن كانت قد زارت أمل ليلة الحادثة؟
فردت بالقول لقد زارتها بالفعل، ثم سألها إن كانت قد شاهدت مفتاحاً معلقاً خلف باب غرفة حسن؟ فردت بالقول لم أنتبه لذلك. وعرف المحقق علي أن الوقت لم يحن للضغط عليها بالأسئلة، إلا إذا توفر الدليل ضدها.. غادر المحقق علي منزلها متجهاً إلى مقر عمله وعلى بعد كيلومتر تقريباً سمع دوي طلقة نارية وكان مصدر الصوت منزل سميرة هرع مسرعاً إلى مصدر الصوت فوجد سميرة تحتضر لكنها تتحدث بصوت خافت سألها المحقق علي من الذي أطلق عليك النار؟ فردت بالقول أنا من قتل حسن. أنا من قتل حسن.
استغرب المحقق علي من هذه العبارة والاعتراف غير المنطقي لأن من قتل حسن هو رجل.. كون الشعرة التي وجدت عالقة تحت ظفر المجني عليه هي لرجل وليس لامرأة لأنها قصيرة ومن النوع الأكرت بينما سميرة شعرها طويل جداً ومتسلسل. ظلت سميرة تردد أنا من قتل حسن. سألها المحقق علي لماذا قتلتيه يا سميرة؟ قالت لأنه قتلني ألف مرة حينما اختارني زوجة له ثم انه استولى على أرض والدي بالقوة مما أدى إلى وفاته بالسكتة القلبية حزناً على أرضه. وتشردت أسرتي نتيجة ذلك. وعليه فإنني قتلته بيدي هذه. ولفظت أنفاسها تاركة لغزاً جديداً أمام المحقق علي. فعليه ان يعرف من قتل حسن؟ ومن أطلق النيران على سميرة وأرداها قتيلة؟ أدرك ان الحادثتين مرتبطتين معاً. فالذي قتل سميرة خاف ان تكشف أمره في مقتل حسن وبالتالي فضل لها الموت ولكن من هو؟ دل مظروف الرصاصة التي أودت بحياة سميرة والتي قام المحقق علي بتحريزه من مسرح حادثة إطلاق النيران إلى أنها عائدة لسلاح من نوع كلاشنكوف مسجل في دوائر الشرطة باسم ماجد محمد.
وهو نزيل أحد السجون والغريب في الأمر أنه وفي ليلة الحادثة كان في محبسه إثر حادث مشاجرة مع آخرين. مما يعني في رأي المحقق علي بأن منزل المذكور قد تعرض للسرقة في غيابه أو انه قد باع سلاحه لشخص آخر. وعليه ذهب إلى منزله وتبين بالفعل ان البندقية الخاصة بالمدعو ماجد قد تمت سرقتها وهذا ما أكده والد ماجد حيث شرح للمحقق علي بأن هناك بلاغ سرقة في مركز الشرطة القريب من المنزل. لهذا أسرع إلى مركز الشرطة باحثاً عن ملف القضية للتأكد من الإجراءات المتبعة وهل هناك بصمات للجاني فتبين بالفعل ان البصمات المرفوعة من مسرح الحادث هي للمدعو حكيم والذي لا يزال حراً طليقاً. ولم يتم القبض عليه بعد.
ولكن هل هو القاتل؟ أم أنه سارق فقط. أسئلة تتردد في ذهن المحقق علي والذي قرر ألا يهدأ له بال إلا بعد أن يودع المتهم الحقيقي الحبس وإحالته إلى العدالة لينال جزاءه وبعد البحث عن المدعو حكيم تم العثور عليه في إحدى المقاهي الليلية مع مجموعة من شباب الحارة ولما اقتيد إلى مركز الشرطة اعترف طواعية بأنه من سرق سلاح ماجد. وبعد عدة أيام سرق من منزله وبعد رفع آثار البصمات من منزل حكيم تبين بأن بصمات الأصابع تعود لشخص يدعى معتوق. ولكن هل هو القاتل الحقيقي أم انه سارق فقط؟
ذهب المحقق علي إلى منزله وتبين بأنه ومنذ يومين قد هجر المنزل دون معرفة الأسباب مما يعني بأنه قد شعر بالخوف من اقتراب أجله ولكن هل هو القاتل الحقيقي أم أنه شخص آخر؟.. أصر المحقق علي ان يدخل المنزل ويقوم بتفتيشه باحثاً عن مفتاح غرفة حسن.
وبعد موافقة النيابة العامة على ذلك تم العثور على عدد من المفاتيح بداخل غرفة معتوق. أحيلت جميعها إلى خبير الآلات. وورد التقرير الذي يؤكد بأن أحدهم هو بالفعل المفتاح الأصلي لمنزل المجني عليه حسن. مما يعني ان معتوق هو قاتل حسن. لوجود واحدة من أداوات الجريمة في غرفته. كما تم العثور على السلاح الناري الذي أطلق منه النيران على المجني عليها سميرة. ولكن أين معتوق؟
انكشاف المستور
وبينما كان المحقق عليه يبحث عن جواب لاختفاء معتوق. نما لعلمه عن وجوده في المستشفى على إثر حادث دهس تعرض له بعد حادثة إطلاق النار على سميرة. هرع مسرعاً إلى المستشفى جازماً بأنه هو من قتل حسن. وهو من سرق سلاح حكيم المسروق من منزل ماجد وقتل به سميرة وقد افتراض ان الواقعة برمتها على حسب اعتقاد المحقق علي ان سميرة وبحكم أن زواجها من حسن كان على غير رغبتها وأن والدها قد توفي نتيجة قيام حسن بأخذ أرضه ولهذا قررت الانتقام منه خصوصاً بعد ان طلقها بعد ان أخذ منها أغلى شيء تملكه البنت، لهذا كلفت الجاني معتوق بقتل حسن ولهذه الغاية وحتى تمهد الطريق أمام الجاني المذكور وبحكم معرفتها بمنزل مطلقها حسن فقد ذهبت ليلة الحادثة ومكثت مع أمل بضع الوقت ثم غافلتها وأخذت المفتاح الذي كان معلقاً على باب الغرفة من الداخل ثم سلمته للجاني معتوق كي ينفذ مهمته في الوقت الذي حددته له كونها تعلم أن أمل ستغادر صباح يوم الحادثة لجلب الماء، بينما حسن سيظل نائماً على عادته المعروفة.
وفي الوقت المحدد ذهب معتوق إلى منزل حسن وفتح الغرفة بواسطة المفتاح الأصلي الذي بحوزته ثم تسلل إلى سرير المجني عليه وطعنه طعنة قاتلة وقبل ان يلفظ حسن أنفاسه أمسك بيده اليمنى رأس الجاني معتوق وسحب الشعرة التي وجدت تحت ظفرة. ومع مرور الأيام أحس معتوق أن سميرة قد تغدر به فقام بسرقة السلاح الناري من منزل حكيم وتخلص من سميرة حتى لا تبوح ذات يوم باسمه إلى الشرطة وعندما وصل المحقق علي إلى المستشفى وجده نائماً على سرير المرض. قيل بأن صحته قد تحسنت. حيث أخذ شعرة من شعر رأسه وأرسلها بسرعة إلى الخبير البيولوجي وجاءته النتيجة بتطابق الشعرتين. استيقظ معتوق من نومه وشاهد الشرطة من حوله. وقال له المحقق علي. لماذا قتلت حسن وسميرة؟ فأجابه بأنه لم يقتل أحداً ولكن وأمام شرح كل ملابسات القضيتين والأدلة القاطعة نهض وجلس على سريره واعترف بتفاصيل جريمته البشعة .
