تمثل هذه القصة جانباً من الأسلوب الذي تطلقه القيادة العامة لشرطة دبي في توعية أفراد المجتمع من الجريمة، حيث يعتبر هذا الأسلوب الأول من نوعه عالمياً، كأسلوب مبتكر وحديث بالاعتماد على الشكل الأدبي في التوعية.

«دبي.. الحلم»

دبي لؤلؤة الخليج هكذا سميت. مدينة لا تعرف النوم أو الهدوء. نابضة بالحياة والحيوية والسعادة. مليئة بالفرص والمجالات. عالمية بطبيعتها. يقصدها الجميع. لغرض العمل أو الاستثمار أو السياحة أو العلاج. من الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب فهي لا تعرف الغربة. من يأتيها في الصيف سائحاً يرجع إليها فيما بعد مقيماً. ومن يأتيها مؤقتاً لا يترك سبيلاً إلا ويجعل إقامته فيها دائمة. 

رشنا وسانجاي

كانت الذكرى الأولى لالتحاقها بالعمل ‬1/‬1/‬1985م. حيث جلبت الحلويات لزملائها وزميلاتها بالعمل. هي مندوبة مبيعات بشركة أدوية. جميلة المحيا والسلوك. رشيقة الجسم. خفيفة الظل. سانجاي كان طبيباً عاماً. تقابل مع رشنا في الشركة فأبهره جمالها وحيويتها فبدأ من خلال العمل بالتقرب إليها والتودد لها. حتى لاحظت رشنا ذلك فبادلته الإعجاب والقبول. واتفقا على الزواج. وسارت الأمور على ما يرام. حتى أن سانجاي فاتح والد رشنا. والذي اعترض على ذلك بشدة غاضباً على سانجاي لمجرد إقدامه على التفكير بالارتباط بها. بسبب الفروقات الطائفية. ولكن حبهما لم يعترف بهذا الموقف ولم يقبل به.

دبي الحلم

يقال بأن في الهند.. وكما نؤذن ـ نحن المسلمين ـ في آذان مواليدنا أذان الصلاة في الأذن اليمنى، ثم إقامتها في الأذن اليسرى. يقال في أذن الطفل منذ ولادته «إن شاء الله تكبر وتعيش في دبي».

بالرغم من الصدمة الكبيرة للحبيبين لرفض والد رشنا آليات. ولكنها لم تتمكن من التفريق بينهما. فبدءا يستعرضان معا الحلول والبدائل، ومع مرور الوقت كان حبهما يشتد قوة ونمواً. فكانت دبي حلم السعادة وتحقيق الأمنية.

فأعدا خطة للانتقال إلى دبي. يتجه إليها أولا سانجاي للعمل كطبيب بإحدى العيادات. من ثم يقوم بتأسيس عش الزوجية. والبحث عن عمل لرشنا. وإقناع الأخيرة لأهلها بالسفر إلى دبي بدافع العمل. ومن ثم الزواج والعيش معاً.

دوام آخر الليل

في تمام الساعة ‬8,50 وصل الملازم خالد إلى الدوام لمناوبة آخر الليل بمركز شرطة الرفاعة. بدأ دوامة بتفقد الطابور والتتميم على مرتب فئته والتأكد من جاهزيتها وهيئة عناصرها، وإعطائهم بعض التعليمات والملاحظات. والتي كانت تتعلق بالإتقان والتمعن والتركيز والتأكد.

خالد محقق جنائي. كان من أكثر ما يسعده التمكن من كشف غموض الجرائم وتفكيك طلاسمها والقبض على مرتكبيها وبناء القضايا بناء قوياً لضمان الإدانة. كما كان يسعده تمكنه من علاج الخلافات والمشاكل دون ان تصل إلى المحاكم وأكثر ما كان يؤسفه القضايا المؤثرة على الأسرة وأمنها وسلامتها. 

في دبي

وصل سانجاي إلى دبي. وبدأ عمله مباشرة في العيادة التي تعاقد معها للعمل. بعد إنهاء إجراءات إقامته وترخيصه بمزاولة المهنة. كان مدير العيادة يراقبه عن كثب. فأعجب بإخلاصه وتفانيه وجديته. بعد مرور عام على عمله بدبي. كانت أطول سنة مرت عليه لفراق رشنا الذي بقي دائم الاتصال بها واستمرار إرسال الرسائل اليها.

وبإنتهاء السنة الثانية. وبعد تأكيد جدارته في العبادة. عينه مالك العيادة مديراً لها. حيث تحسن وضعه الاجتماعي ودخله المادي. وتمكن من الحصول على وظيفة لرشنا وتأشيرة إقامة. التي أستأذنت أسرتها ـ وبكل هدوء ـ للانتقال للعمل بدبي وأسرتها ـ وبكل حسن نية ـ وافقت. معتقدة بأن حبها لسنجاي انتهى. فكيف ترفض عائلتها ودبي هي «الغاية والحلم».

حطت الطائرة بمطار دبي الدولية. قادمة من نيودلهي. على متنها فتاة متقبلة المشاعر بالابتسامة مرات ويذرف الدموع مرات آخر. بينما سانجاي بصالة القادمين غير قادر على الحركة أو الجلوس والمكوث في وضعية واحدة لأكثر من ثانية. فذلك فراق طال لأكثر من سنتين، وها هو الحلم يتحقق اليوم. استمر ذلك حتى تقابلا فاختلطت الدموع والأنفاس والأحضان. والسعادة الكبيرة مالئة المكان. ومن المطار مباشرة اتجها لعقد الزواج ومن ثم الاتجاه إلى منزل سانجاي.

 بعد عقدين

رشنا الجميلة والرشيقة والحيوية تحولت إلى إمرأة في العقد الرابع من العمر. ممتلئة. غاضبة. متذكرة دائماً هروبها من أهلها. متضايقة من مقاطعتهم لها. فكان ضميرها المؤنب رفيق دربها. منذ يوم وصولها إلى دبي. إلا أن صغر سنها وحيويتها وجمالها وحب سانجاي. كان المخدر لها من هذا العذب. ولكن سانجاي بقي محافظاً على حيويته. وكان دائم الخروج من المنزل. والسهر حتى ساعات الصباح المبكرة.

عائداً إلى المنزل سكراناً ملوثاً بعطور نسائية وبقع هنا وهناك من حمرة شفاه ومواد تجميل نسائية على ملابسه. فبدأت رشنا أيضاً بشرب الخمرة.

 

المقدم خالد

العمليات: ألو.. السلام عليكم سيدي. هل المتحدث المقدم خالد مدير مركز شرطة الرفاعة؟

المقدم خالد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. نعم أنا المقدم خالد.

العمليات: وردنا بلاغ من مستشفى راشد عن إحضار إمرأة متوفية وفاة طبيعية.

كانت حينها الساعة الخامسة والنصف صباحاً. حيث انتقل مباشرة إلى المستشفى. وبوصوله استقبله الضابط المناوب.

الضابط: سيدي. إمرأة من الجنسية الهندية في منتصف العقد الرابع من العمر أحضرت إلى المستشفى بواسطة سيارة الإسعاف متوفية. وزوجها الذي اكتشف حالتها واتصل بالنجدة لإرسال الإسعاف.

المقدم خالد: ما أسمه؟

الضابط: سانجاي سيدي. وعمره كذلك كعمرها. وهو موجود بمكتب ا لشرطة معنا.

المقدم خالد: هل يمكنني مشاهدة الجثة؟

الضابط: بالطبع سيدي. اتبعني.

بمشاهدة الجثة لاحظ خالد عدم اهتمام المتوفية بنفسها. من حيث الأظافر وإزالة شعر الوجه واليدين. وخشونة الأيدي.

عندها طلب الاتجاه لمقابلة الزوج. فوجده على خلاف زوجته. جميل المظهر. راقي الملابس. سلم البدن. تفوح منه رائحة عطور ثمينة.

المقدم خالد: أتعاطف معك سيد سانجاي في هذه اللحظات الصعبة بوفاة زوجتك.

عندها لاحظ خالد أحمرار طولياً على رقبته. أثارت الشكوك فيه. ومباشرة وضع خطة بحث وتحر لكشف القضية أو التأكد من أنها وفاة طبيعية. ارتكزت على الآتي:

عرض الجثة على الطبيب الشرعي لبيان سبب الوفاة.

التحقق من المكالمات الصادرة من المنزل والهاتف المتحرك الخاص برشنا ليلة وفاتها.

التحقق من الجيران والاستماع إليهم.

الانتقال لمعاينة المنزل.

المقدم خالد: سيد سانجاي. هل يمكنني استيضاح بعض الأمور؟

سانجاي بكل تأكيد.

المقدم خالد: شكراً. هل كانت هناك مشاكل بينك وبين زوجتك؟

سانجاي: لا يوجد منزل يخلو من مشاكل. فالمشاكل ملح الحياة.

المقدم خالد: هل كانت هناك مشاكل محددة مستمرة بينكما؟

سانجاي: كلا.

المقدم خالد: كيف اكتشفت أنها دخلت في غيبوبة. ومتى؟

سانجاي: في تمام السابعة الرابعة والنصف عندما رجعت إلى المنزل. فحاولن أن أسلم عليها ولكنها لم تكن تتحرك أو تجيب فاتصلت بالنجدة. وفي الطريق وبوصولنا إلى المستشفى أبلغت بأنها فارقت الحياة.

المقدم خالد: أكرر تعاطفي معك على فقدك الكبير. ولكن سنحتاج إليك معنا خلال الساعات القادمة.

 

سانجاي: بكل تأكيد

أثناء الحوار قام الضابط وتنفيذاً لتعليمات المقدم خالد. بتحويل جثة رشنا إلى الطبيب الشرعي لبيان سبب الوفاة. كما حصل على جميع أرقام الهواتف التي اتصلت بها رشنا ليلة وفاتها من هاتف المنزل وهاتفها المتحرك. فاتضح أن رشنا اتصلت بسانجاي ‬20 مرة ولم يرد ما بين الساعة الواحدة فجراً حتى الثالثة. عندها اتصلت بصديقتها كوماري تشتكي من سوء سلوك زوجها واعتياده السهر مع الفتيات. كيف وهي التي باعت أهلها من أجله. وأنها بدأت تعاقر الخمرة كي تتمكن من التخفيف على نفسها.

وفي تمام الساعة التاسعة صباحاً. اتصل خالد بجار سانجاي ورشنا. حيث أكد سماعه في تمام الساعة الرابعة فجراً صوت شجار وصراخ بمنزل سانجاي ورشنا. ولم يستغرب من ذلك لأنهما كانا يتشاجران باستمرار.

في تمام الساعة العاشرة صباحاً رجع خالد إلى سانجاي:

المقدم خالد: تحدثت مع كوماري صديقة رشنا و.....؟

قاطعه سانجاي: هي دائمة الشكوك والتذمر.

المقدم خالد: كما تحدثت مع جارك و...؟

قاطعة مرة أخرى: لقد أثرت عليهم أيضاً.

المقدم خالد: قد يكون ذلك صحيحاً. ولكنهما أكد وجود صوت شجار، الأمر الذي يتعارض مع أقوالك. 

سانجاي: بقي صامتاً.

المقدم خالد: كيف تفسر لي أحمرار رقبتك؟

سانجاي:.. سكت برهة. ورجع بذهنه إلى الماضي. إلى ما قبل عقدين من الزمان. رشنا الجميلة الحيوية. تملأ حياته بالسعادة. وتفانيها له وهروبها من أهلها لأجله.. لم يتمالك نفسه وانهمر في البكاء. نعم باعت أهلها وأحبتني ولكنني بدأت ألعب وألهو وأخونها. فكانت تحاول ان تقنعني تارة. وتردعني تارة أخرى. وتغمض بصرها في أغلب الأحيان عن مساوئي ولكنني تماديت.

المقدم خالد: مستغلاً انفعال سانجاي. هل ضربتها عن عودتك؟

سانجاي: كلا هي التي بدأت بالشجار فقد كانت ثملة وقامت بضربي فرددت عليها بلكمة أخطأت وجهها وأصابت رقبتها. حيث سقطت. ثم نهضت واتجهت إلى السرير كي تنام. وبعد نصف ساعة اتجهت إليها لتقديم اعتذاري. ولكنها لم تكن تتحرك أو تجيب. فاتصلت بالشرطة. التي أرسلت سيارة إسعاف ودورية. فتم نقلها إلى المستشفى حيث أبلغت بوفاتها.