رغم أن القضاء أنصفه وقال انه ورغم أعوامه السبعين يتمتع من ادراكه وعقله بما يمكنه إدارة حياته، إلا أنه لا يزال يسجن نفسه بين جدران غرفته غير مصدق لما حدث له، فأبناؤه الـ ‬12 الذين رباهم وأعطاهم حياته حتى أصبح منه جميع الأطباء والمهندسين ومدراء الإدارات، وقفوا أمامه في المحكمة ليقولوا انه قد أصيب بالخرف ولم يعد مؤتمنا على ماله، طالبين الحجر على أمواله وممتلكاته التي لا يحتاجون إلى شيء، منها فلكل منهم ماله الكثير مما جناه من وظيفته المحترمة والتي لم يكونوا ليحصلوا على أي منها لولا أنه أصر على أن يكملوا تعليمهم على أعلى مستوى.

من جهته القاضي ووفق القانون أحاله إلى الطبيب الشرعي والذي أكد أن الرجل وإن كان لديه ضرر في ذاكرتها التي كادت تنضب صفحاتها لكثرة ماكتب فيها، إلا أنه لا يزال يتمتع بقدرته على التفكير والحكم على الأشياء والناس، وبناء على ذلك قرر القاضي رفض دعوى الأبناء بنهاية صلاحية والدهم، ولكن هذا لم يخرجه من عزلته التي فرضها على نفس منذ أتاه المحضر بالدعوى ولا أحد يعلم إن كان سيشفى من جرحه أم سيذهب به إلى ربه شاكياً.

هذه صورة من صور العقوق التي شهدتها محكمة أبو ظبي مؤخراً، وهي ليست الوحيدة، وربما لن ينسى موظفو دائرة الاستئناف لفترة طويلة ذلك الشاب الذي وقف أمام القاضي مع أبيه في قضية مالية، ولم يشأ القاضي أن يدخل في في التفاصيل بدايةً وقال لهما: (أنتما أب وابنه ولا يجوز أن تصل الأمور بينكما للمحاكم)، فرد الابن: (ان الشاكي منع عني دفعة مالية ولي حقوق ماليه عليه وفق العقد)، فرد القاضي:( أنا لا أسألك الآن عن التفاصيل أنا أقول لك إنه أبوك وأنت ومالك لأبيك)، فكانت الإجابات تأتي دائماً تتحدث عن الأب بصيغة الشاكي والطرف الآخر لم يقل ولا لمرة واحدة كلمة والدي، من جهته قال الأب ان هذا الشاب هو ولده وأن مال الدنيا لا يساوي ظفره، ولكنه صدم عندما عرف أن ابنه قد اشتكاه للشرطة وهو صاحب الحق الذي طالما تنازل عنه في موضوع يتعلق بتكليف شركة المقاولات التي يملكها الابن ببناء فيلا للأب، ولكن الابن أخذ دفعات عدة دون أن يقوم بأي انجاز على أرض الواقع وعندما منع عنه والده أي دفعات جديدة تقدم بالشكوى ضده، وبالتالي أقام الأب هذه الدعوى بشيكات الضمان التي وقعها الابن، أما المشهد الذي كان موضع تعليق الجميع فكان لدى مغادرة الطرفين قاعة المحكمة، فقد سار الابن بخطواته الشابة متجاوزاً والده المتوكأ على عصاه بخطوات مرتجفة دون حتى ان ينظر إليه أو يرى تلك النظرة الدامعة والمعاتبة التي تعلقت بابنه حتى اختفى عن انظاره.

ومن القضايا التي علقت في أذهان المتابعين لدائرة القضاء تلك التي رفعتها فتاة على أبيها بسبب منعه لها من الخروج من المنزل متى شاءت ذلك، وكانت الدعوى ( حجز حرية الآخرين)، وكأن بمجتمعنا من يعتقد أنه من الممكن أن يكون (الأبناء آخرون) بالنسبة لآبائهم وهم بضعة منهم، الأب الذي منع ابنته من الخروج من المنزل بعد خروجها من السجن إثر ادانتها في إحدى القضايا، استمعت إلى أمها المطلقة ورفعت قضية على أبيها لتجبره على تركها تدخل وتخرج من البيت متى شاءت باعتبارها وصلت لسن الرشد!!!!

ولا يتوقف عقوق الآباء على الدعاوى المتبادلة في القضاء بينهم وبين أبنائهم بل للعقوق صور كثيرة، وهناك وجوه لأباء علقت في ذاكرة من رآهم لشدة ماحملت ملامحهم من ألم وحزن، ففي محكمة نقض أبو ظبي وبعد أن أقرت المحكمة حكم الإعدام على الابن المتهم بقتل صديقه وهو لا يزال في التاسعة عشرة من العمر، تلقى المتهم الغر الحكم بسخرية وأخذ يداعب والديه، إلا أن الأب الذي طعن في السن (أو ربما أن ماحل به من مصيبة أضاف له الكثير من الأعوام)، وقف مستنداً إلى الحائط الذي بجواره ثم مشى محني الظهر دامع العينين وكلتا يديه على الحائط يستند إليه بعد أن ذهب من ادخره سنداً.

وفي محكمة الجنايات هناك وجه طيب وحزين يعرفه الجميع لكثرة تردده على المحكمة لمتابعة اتهام ولده بتعاطي المخدرات،: الابن شاب لم يبلغ الـ ‬20 من عمره بعد، وكان قد حكم بالايداع في مركز اعادة التأهيل قبل سنوات، والأب مصر على أن ولده قد شفي من الإدمان وأنه كان في الخطوات الأخيرة من العلاج، كان يقول ذلك لكن من يقابله من موظفين واعلاميين ورجال شرطة، كان يصدق ابنه ويدافع عنه وعن ضرورة منحه فرصة أخرى للحياة الطبيعية ولكن القضاء لا يحكم إلا بالأوراق والمستندات فكان أن قصم ظهره بسجن ابنه أربعة سنوات.

أب آخر جاء إلى المحكمة متسائلا عن سبب استدعاء ابنته للمحاكمة و(على ماذا تحاسب، وما هي هذه التهمة المسماة هتك عرض بالتراضي)، لا يمكن لأي إنسان أن يتخيل نفسه مكان هذا الأب وهو يستمع لتفاصيل ما اتهمت به الابنة وهو واقف لا يستمع لطلب القاضي إليه بالجلوس يريد فقط أن يكون قريباً، حاولت البحث عن كلمات تصف وجهه وتعابيره فلم أجد وأترك لكل قارئ أن يرسم الصورة في خياله وليتوسع في رسم الألم ماشاء له فإن مارأيناه كان أكثر من أي خيال. هذا فقط بعض مما علق في مخيلتي خلال متابعتي لما يحدث في محاكم أبوظبي ولا يتسع المجال لذكر الكل، هي فقط اشارة تنبيه لمجتمع بدأ يتخلى عن شيء من روحه بالتخلي عن أعظم القيم التي طالما عرف بها وعرفت به متمثلة بالعائلة.