يقول تعالى: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير»..!
من أعجب الغرائب، أن تنقل الأنباء أن أحد أساتذة الجامعة في تل أبيب، ألقى بحثاً في الكنيست الإسرائيلي، يزعم فيه أن القدس لم تكن إسلامية في يوم من الأيام، وأن المسجد الأقصى لم يكن في القدس، وإنما كان في الطائف، التي كان بها مسجدان أحدهما سمى الأدنى والآخر سمي الأقصى أما كون الإسراء كان إلى القدس فهذا خطأ وقع فيه المسلمون، ومسجد القدس لم يكن يهتم به الإسلام في يوم من الأيام، وان اتخاذ الكعبة قبلة للمسلمين فهذا راجع إلى العصبية القبلية..!
وهكذا تأخذ الأهواء ثوب العلم، وتطرح الأحقاد والضغائن على مسامع الناس، من طيات الأرواب البحثية الأكاديمية، مدفوعة بالرغبة في تحقيق ما تتمناه إسرائيل، من إزاحة المسجد من مكانه، وإزاحة المسلمين والمسيحيين أيضاً من حول المسجد، لتحل مكانهم أجناس أخرى من شتى بقاع العالم، ممن يقبلون الهجرة إلى إسرائيل وتعمير هذه البقعة بمئات الآلاف من المؤمنين بنظرية الصهيونية التي تنتظر مسيح آخر الزمان، أو ملك اليهود، والذي عند المسيحيين والمسلمين هو المسيخ الدجال الذي يحارب الحق وأهله، حتى يقتله أهل الإسلام..!!
فذلك المدرس الجامعي الإسرائيلي كشف عن جهله بالإسلام، وجهله بالعروبة، وجهلة بتاريخ اليهود، وجهله أيضاً بالجغرافيا..!
فالذي يعلمه أطفال المسلمين، أن رحلة الإسراء والمعراج كانت والنبي صلى الله عليه وسلم في مكة أي قبل هجرته إلى المدينة، ومدينة الطائف يومها كانت وثنية ولم يكن بها مسجد واحد فضلاً عن مسجدين، بل إنها آذت النبي صلى الله عليه وسلم وأصمت اذانها عن دعوته، بل وأمرت سفهاءها وعبيدها وصبيانها أن يقذفوه بالحجارة حتى دميت قدماه، فأين كان هذا المسجد؟!
ليتضح أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إماماً للأنبياء جميعاً بعد أن جُمعوا له، وإمام المكان هو صاحبه، فالمكان ـ بيت المقدس ـ إذن يتبع النبي صلى الله عليه وسلم وهو صاحب الولاية، لأنه وارث النبوة والكتاب، فأصح الأقوال إن من بناه هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وإبراهيم عليه السلام لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً، وإن أولى الناس بإبراهيم الذين اتبعوه وهذا النبي ـ أي محمد صلى الله عليه وسلم ـ الذي بعث على حنيفيته السمحة، وثبت قول النبي صلى الله عليه وسلم عن المسجد الأقصى: «مسجد بنته الأنبياء وعمره الصالحون».!
وإذا كان المدرس الإسرائيلي يقول إن المسلمين اتجهوا إلى بيت المقدس خمسة عشر شهراً فقط، وهذا من جهله وغفلته وسوء مقصده، فإنه تحدث عن الفترة المدنية بعد الهجرة فقط، ولا يعلم أن الفترة المكية كلها كانت القبلة هي بيت المقدس أيضاً، غير أن المسلمين كانوا يجعلون الكعبة بين أيديهم ويتجهون إلى بيت المقدس، ومن يتجهون إلى الاثنين، فلما تمت الهجرة كانت الكعبة خلف ظهورهم، فشق ذلك عليهم؛.
ومن الله عليهم بتلبية رجائهم في العودة إلى البيت الحرام، والذي هو مركز الكرة الأرضية، ليناسب وسطية الأمة، ووسطية الرسالة، وهذا من تقدير الله، وإيقاع النسخ للسابق باللاحق..!
ولم ينته أمر المسجد الأقصى عند هذا الحد، فقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم من ثلاثة مساجد تشد إليها الرحال في الإسلام، فقال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» وجعل فضل الصلاة وجزاءها فيه مضاعفاً فقال: «صلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وصلاة في مسجدي هذا بخمسين ألف صلاة، وصلاة في المسجد الأقصى بألف صلاة»..!
ومن أجل هذه المكانة قامت حروب من أهل الإسلام، لإنقاذه وتحريره وتحرير أهله من النفوذ الروماني، منها ثلاثة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، غزوة مؤتة التي استشهد فيها ثلاثة من ألمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبدالله بن رواحة، ثم غزوة تبوك التي شارك فيها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، والثالث: ما سمي ببعث أسامة بن زيد» وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، كانت معركة أجنادين التي انتصر فيها أهل الإسلام بقيادة عمرو بن العاص، وحينما رفض أهل المدينة تسليمها إلا لأمير المؤمنين، كان من شروط المسيحيين في العهدة العمرية ألا يساكنهم فيها يهودي واحد.
ذلك أن لليهود في المكان تاريخا أسود، لا ينساه أهل النصرانية، من الخيانة والغدر والخسة واللؤم واستحلال الحرام، فقد كانوا ينافقون الرومان على حساب حقوق أهل البلد، ووصل غدرهم وزيف عقائدهم أن قتلوا الأنبياء ومنهم من قدمت رأسه هدية على طبق لراقصة مستهترة، كما دلوا على زكريا عليه، فاختبأ داخل شجرة كبيرة، فنشرت الشجرة نصفين وهو بداخلها، فلفظهم الناس، حتى حبات الرمل لعنتهم..!
بقلم ـ علي عيد