لم تحل الثلوج والأجواء المناخية السيئة، دون وصول عشرات من المغامرين يومياً إلى زيارة (عش الصقر) وهو شاليه جبلي للزعيم النازي أدولف هتلر يقع في منطقة (بيرشتيسغادن) في جبال بافاريا التي تكسوها الثلوج منذ أكثر من شهر ، وتعيق وصول الزائرين إلى أحد ألغاز العصر ، لكن سحر المكان وجبروت صاحبه لا يتوقفان عن النداء لمواصلة الصعود نحو سفح جبلي شيدت فوقه مساحة من العوارض الاسمنتية تفضي إلى المخبأ الأكثر تحصيناً آنذاك، ويستقطب هذا المخبأ حوالي الفي زائر يومياً في الصيف.
قبل الدخول إلى أنفاق المخبأ يسير المرء نزولاً وهو يشاهد حوله أهوال الحرب معلقة على الجدران ، عبر مئات الصور لمعارك أو مشاهد سياسية أو للقوات الألمانية في باريس أو وارسو ، كما تبدو صور الزعيم النازي في مختلف أطواره خطيباً ، رقيقاً يداعب كلبه ، متجهماً يخبط بقبضته المنصة ، وفي خزائن زجاجية نماذج لمراسلات رسمية و بطاقات شخصية و أقنعة غاز ، وغيرها من المتعلقات والتذكارات التابعة للحقبة النازية، ولا ينقطع صوت هتلر المنبعث من آلة تسجيل وهو يخطب صارخاً: (ألمانيا فوق الجميع).
أبرز (نزلاء) المخبأ بالإضافة إلى هتلر كانت عشيقته (لاحقا زوجته) أيفا براون ووزير الدعاية النازية جوزف غوبلز وعائلته (زوجة وستة أطفال) والسكرتيرة الوحيدة تراودل يونجي (توفيت قبل عامين بعد نشر مذكراتها) ومجموعة من ضباط الاستخبارات والشعب العسكرية والحرس الشخصي لهتلر.
وقد كان المخبأ مجهزاً بتقنية عالية لتوليد الطاقة و تكرير الهواء فضلاً عن غرف ومجالس و حمامات ومطابخ تكفي لإيواء 200 شخص ، لكن بريند فريتاج فون لورينغهوفن (وهو واحد من قلة من شهود العيان الذين كانوا مع هتلر في مخبأه الباقين على قيد الحياة) قال ان سبعين شخصاً كانوا حول هتلر بعدما وصلته تقارير عن مفاوضات استسلام يجريها هاينريتش هيملر قائد الاستخبارات وقد كانت تلك الحركة قد قصمت ظهر هتلر.
عمل بريند فريتاج فون لورينغهوفن أيضا مستشارا لفيلم (السقوط) عن أيام هتلر الأخيرة ، وشارك في تأليف احد الكتب الأكثر مبيعا عن تجاربه في مخبأ هتلر والمنشور في فرنسا بعنوان: (في مخبأ هتلر).
وقال فريتاج فون لورينجهوفن انه رأى أن النهاية قريبة عندما تلقى هتلر تقريرا اذاعيا سويديا بأن هاينريتش هيملر كان يسعى لنقل معلومة عبر دبلوماسي سويدي لجيوش الحلفاء بأن ألمانيا مستعدة للاستسلام. وأضاف أن الملحق العسكري لورينز قدم الى هتلر في مساء 28 أبريل تأكيدا لذلك التقرير من وكالة رويترز. غير ان زوار مخبأ هتلر «عش الصقر» في منطقة «بيرشتيسغادن» لا تعنيهم تفاصيل حياة هتلر العسكرية.
فقد تحقق حلمهم في الوصول إلى مكان سري نجا بشكل كبير من قصف الحلفاء ، حيث بقيت الجدران المحفورة داخل النفق متماسكة وصلبة وتفصلها عن الطبقة الصخرية عوازل بلاستيكية تمنع تسرب الماء من الثلوج التي تغطي الجبل ، وعلى تلك الجدران كتب الآلاف من الزوار عبارات تنم عن شتى المشاعر كتذكارات ليقرأها من يأتي بعدهم لزيارة المكان ، أكثرها طرافة «هتلر خلفك» فتلتفت بسرعة ...
ويجد الزائر لمخبأ (عش الصقر) عدة جماعات نجحت في الوصول إلى سفح الجبل تستمع إلى دليل محلي يشرح عن سماكة الجدران ودقة الهندسة المحكمة ويتحدث عن هتلر بحيادية مطلقة ، تاركاً لك مساحة الاعجاب التي تناسب موقفك الاخلاقي من رجل أراد ذات يوم أن يدمر العالم ، فانقسم إلى معسكرين ، بينما تحول هو إلى لغز لم يجد أحد إلى حله سبيلاً.
ميونيخ ـ حسين درويش
