الجهل وغياب التوعية والتثقيف الصحي يفاقمان من مشكلة الأمراض الوراثية في مجتمعاتنا العربية، ويقفان عقبة في وجه كل المحاولات العربية للحد من انتشار هذه الأمراض التي باتت تستنزف الطاقات والإمكانيات.


«أمية وراثية» .. هكذا أطلق عليها الدكتور غازي عمر تدمري المدير المساعد بالمركز العربي للدراسات الجينية، تلك التي تقف عائقا في وجه أي جهود عربية للحد من انتشار الأمراض الوراثية وما تفاقمه من مشكلات صحية واقتصادية واجتماعية، وخصوصا أن أسباب وعوامل هذه المشكلة في أغلبها تتعلق بنقص المعرفة حول هذا الأمر إضافة إلى العادات الاجتماعية وعلى رأسها زواج الأقارب، والعادات الغذائية والصحية.

برامج للتشخيص المبكر

الدكتور تدمري شدد في مطالبته لجميع شرائح المجتمع على ضرورة العمل معا، أصحاب قرار وعلماء وأطباء وجمعيات مرضى وإعلام ومؤسسات تعليم، لإلغاء هذه الأمية. وبشّر تدمري بأن إحصاءات المركز العربي للدراسات الجينية تشير إلى أن أكثر من نصف الأمراض الوراثية المنتشرة في العالم العربي تنتج عن اعتلالات في مواقع أحادية الجين مما يعزز فرص تشخيصها على المستوى الوراثي وبالتالي الوقاية منها الأمر الذي يتطلب تأمين الدعم المادي الكافي لبرامج التشخيص المبكر والتي تشمل المسوح على مستوى العائلات المصابة أو في الأولاد حديثي الولادة أو قبل الزواج أو أثناء الحمل أو إمكانية التشخيص المبكر قبل الإخصاب.

ويرى الدكتور فهد الملا من مركز العلوم الصحية في كليّة طب جامعة الكويت أن الحل الأمثل للحد من تأثير انتشار الاضطرابات الوراثية يتطلب تطبيق برامج وقائية فعالة مثل فحص حديثي الولادة وفحص الأشخاص الحاملين لصفة المرض وتطبيق الفحص الطبي للمقبلين على الزواج وتزويد الأطباء وغيرهم من الفئات الطبية بالمعلومات والمعارف الضرورية من المجتمعات العلمية العالمية وتطبيق هذه المعارف في أنظمة الصحة في الدول العربية، وتأسيس برامج موسعة لفحص الاضطرابات الوراثية في حديثي الولادة والتي تشكل وسيلة وقائية يمكن عن طريقها بدء التدخل العلاجي مبكرا. لافتا إلى أن تنفيذ هذه المخططات العلمية والتقنية قد يستغرق وقتا طويلا لكنها ستكون في نهاية المطاف لمصلحة المرضى والمجتمع على المدى الطويل.

الوقاية

من جهته تحدث الأستاذ الدكتور معين كنعان من جامعة بيت لحم عن تشخيص أوسع يشمل حجم المشكلة عربيا فجمع المعلومات من الدول العربية بالتعاون مع العلماء العرب سيعطي صورة واضحة عن أنماط الأمراض الوراثية فيها، وبالتالي القدرة على إيجاد استراتيجيات فعّالة للوقاية منها.

وتأكيدا على أن «الوقاية خير من قنطار علاج» أيدت الدكتورة رياح شوقي من كلية طب جامعة عين شمس ورئيسة الجمعية المصرية للأمراض الوراثية ما ذهب إليه الدكتور كنعان.

مشددة على أن الدور المطلوب من وزارات الصحة العربية هو العمل على إنشاء شبكة قومية لتسجيل الأمراض الوراثية لمعرفة حجم المشكلة وتحديد الأولويات والتعرف على المعتقدات الصحية والعادات والتقاليد ووضعها في الحسبان عند عمل أي خطة للحد من انتشار هذه الأمراض والتثقيف الصحي الوراثي للأطباء ولأصحاب القرار في الوزارات والمجتمع وخصوصا حول ضرورة الحد من زواج الأقارب.

دور الحكومات

كما أكدت على دور الحكومات العربية في ضرورة تشجيع الإقبال على التحاليل الوراثية قبل الزواج بدون إجبار وأثناء الحمل مع تأكيد سرية النتائج، والاهتمام بإدخال هذه البرامج في المقررات الدراسية، ودمج الخدمات الصحية للأمراض الوراثية مع الخدمات الصحية للأمراض الأخرى، وتشجيع البحث العلمي وتطوير المعامل وإدخال التكنولوجيا الحديثة وتشجيع إنشاء الجمعيات الأهلية للعناية بهذه العائلات وتطوير البرامج القومية للمسح الوراثي للمواليد، وزيادة عدد الأمراض التي يتم تشخيصها في هذه البرامج.

وقالت: «على الحكومات أن تعرف أن إنقاذ طفل من التخلف العقلي والتشوهات الخلقية سيكون أقل تكلفة من رعاية هذا الطفل مدى الحياة».

بشائر

بشائر الحلول تبدأ عند الدكتورة حبيبة شعبوني أستاذة علم الوراثة الطبية في كلية طب جامعة تونس ورئيسة قسم الأمراض الخُلُقية والوراثية في مستشفى شارل نيكول، من التوعية إذ «يمكن التوصل إلى تخفيض نسبة الأمراض الوراثية بطرق عديدة ومتكاملة» وأولها تمرير معلومة للمقبلين على الزواج في ما يخص العوامل المؤثرة والمساعدة على ظهور الأمراض الوراثية كالزواج من الأقارب خصوصاً في حالة وجود مرض أو عدة أمراض وراثية في العائلة» وهذا الأمر وفق رأي الدكتورة حبيبة من شأنه أن يحذرهم من التأثيرات السلبية لهذه العوامل خاصة وأن وجود فرد في العائلة حامل لمرض وراثي يضاعف نسبة ظهوره عند أطفال الأزواج المنتمين إلى نفس العائلة.

وتضيف «الفحوصات الطبية الموجهة حسب الحالات تسمح إما بطمأنة المقبلين على الزواج أو بتحذيرهم من المخاطر»، مؤكدة ضرورة الاستمرارية في المراقبة الصحية بعد الزواج خصوصا مراقبة الحمل وإذا أمكن ذلك التأكد من سلامة الجنين، فالنصيحة الوراثية والكشف الطبي أثناء الحمل أو الكشف المخبري قبل زرع المضغة في حالة الإنجاب بالمساعدة الطبية هي تكملة للكشف الطبي السابق للزواج.

المشورة الوراثية

الدكتور غازي كنعان اكد أن المشورة الوراثية حول زواج الأقارب «تعطى استناداً إلى وضع العائلة الخاص بها، فمثلاً عند معرفة وجود أحد الأمراض الوراثية الجسمية المتنحية في العائلة، تستوجب الحيطة الشديدة في اتخاذ القرار بالزواج من الأقارب وربما تحتاج العائلة إلى القيام ببعض الفحوصات المخبرية لتحديد الجينة المسببة للمرض وبالتالي تشخيص حاملي الجينة».

وفي حال عدم وجود أحد الأمراض الوراثية المتنحية في العائلة، يشير الدكتور كنعان إلى أن نسبة حدوث العيوب الخلقية بين مواليد زواج أولاد العمومة تكون ضعف نسبتها المعروفة في المجتمع عموماً (2 ـ3% بين المواليد الجدد)، أي حوالي 4 ـ 6%، وتضيف أن هناك كذلك عدة أسباب بيئية تدخل في نطاق حدوث العيوب الخلقية حيث تكون الوقاية منها ممكنة باتباع الأم لنصائح طبيبها قبل وأثناء فترة الحمل.

توصيات

الدكتورة شيخة العريّض من مجمّع السلمانية الطبي في مملكة البحرين فضلت أن ترفع قائمة توصيات عبر «البيان» إلى المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة في دول الخليج ومجلس وزراء الصحة العرب لدى الجامعة العربية للحد من انتشار الأمراض الوراثية ومن ضمنها إنشاء مراكز وراثة متقدمة في جميع البلاد العربية، تشمل المختبرات والعيادات ومراكز البحوث، وإنشاء شبكة قومية لتسجيل الأمراض الوراثية لمعرفة حجم المشكلة وتحديد الأولويات والتعرف على المعتقدات الصحية والعادات والتقاليد ووضعها في الحسبان عند عمل أي خطة للحد من انتشار هذه الأمراض.

كما طالبت بضرورة الكشف المبكر للتشوهات الخلقية وبدء العلاج فوراً ومتابعة الوزن والطول والنمو في الأطفال لاكتشاف المرض مبكراً وبدء العلاج والمسح الوراثي للمواليد في الأسبوع الأول بعد الولادة بأخذ عينة من كعب الطفل للأمراض الوراثية المنتشرة وبدء العلاج فوراً لمنع التخلف العقلي وضمور الأعصاب.

والتركيز على الفحص الطبي للمقبلين علي الزواج لاكتشاف حاملي الأمراض الوراثية وإعطائهم النصيحة بعدم الزواج إذا ثبت أن الاثنين حاملان لنفس المرض والتطعيم ضد الحصبة الألمانية، والإرشاد الوراثي للعائلات التي بها مرض وراثي وتقديم النصيحة لهم.

وشددت الدكتورة العريض على ضرورة الكشف عن الأمراض الوراثية في البويضة الملقحة (في طفل الأنابيب) وغرس السليمة واستبعاد المصابة بالأمراض الوراثية وتشجيع التدريب في مجال الوراثة، إلى جانب دعم تدريس مادة الوراثة في المدارس والجامعات.

جهود

الإمارات تطبق برنامج فحص حديثي الولادة

بدأت دولة الإمارات بتطبيق برنامج فحص حديثي الولادة يضمن حصول كل المواليد على الفحص الشامل لحديثي الولادة من خلال برنامج الفحص الوقائي لحديثي الولادة والذي يشمل؛ تثقيف الوالدين، الفحص الإكلينيكي الشامل، الفحوصات الوقائية، المتابعة، التشخيص، الإرشاد، العلاج، والتقييم. سيتم فحص كل المواليد حديثي الولادة للكشف عن المشاكل الوراثية والخلقية الضارة والتي قد تكون خطيرة وعادة غير واضحة عند الولادة. هذه الاضطرابات قد تؤثر على النمو العقلي والجسدي للطفل. وفي بعض الحالات يمكن أن تؤدي إلى الوفاة.

والحالات التي سيتم إجراء الفحوصات الوقائية للكشف عنها في البرنامج هي: فينيل كيتون يوريا، قصور الغدة الدرقية الوراثي، تضخم الغدة الكظرية الكمي الوراثي، أمراض الأنيميا المنجلية، الثلاسيميا، الغلاكتوسيميا، بيوتيدينيز، الداء الليفي الكيسي، الصمم الوراثي، أنيميا البقول. وقد تم تحديد هذه الأمراض بناء علي دراسة احتياجات الصحة العامة.

قال البروفيسور نجيب الخاجة أمين عام جائزة حمدان للعلوم الطبية عند بدء العمل في المركز العربي للداسات الجينية كانت توقعاتنا لعدد الأمراض الوراثية في الإمارات تتراوح بين 19 إلى 25 مرضا ولكننا استطعنا حصر 251 مرضا وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على حجم المشكلة الكبير في الدول العربية.

تحقيق ـ عماد عبد الحميد