ذكرت خطبة الجمعة أمس أن الله تعالى أمر المسلمين بفعل الخير، وجعله من أسباب الفلاح يوم القيامة، قال جل جلاله (وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) ومن وجوه الخير إعانة الناس، والسعي في قضاء حوائجهم، والسهر على مصالحهم وشؤونهم، وإدخال السرور والبهجة عليهم، ففي ذلك إشعار لهؤلاء المحتاجين بالاهتمام بهم، والوقوف إلى جانبهم، ومشاركتهم في سرائهم وضرائهم، وهذا يساعد على التخفيف من معاناتهم وآلامهم.
وأشارت إلى أن نصوصا كثيرة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم جاءت ترغب في الخير، وتبشر فاعله بالجزاء العظيم في الدنيا والآخرة، وجعل الله تعالى فعل الخير ذخرا لصاحبه، يجده عند ربه يوم لقائه، قال سبحانه (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير) وقال عز وجل (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا).
وبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم الساعي في قضاء حوائج الخلق بخير عظيم في الدنيا والآخرة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».
وذكرت أن هذا الحديث الشريف بشر الذي يقضي حوائج الخلق بوجوه من الثواب هي أعظم وأجل مما بذله في الدنيا، فبشره بتنفيس كرب يوم القيامة، وما أعظمها، وبتيسير الله تعالى وستره وعونه في الدنيا والآخرة، وما أحوج الإنسان إلى رحمة ربه جل وعلا.
وكان من صفات الأنبياء والصالحين من عباد الله السعي في قضاء حوائج الخلق، ولنا في كتاب الله تعالى وسيرة نبيه صلى الله عليه وسلم وسيرة السابقين والأخيار نماذج رائعة للاقتداء.
ومن ذلك: موقف سيدنا موسى عليه السلام مع ابنتي شعيب حيث سقى لهما وأراحهما من العناء، قال تعالى في قصته (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير * فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير).
ومن النماذج الراقية الصالحة للاقتداء أيضا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه، فهذه زوجته خديجة رضي الله عنها تصف شمائله فتقول: إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق، فالرسول صلى الله عليه وسلم رحمة تشمل الناس جميعا، كبيرهم وصغيرهم، ذكرهم وأنثاهم.
وأما صحابته رضي الله عنهم فكانوا على هديه صلى الله عليه وسلم فعن أبي صالح الغفاري: أن عمر بن الخطاب كان يتعهد عجوزا كبيرة عمياء في بعض حواشي المدينة من الليل، فيسقي لها ويقوم بأمرها، فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها، فأصلح ما أرادت، فجاءها غير مرة كي لا يسبق إليها، فرصده عمر فإذا هو بأبي بكر الذي يأتيها، فقال عمر: أنت هو لعمري.
فما أعظم هذه النماذج الرائعة التي تفيض بالرحمة على المحتاجين والضعفاء، وما أحوج البشرية اليوم إلى أن يسودها مثل هذا السلوك الراقي العظيم.
وجاء في الخطبة الثانية أن الله تعالى يقول (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) وعملا بهذه الآية الكريمة فقد دأبت قيادتنا الرشيدة على تفريج كربات الناس وقضاء حوائجهم وإغاثة ملهوفهم في الداخل وفي شتى دول العالم، حيث تقوم بقضاء ديون المعسرين، وكفالة الأيتام، وإعانة الأرامل ومعالجة المرضى ومساعدة الفقراء والمحتاجين.
