عباس آل علي شاب إماراتي يتغلب على الصعوبات اليومية التي تواجهه وأبرزها ازدحام السير وتأخره عن العمل أحيانا بأسلوب يجمع بين الطرافة والغرابة في الوقت نفسه، معتمدا على هاتفه النقال، وكلماته المنتقاة بعناية وذكاء.

أنا مساعد مدير خدمة العملاء في أحد المتاجر الضخمة لبيع الأجهزة الإلكترونية، وقد بدأت العمل في هذا المجال الرائع منذ عشر سنوات تعلمت خلالها الكثير من الأمور المهمة في الحياة أهمها الصبر، والتحمل، واللباقة، وتنظيم الوقت، والسيطرة على الغضب والانفعالات، إلى أن أصبحت قادرا على فهم طبيعة الآخرين حتى لو لم أتحدث إليهم، والتعامل معهم بالطريقة التي ترضيهم وتقربني منهم أكثر، كما استطعت تكوين الكثير من الصداقات والمعارف.أنام باكرا وأستيقظ في ساعات الفجر الأولى، حيث أحرص على أداء بعض العبادات، ومن ثم أقوم بتجهيز نفسي للانطلاق إلى دبي في تمام الساعة الخامسة والنصف صباحا، فأنا من سكان مدينة الشارقة ويجب أن أستخدم جميع الوسائل الممكنة للهروب من الازدحام الصباحي حتى لو كان ذلك على حساب تقليل ساعات نومي.

وعلى الرغم من خروجي الباكر من المنزل إلا أنني أصل في كثير من الأحيان متأخرا إلى العمل أو قبل بداية الدوام بخمس دقائق، وكم أتمنى أن تجد الجهات المعنية حلا لتلك المشكلة، لأن صوت فيروز لا يستطيع إنقاذ السائقين من الاكتئاب، والضجر، والانزعاج الكبير.

إصرار على الابتكار

معاناتي اليومية مع الازدحام الصباحي جعلتني أكثر إصرارا على ابتكار أساليب معينة تخرجني من دائرة الإحباط والملل وتبقي ضغطي في مستواه الطبيعي، حيث أصبحت صديقا للبرنامج الإذاعي الذي يقدمه الإعلامي راشد الخرجي، فبينما تكون حركة السير متوقفة أقوم بإرسال الرسائل النصية المتنوعة التي أبدي فيها رأيي الخاص بالمواضيع التي يناقشها الجمهور تارة.

والتي تحتوي على أدعية وحكم ونصائح لتطوير الذات تارة أخرى، وهكذا حتى أصل إلى مقر العمل، حيث أرتدي قناع النشاط والحيوية، وأحاول أن أكون شخصا إيجابيا، على الرغم من شعوري بالإرهاق الذي ينتج عن ساعات القيادة الطويلة.

أبدأ بتفقد المتجر من حيث نظافته ومستوى تنظيمه وترتيبه، كما أتأكد من وصول جميع الموظفين، ومن ثم أحرص على مساعدة الزبائن والإجابة على استفساراتهم، وتقديم النصائح الشرائية لهم إن شعرت أنهم مترددون، ومن يعتقد أن العمل في مجال خدمة العملاء أمرا سهلا، فهو مخطئ، لأن على الموظف أن يعتني بأسلوبه في التعامل مع الآخرين لامتصاص غضبهم، وتهدئتهم.

وأن يكون على قدر كبير من الثقافة والذكاء والدبلوماسية وسرعة البديهة حتى يحظى باحترام الجمهور وثقتهم، وأذكر أنني ضبطت أعصابي بصعوبة ذات مرة حين أتى إلى المحل زبون يطلب رد الجهاز الذي اشتراه منذ مدة تعدت المدة المسموح خلالها رد البضاعة، حيث كان شخصا انفعاليا وقام برمي الجهاز على الأرض وكسره تعبيرا عن غضبه ورفضه للقانون، وما كان مني إلا أن ظللت صامتا حتى انتهى، وعندما هممت بالحديث للرد عليه بأسلوب لائق قاطعني عدة مرات ولم يسمح لي بالكلام وأدار لي ظهره وخرج.

انزعاج داخلي

عدم تفهم الزبائن لقوانين المحل وإصرارهم على تخطيها، يثيران انزعاجا داخليا كبيرا في نفسي، حيث أقضي وقتا طويلا في إقناعهم والإجابة عن أسئلتهم، ولكنهم في النهاية يتهمونني بالتقصير، وأذكر أنني في معرض «جيتكس» الذي انتهى قبل فترة استغرقت 45 دقيقة في شرح مميزات هاتف نقال لرجل كبير بالسن.

وبعد أن اشتراه عاد إلى ركن متجرنا وأراد استرجاع نقوده لأنه لم يفهم معلومة بسيطة، فقمت بإعادة الشرح مرة أخرى لمدة نصف ساعة، وهذا أشعرني بالانكسار والإحباط لأنني بذلت مجهودا جبارا في الوصول إلى عقله.

اهتمامي الكبير بتنظيم وقتي يساعدني على ثقيف نفسي أكثر، وقد قمت بترتيب أنشطتي وخططي المسائية ضمن جدول واضح بحيث لا يستطيع الملل التسلل إلى أعماقي، فأنا أظل منشغلا في متابعة الزبائن طيلة الوقت إلى أن ينتهي وقت دوامي في تمام الساعة السادسة مساء، حيث أشعر بالحرية المطلقة، وأذهب لحضور الندوات المتنوعة والدورات التي تعنى بتطوير المهارات، وتحليل الأنماط الشخصية من خلال تعلم وفهم لغة الجسد.

وكل ذلك لأنني أحرص على تطوير معلوماتي من النواحي الدينية، والاجتماعية، والرياضية، وقد تتطلب المشاركة في هذه الدورات المبيت خارج المنزل، والتغيب عن أفراد العائلة لعدة أيام، وهذا يجعل عملية إرضائهم صعبة نوعا ما، ولكنني أقوم بتعويضهم عن غيابي بتخصيص يوما لهم خلال الأسبوع، كما أنني لا أتوانى عن تقديم النصائح الشرائية لهم أيضا ولعب دور موظف خدمة العملاء في المنزل مرة أخرى.

عندما أعود إلى المنزل ليلا، أقضي وقتا جيدا أمام شاشة التلفاز، فأنا من عشاق أفلام الأكشن و«البلاي ستيشن»، وفي حال أردت الخروج مع أصدقائي، فإننا نذهب إلى إحدى صالات السينما لكسر الروتين.

ريما عبدالفتاح